الأطفال السوريون.. من نيران الحرب إلى براثن الفقر والعمالة

عمال موسميون في مصانع بعضها يملكها سوريون.. الحكومة التركية تستنكر تقرير «بي بي سي»

طفل سوري في غازي عنتاب بتركيا ويتراوح عدد الأطفال السوريين في سوق العمل في المدينة ما بين 6 و7 آلاف طفل (أ.ف.ب)
طفل سوري في غازي عنتاب بتركيا ويتراوح عدد الأطفال السوريين في سوق العمل في المدينة ما بين 6 و7 آلاف طفل (أ.ف.ب)
TT

الأطفال السوريون.. من نيران الحرب إلى براثن الفقر والعمالة

طفل سوري في غازي عنتاب بتركيا ويتراوح عدد الأطفال السوريين في سوق العمل في المدينة ما بين 6 و7 آلاف طفل (أ.ف.ب)
طفل سوري في غازي عنتاب بتركيا ويتراوح عدد الأطفال السوريين في سوق العمل في المدينة ما بين 6 و7 آلاف طفل (أ.ف.ب)

يواجه الأطفال السوريون، الذين اضطروا لمغادرة بلادهم منذ 2011 ضمن أوسع حركة نزوح يواجهها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، أوضاعًا صعبة في البلاد التي لجأوا إليها فرارا من القصف والبراميل المتفجرة والغازات السامة.
وجد هؤلاء الأطفال أنفسهم في كثير من الحالات أمام خيار قاسٍ هو العمل في سن مبكرة من أجل المساعدة في نفقات الحياة الصعبة في بلاد اللجوء. وإضافة إلى الآلاف الذين تحولوا إلى التسول، هناك آلاف منهم تحت السن القانوني يعملون بشكل غير منظم، وغير قانوني.
وفي تركيا، التي تعد إحدى الدول التي استقبلت أكبر عدد من اللاجئين السوريين يصل إلى قرابة 3 ملايين لاجئ، هناك بالأساس مشكلة تتعلق بعمالة الأطفال، اتسعت مع وجود السوريين.
وبحسب بيانات صادرة عن معهد الإحصاء التركي بلغ عدد الأطفال الذين يعملون في سوق العمل غير القانونية وتتراوح أعمارهم بين 6 و17 عامًا إلى 893 ألفًا عام 2012، وارتفع هذا العدد إلى أكثر من المليون الآن، لكن إذا أضيفت أعداد الأطفال السوريين، فإن الرقم قد يصل إلى نحو مليون ونصف المليون. وهذا ما أكده تقرير مشترك صادر عن وكالة المساعدات الإنسانية «سبورت تو ليف» ومركز البحوث عن الهجرة في جامعة إسطنبول من أن الرقم قد يكون أعلى بكثير اليوم مع انضمام الأطفال اللاجئين السوريين لاقتصاد الظل في تركيا.
ووفقًا للتقرير، فإن المشكلات الرئيسية التي يعانيها الأطفال العاملون هي نقص فرص الحصول على التعليم، وتباطؤ النمو البدني والنفسي والإيذاء الجسدي الناجم عن طبيعة عملهم، والتحرش والاستغلال والإهمال. ولفت التقرير إلى أن نصف الأتراك الذين يعيشون تحت خط الفقر والبالغ عددهم نحو 17 مليون نسمة هم من الأطفال، في حين يخرج 400 ألف طفل في البلاد بعيدا عن منازلهم كعمال موسميين.
وعلى الرغم من عدم القدرة على تحديد رقم معين، أوضح التقرير أن المزيد والمزيد من الأطفال السوريين بدأوا بالعمل بشكل غير رسمي كعمال موسميين.
وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة فإن عدد الأطفال السوريين الذين عبروا الحدود كلاجئين تجاوز حاجز المليون طفلٍ، موزّعين على دول الجوار، أكثر من ثلثي هذا العدد هم دون سن الحادية عشرة.
وتنتشر ظاهرة عمل الأطفال السوريين في مصانع للأحذية في غازي عنتاب في جنوب تركيا، وهي من المدن التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين لقربها من حلب.
