البشير: خطة لتقسيم المنطقة العربية عبر مشروع «إسرائيل الكبرى» مقابل مشروع «الدولة الصفوية»

الرئيس السوداني قال لـ «الشرق الأوسط» إن العلاقة مع مصر أزلية وتاريخية ومصيرية ولكن تبقى حلايب العقدة التي تنتظر حلاً

الرئيس البشير خلال حديثه لصحيفة العرب الدولية «الشرق الأوسط»  ( تصوير: بشير صالح)
الرئيس البشير خلال حديثه لصحيفة العرب الدولية «الشرق الأوسط» ( تصوير: بشير صالح)
TT

البشير: خطة لتقسيم المنطقة العربية عبر مشروع «إسرائيل الكبرى» مقابل مشروع «الدولة الصفوية»

الرئيس البشير خلال حديثه لصحيفة العرب الدولية «الشرق الأوسط»  ( تصوير: بشير صالح)
الرئيس البشير خلال حديثه لصحيفة العرب الدولية «الشرق الأوسط» ( تصوير: بشير صالح)

للمرة الثالثة كان لقاء «الشرق الأوسط»، مع الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير حيث الزمان والمكان في طيبة الطيبة، المدينة المنورة، أول عاصمة في التاريخ الإسلامي، والروحانيات التي تشعّ من جنباتها، تجعل من الصبر على الأسئلة القاسية شيئا من العبادة والتبتل، فبدأ حوارنا معه بعد أن أدى صلاة العشاء في المسجد النبوي وصلى في الروضة الشريفة، فحالا نوّه بخطورة مشروع التشيّع الإيراني واستهداف طهران لأهل السنة في سوريا وفي العراق، تمهيدا لدولتها الصفوية الممتدة إلى أدغال أفريقيا.
قال البشير إنه لن يندم على مقاطعته إيران ولا يأبه بتقنيتها الحربية التي كانت هي فقط الفاعل المستتر في جملة العلاقات، والتي وضع حدّا لنهايتها، مؤكدا أن إيران تقود حلفا صليبيا صهيونيا توطئة لمشروعها الفارسي بين المنطقتين العربية والأفريقية، ضمن خطة تقسيم المنطقة العربية عبر مشروعي «إسرائيل الكبرى» مقابل مشروع «الدولة الصفوية»، مرورا بدعمها المكشوف للحوثيين في اليمن. ولكن على صعيد العلاقات السودانية ـ المصرية، أكد البشير أنه ليس من مداراة لعقدة «حلايب» الموضع الخلافي الذي لا يتأخّر عن أي مائدة يتفاوض حولها البشير مع نظيره عبد الفتاح السيسي، غير أن الأوضاع المريرة التي يمرّ بها الوطن العربي والاستهداف الذي يترصد الوحدة والوجود العربي إقليما ودوليا، لا تجعل برأيه من مشكلة حلايب النقطة الفاصلة في أي مباحثات يتواضع إليها الجانبان.