وبحسب أرقام شبه رسمية صادرة عن السلطات المحلية التركية في مدينة غازي عنتاب، فإن المدينة تضم نحو 450 ألف لاجئ سوري، نصفهم ممن تقل أعمارهم عن سن 18 عاما، وهذا ما يضع المدينة على رأس قائمة المدن التركية الأكثر تسجيلاً لظاهرة عمالة الأطفال السوريين. ويتراوح عدد الأطفال السوريين في سوق العمل في مدينة عنتاب مابين 6 و7 آلاف طفل وصبي أقل من 18 عامًا.
وتأتي غازي عنتاب في المرتبة الثانية بعد مدينة شانلي أورفا في تسجيل أعداد الأطفال السوريين المنخرطين في العمل بسبب الفقر وقلة المدارس السورية، والانتشار السريع للمشاريع الصغيرة للسوريين التي تسهل عمالة الأطفال، وعدم تطبيق السلطات التركية للقوانين الصارمة التي تحارب هذه الظاهرة.
أحد الأطفال السوريين عمره 13 عامًا قال إن بيتهم في سوريا هدم جراء سقوط قذائف هاون، ومات والده، ولا يوجد عمل هناك، وهم أربعة أخوة هو أكبرهم جاءوا إلى تركيا مع والدتهم، وكأي طفل هو يحب المدرسة ويحب اللعب لكنه وجد نفسه مضطرا للعمل من أجل أسرته، لأن الأم تعمل في أشياء بسيطة لا تحصل منه على ما يكفي للحياة.
أحد رجال الأعمال السوريين افتتح مصنع أحذية في غازي عنتاب، يقول إنه يشغل الأطفال السوريين حتى يجنبهم التسول في الشوارع، وكل منهم يحصل على نحو 200 ليرة تركية كل شهر (نحو 70 دولارًا). وفي إسطنبول في حي الفاتح وفي أحياء أخرى توجه السوريون للإقامة، وفيها ينتشر الأطفال الذين يعملون في محلات بيع الأدوات المنزلية والأفران والمطاعم ومحلات الأحذية وصالونات الحلاقة وغيرها.
وهناك أصحاب محال يستغلون هؤلاء الأطفال، خصوصًا السوريين، لأنه من السهل عدم منحهم أي أموال على الإطلاق. بالإضافة إلى أنهم لا يستطيعون تقديم شكوى لأنهم تحت السن القانونية للعمل، لذلك فإنهم لا يستطيعون الحصول على شيء.
وكثير من الأطفال السوريين يعملون في الشوارع في جمع البلاستيك والمعادن والورق المقوى من صناديق القمامة وبيعه لمصانع تدوير القمامة مقابل مبالغ بسيطة.
في محافظة هطاي جنوب تركيا على الحدود مع سوريا وفي بلدة الريحانية التي تشهد تمركزا كبيرا للسوريين، قال محمد بدر الدين الذي أنشأ مركزا لحماية الطفل إنه قابل كثيرًا من الأطفال يعملون لمدة 14 أو 18 ساعة في اليوم مقابل 5 أو 6 دولارات، وهذا أجر قليل جدًا في تركيا.
وأشار إلى أنه يوجد كثير من المصانع لتشغيل الأطفال تشجعهم على العمل وتساعدهم على هذا من خلال منحهم عربات وحقائب وحتى عربات تجرها الخيول ويأخذون نسبة عليها. يأخذون المزيد من الأموال، إذا كان الشخص أكبر سنًا، لكنهم يقومون بهذا، لأنهم أطفال، ولأنهم مستغلون، ويعملون لساعات أطول، بأجور أقل. الأطفال يتعرضون لكثير من الانتهاكات في الشوارع، هناك أطفال يتعرضون للاغتصاب، فتيات في سن العاشرة، تعرضن للتحرش الجنسي.
ولفت تقرير صادر عن مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التركية إلى أن استخدام الأطفال السوريين الذين لم يبلغوا السن القانونية للعمل في ازدياد.
ويبلغ عدد الأطفال السوريين المتسربين من المدارس التي أقامتها الحكومة التركية أو المراكز التعليمية المؤقتة نحو 30 ألفا. وفي تقرير نشرته منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية أواخر العام الماضي هناك أكثر من 400 ألف طفل لاجئ سوري يعيشون في تركيا لا يذهبون إلى المدرسة، وأنه رغم الجهود التي بذلتها الحكومة التركية لكنها لم تتمكن من ضمان حصول طلاب المدارس السوريين على فرص تعليم، كما ينص على ذلك القانون الدولي.
ومن بين اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا، هناك 708 آلاف طفل في سن المدرسة. واستنادًا لبيانات وزارة التربية الوطنية التركية، التحق فيما يزيد قليلا عن 212 ألف طفل بالتعليم الرسمي في المرحلتين الابتدائية والإعدادية بين عامي 2014 و2015.
وبلغ معدل الالتحاق داخل مخيمات اللاجئين ما يقرب من 90 في المائة، لكن بالنسبة للغالبية التي تعيش خارج المخيمات، لم تتجاوز نسبة التحاق للأطفال بالمدرسة 25 في المائة. وبشكل عام، لا يتلقى أكثر من ثلثي الأطفال السوريين أي تعليم رسمي في تركيا.
ويتسبب العجز عن تزويد الأطفال السوريين بالتعليم في تعريض جيل كامل للخطر. ومع عدم وجود أمل حقيقي في مستقبل أفضل، قد ينتهي المطاف باللاجئين السوريين اليائسين إلى المغامرة بحياتهم عبر العودة إلى سوريا أو القيام برحلات خطيرة إلى أوروبا.
وتشكل الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها الأسر السورية في تركيا أيضًا عائقا رئيسيا أمام تعليم الأطفال وأحيانا لا يتمكن الآباء من إعالة أسرهم بسبب الدخل المتدني، الذي يحصلون عليه في سوق العمالة غير الرسمية، مما أدى لتفشي عمالة الأطفال بين اللاجئين السوريين.
وتقول السلطات التركية إنها أنفقت نحو 10 مليارات دولار على اللاجئين السوريين منذ عام 2011، و252 مليون دولار على تعليم اللاجئين السوريين في فترة 2014 - 2015 فقط.
واعترف وزير العمل والضمان الاجتماعي التركي محمد مؤذن أوغلو بوجود مشكلة حقيقية في تركيا فيما يتعلق بعمالة الأطفال، لكنه انتقد أول من أمس الجمعة، ما نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، حول تشغيل بعض ورش الملابس في تركيا أطفالا سوريين، قائلا إن التقرير ينم عن سوء نية، ولا يتماشى مع أخلاقيات مهنة الصحافة.
وفي تصريحات له في مدينة أنطاليا جنوب تركيا، قال مؤذن أوغلو إن وزارته طلبت من هيئة «بي بي سي» أن تمنحها عناوين الورش التي قالت إنها تشغل أطفالا سوريين، إلا أن الهيئة لم تمنحها أي معلومات حول الموضوع، ورفضت التواصل مع الوزارة.
وأضاف مؤذن أوغلو أن التقرير تحدث عن عمل أطفال سوريين في ورش تنتج ملابس لصالح علامات تجارية عالمية، إلا أن الشركة التي تشرف على الإنتاج لتلك العلامات التجارية في تركيا، أعلنت أن المكان الذي يقوم بالإنتاج لصالحها لا يعمل به أطفال، وهو بمثابة تكذيب دولي لما ورد في الخبر.
وقال الوزير إنه يمكن لـ«بي بي سي» نشر خبر عن فتح تركيا أبوابها لنحو 3 ملايين سوري، مشيرًا إلى أن تركيا قدمت مساعدات بقيمة أكثر من 10 مليارات دولار للعائلات السورية خلال نحو 5 سنوات.
وأقر مؤذن أوغلو بوجود مشكلة عمالة أطفال في تركيا، تعمل وزارته على مكافحتها، قائلا: «لو نُشر خبر عن عمالة الأطفال في تركيا لتفهمت ذلك، أما أن تنشر أخبار عن الأطفال السوريين أو أطفال جنوب شرق تركيا، فأعتقد أن الأمر يتضمن نية سيئة».



بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.