الرئيس البشير، كشف من جانب آخر عن مساع سودانية جارية في سبيل إيجاد سبيل لجمع الصف الليبي لدرء المهددات الأمنية والمحاذير الإرهابية لما لها من أثر مباشر على كل جيرانها من المنطقة العربية والأفريقية وفي مقدمتها مصر والسودان وتشاد، والتي يؤجج لهيبها وفق رأيه القرار الأميركي «جاستا» كونه ينتهك سيادة الدول وينشر الفوضى ويزعزع الأمن والسلام الدوليين، مؤكدا أن «جاستا» قانون الغابة والكاوبوي ومرفوض سودانيا، مشددا على ضرورة وقف نزيف الدم في سوريا، متطلعا لتعزيز العمل الاستراتيجي المشترك مع الرياض. فإلى تفاصيل الحوار:
* بماذا حفلت زيارتكم الأخيرة للسعودية؟
- أتى اللقاء الأخير مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في إطار التشاور والتنسيق المستمر والذي يعتبر ديدن العلاقة بين السودان والسعودية، فالآن المنطقة العربية تمر بظروف صعبة وهناك الكثير من المشاكل، والتآمر على المنطقة، الأمر الذي يتطلب تعزيز التقارب والتشاور وقطعا كل من راقب الفترة الأخيرة، يشهد هجمة شرسة مرتبة ومنسقة، موجهة ضد السعودية، والمملكة بالنسبة لنا هي قلب العالم الإسلامي النابض، وأرض الحرمين، فضلا عن العلاقة الثنائية بين البلدين، حيث إن هناك البعد الإسلامي والأماكن المقدسة، والتي نحن على قناعة أنها تجد الرعاية والاهتمام الكبير جدا من السلطات السعودية، فالمملكة مسخرة كل إمكانياتها لخدمة الحرمين والحجاج والمعتمرين والزوار، وما حدث في موسم الحج الأخير، من ترتيب شهد به الجميع، ونحن كنا من المتابعين لتلك الجهود، ولذلك الظرف يتطلب أن نكون في حالة تشاور وتنسيق مستمر، ولقاءات مستمرة، لأن الأحداث متحركة، بسرعة، والمخاطر المحدقة بالمنطقة كبيرة، والمملكة اهتمامها تجاوز شأنها الداخلي وامتد لكل المنطقة العربية، والعالم الإسلامي.
* ما تقييمكم لما أنجزته قوات التحالف في اليمن حتى الآن في ظل خروقات الانقلابيين المستمرة على الهدنة؟
- قطعا، القضية اليمنية تهم الجميع، وتؤثر على الكل، حيث إنه قبل إعلان عاصفة الحزم، كان لدينا اتصال وتشاور مستمر مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عندما كان وليا للعهد ومع مساعديه، حول الأوضاع في اليمن، حيث وقتها كان الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية والأمير خالد بن بندر كان رئيس جهاز المخابرات، حيث إننا كنا على اتصالات مباشرة حول التطورات في اليمن لأنها تهمنا، لما لها تأثير كبير جدا على المنطقة العربية، خاصة أنها مجاورة لعدد من الدول العربية، فهي تقع في موقع استراتيجي مهم جدا، في باب المندب وهو مدخل البحر الأحمر، والذي يشكل أهم ممر مائي موجود الآن في العالم، ويعتبر شريان الحياة لكثير من دول العالم، فهو يمثل الممر التجاري الرئيسي لكل صادرات وواردات دول المنطقة، وظل التشاور مستمرا، وحقيقة العمليات في اليمن ليست بالسهلة، وهناك الكثير من المحاذير، حيث إن طبيعة اليمن وتضاريسه، تجعل صعوبة في إدارة العمليات، وأيضا هناك البعد الشعبي، فالناس حريصة على أن تكون هذه العمليات ليس لها تأثير مباشر، ولا خسائر في أرواح المدنيين، فهذا الحرص على سلامة المدنيين أيضا، داخل اليمن يجعل إدارة العمليات محتاجة للكثير من الصبر والحنكة، ولكن نحن مطمئنون في النهاية، بأنه سيتم النصر وتعود الشرعية لأهلها ويستتب الأمن ويعود الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وقطعا بأن تكون هناك هدنة وتكون هناك مفاوضات وحل سلمي لأننا نؤمن بأن الحل الذي يأتي عبر التفاوض والترتيبات السلمية أقل تكلفة في الإمكانات وفي الأرواح، والأخيرة هي الأهم، ودائما توجهنا البحث عن حلول سلمية عن طريق التفاوض، وفي هذا المقام أشيد بالجهود التي تبذلها دولة الكويت، وهي محتاجة لمدّ حبل الصبر، ولكن الانقلابيين يتبعون طريقة رفع سقف التفاوض، ويتبعونها بالإجراءات التي تنتهي بإجهاض كل محاولات الحل السلمي، كإعلان مجلس حكم ومجلس وزراء تنبئ عن أن الطرف الآخر في تعنت من جانبه، وهذا يحتاج إلى قليل من الضغط في الميدان، لأنه إجراء اضطراري لمواجهة ذلك لإجبارهم على الجلوس إلى مائدة المفاوضات، وهمنا الوصول لحلول للقضية الأمنية وليس الانتصار على الآخرين.
* ما زالت إيران تؤجج الصراع في كل من اليمن وسوريا وتمارس التشيّع في أفريقيا.. ما حجم المخاطر التي تشكلها من خلال هذا المسعى؟
- قناعتنا راسخة بأن هناك حلفا الآن ثلاثيا، صهيونيا صليبيا فارسيا، وهو الذي يدير كل العمليات في المنطقة العربية، وما يحدث في سوريا وفي اليمن قطعا، قضية واضحة جدا، وما يحدث في العراق قضية واضحة جدا، وحتى في لبنان وبكل أسف حتى داخل ليبيا كل هذه القضايا واضحة جدا، إنها تدمير للمنطقة العربية، وإبادة للمسلمين السنة، حيث إن أهل السنة في العراق والمدن السنية في العراق تتعرض إلى استهداف وجرائم كبيرة جدا، نعم وجود «داعش» كان عنصرا مغذيا للتبرير لاستهداف المدن السنية في العراق، والمحاولة المستمرة لإيقاف الدعم من أجل الإجراءات الإنسانية وإيصال الإغاثة في بعض المناطق في سوريا عامة وفي حلب تحديدا، كنموذج، لذلك في ذهننا مخطط لتقسيم المنطقة ما بين إسرائيل وللأخيرة مشروع «إسرائيل الكبرى» ممتد من الفرات إلى النيل وأيضا هناك مشروع «الدولة الصفوية» التي تحاول ألا تكتفي بخريطة فارس القديمة بل تحاول التمدد حتى في المناطق العربية داخل الجزيرة العربية، وفي الهلال الخصيب في سوريا ولبنان وفي جنوب الجزيرة في اليمن، طبعا نحن متابعون الاختراق الكبير في أفريقيا وفي عملية تشيّع تقوم بها إيران بصورة كبيرة جدا، حيث أنشئت الآن الكثير من الجامعات وهناك الكثير من الفرص التي تكون في شكل منح دراسية للدراسات العليا، لأبناء المسلمين في أفريقيا، علما بأن غالبية المسلمين في أفريقيا، في الدول الأفريقية التي كانت ترزح تحت نيران الاستعمار كانوا محرومين من التعليم لأن التعليم كان في الكنائس، حيث أتيحت فرص التعليم لأبناء غير المسلمين، أو حتى أبناء المسلمين الذين دخلوا تلك المدارس حيث تعرضوا لعمليات تنصير، رغم أن أفريقيا كانت قارة مسلمة قبل دخول الاستعمار، ولكن الاستعمار اخترقها بالكنائس، وبقي التعليم وسط المسلمين ضعيفا، ولذلك نقول إيران استغلت هذا الضعف وبدأت تعطي منحا دراسية لعدد كبير جدا من الطلاب في أفريقيا وعبر ذلك يتم تشييعهم، وإرسالهم ليصبحوا هم بدورهم عناصر لنشر المذهب الإثني عشري الرافضي، بل بدأت تطلق مدارس وجامعات داخل أفريقيا ولذلك فإن تقسيم مسلمي أفريقيا إلى سنة وشيعة رغم ضعف المسلمين في أفريقيا بسبب قلة التعليم، يشكل خطرا كبيرا جدا وهي تعمل بشدة لمحاصرة كافة المنطقة العربية من كل الاتجاهات والهدف هو أنه عندما يضعف العالم العربي يفسح المجال بكل سهولة لإقامة كيان دولة إسرائيل الكبرى والدولة الصفوية التي يخطط لها من جديد.
* ما الأثر السلبي أو الضرر الذي وقع على السودان جرّاء القطيعة بين الخرطوم وطهران سياسيا واقتصاديا؟
- قطعا العلاقة مع إيران كانت في بعدها السياسي إلى حد ما يبرز في المحافل الدولية، ولكن في المجال الاقتصادي لم يكن هناك تعاون يذكر بين البلدين، لأنه دائما كنا نصطدم في أي محاولة لتطوير علاقاتنا الاقتصادية مع إيران بموضوع الديون، حيث كانت هناك ديون محدودة لها على السودان منذ أيام شاه إيران، في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، ولكن الفوائد الربوية على هذه الديون أدت إلى تضخمها وكنا دائما نصطدم بصعوبة في إجراء أي تطور في علاقات اقتصادية أو تجارية، ما لم تحلّ قضية الديون، وفي فترة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، حاول أن يتجاوز هذه المرحلة ولكنه اصطدم هو الآخر بنفوذ سلطات البنك المركزي وتبادل مواقف، فكانت هي العقبة الأساسية، صحيح كان هناك تعاون في مجال التصنيع الحربي في مجال محدود جدا، وكان الدفع هنا بمقابل، ولكن بالنسبة لنا كنا نجد فيها بعض التقنيات التي حرمنا من التزوّد بها من عدد كبير من بلاد العالم المتقدمة بسبب العقوبات التي فرضت على السودان، فكانت ملاذا اضطراريا ملحّا، ولكن بالتأكيد ما فقدناه في قطيعة علاقتنا مع إيران، هو فقد التعاون في مجال التصنيع الحربي من بوابة الجزيئية التقنية المطلوبة، ولكن على الصعيد الاقتصادي ليس هناك علاقات أو تعاون يذكر في المجال الاقتصادي، وبالتالي هناك ما خسرناه اقتصاديا، جراء هذه القطيعة.
* كان للسودان دور بارز في تحريك الملف الليبي في بدايته.. هل تراجعت عزيمتكم فابتعدتم عنه؟
- أكثر منطقة كنّا قد استبشرنا بها كانت ليبيا، لأنه كنّا نعتبر معمر القذافي كان يشكل عنصر زعزعة لأمن المنطقة عامة وللسودان خاصة، حيث إنه كان يشكل الداعم الأساسي لكل حركات التمرّد سواء في كل السودان في جنوبه وفي غرب السودان، في دارفور، إذ كان يتولى أمر التمويل كاملا، فالشعب الليبي الذي لا يتجاوز تعداده الثلاثة ملايين نسمة، عاش في عهده فقرا مدقعا رغم أن ليبيا تنتج نحو ثلاثة ملايين برميل بترول، وأن البترول الأقل تكلفة من حيث الاستخراج لأن الشركات كانت قد استعادت تكلفة استخراجه بالكامل، وعملية النقل من الساحل الليبي مباشرة إلى الساحل الإيطالي لا تكلف، ولكن رغم كل ذلك كان الشعب الليبي يعيش فقرا مدقعا، لأن القذافي كان مسيطرا على كل البترول وثرواته وكلها كانت تحت تصرّف أفراد من حاشيته، بالإضافة إلى الضغوط والإرهاب الذي كان يمارسه ضد شعبه، ولذلك عندما انتفضت ليبيا كلنا استبشرنا خيرا بذلك، ودعمنا التغيير الذي قاده المنتفضون في ذلك الوقت في ليبيا، وكنا قريبين من مجلس الحكم الانتقالي الليبي وكنا نقدم له النصائح، ولكن للأسف نظام القذافي لم يورث ليبيا أي مؤسسات دولة، فهذه العقبة الأساسية التي واجهت المسؤولين في العهد الجديد، وكانت جهودنا المساهمة في بناء مؤسسات الدولة في ليبيا واعتقدنا أن همّ المؤسسات الرئيسي، بناء جيش وطني وبناء الأجهزة الشرطية والأمنية وبناء خدمة مدنية قادرة على تقديم الخدمات بشكل جيد وتدير الأمور في ليبيا، غير أن الإخوة في ليبيا تباطأوا في إنشاء هذه المؤسسات الأمر الذي جعل الثوّار يكونون محتفظين بسلاحهم حيث كان لديهم الشعور بأنهم قادة هذا التغيير وبالتالي لا بد أن يكون لهم دور كبير في إدارة ليبيا، فعدم توحيد الثوّار وعدم قيام جيش وطني، جعل كل ثوّار في منطقتهم المسيطرين على مواقعهم باستقلالية تامة جدا، إذ لا يوجد ما يجمع بين هؤلاء الثوّار. ففي فترة القذافي أحيا القبلية والنعرات العنصرية ولذلك الكثير من هذه الميليشيات كانت لها انتماءات قبلية، فعدم قيام مؤسسات الدولة بالسرعة المطلوبة، أفرز الخلافات والانشقاقات داخل المجتمع الليبي، وكان جهدنا مع دول الجوار الليبي أن جمعينا نجتهد مع بعض وكل منا يستغل علاقاته داخل المكون الليبي في أن نجمع المكون الليبي مع بعض ونوحد كلمتهم وأهدافهم، ولكن بكل أسف بدأت المسافات تتباعد ووجدنا فجأة أن هناك حكومتين هما حكومة المؤتمر الوطني، في طرابلس وحكومة البرلمان موجودة في طبرق، حيث بدأ صراع عناصر مسلح بين الطرفين، وهذا ترك فراغا كبيرا جدا في ليبيا فاستغل تنظيم داعش هذا الفراغ لضم عناصر من بقايا نظام القذافي واستطاعوا أن يسيطروا على منطقة سرت بكل مقدراتها ومكوناتها ومصارفها، فأصبحت هناك ثلاث قوى تتقاتل في ليبيا، قوة في شرق ليبيا في طبرق وقوة في غرب ليبيا في طرابلس، وأصبحت هناك قوة ثالثة في سرت، والآن نجد بعد محاولات ومحاورات كثيرة، أن أهل الشأن كأنما اتفقوا على حكومة وطنية بقيادة السراج، فاستبشرنا خيرا بهذه الحكومة، لأنها وجدت تأييدا إقليميا ودوليا فرأينا فيها النواة التي يمكن أن تسنح فرصة لجمع شمل الكيانات الليبية المختلفة لتحقيق الاستقرار في ليبيا ولكن للأسف الشديد الحكومة في طرابلس انقسمت قسمين وفي الشرق انقسمت إلى قسمين إضافة إلى «داعش»، أصبحت اليوم هناك نحو خمس مجموعات من «داعش»، تتقاتل منها مجموعتان في شرق ليبيا ومجموعتان في غرب ليبيا، بالإضافة إلى بعض القبائل المتمترسة في مواقعها وبالسلاح فالوضع في ليبيا قاتم جدا، وليبيا توجد بها إمكانات عالية جدا وموارد بترولية هائلة، جعلت أي عنصر غير ملتزم وغير مسؤول يسعى للسيطرة على هذه الموارد ووقتها ستسخّر إلى أعمال تخريبية خطيرة والسودان كجار لليبيا أصبح متخوفا جدا وذلك لدينا عناصر متمردة وجدت فرصة هناك ودعما سخيا من بعض القوى المقاتلة لأنها تدعمها والقتال في بلد مثل ليبيا بمساحتها الكبيرة، سيترك فراغا كبيرا جدا وحجم السلاح الموجود في ليبيا أيام القذافي يشكل خطرا على كل المنطقة ودول الجوار جميعها بما في ذلك مصر وتشاد والسودان والنيجر والجزائر وتونس وغيرها، وكلها معرضة لتلك المهددات الأمنية التي أفرزها الوضع الحالي في ليبيا وأصبحت مرتعا خصبا للقوات الإرهابية والمتفلتة، فهذه العناصر التخريبية والإرهابية تجد حاليا فرصة كبيرة جدا وموقع قدم داخل ليبيا في ظل الفراغ الكبير فيها.
* أليس لديكم نيّة لطرح مشروع لمحاولة إيجاد مخرج للمأزق الليبي؟
- بكل تأكيد مساعينا للملمة الجراح في ليبيا لن تتوقف، لأكثر من سبب، أولا لأننا نعتقد أنه تقع علينا مسؤولية العمل لصون وحفظ حق الجوار والعروبة والإسلام والأخوة في ليبيا، ثانيا أن الوضع الحالي في ليبيا ليس فقط غير مطمئن، بل مهدد لأمن كل المنطقة والجيران، فالسودان أكثر البلاد تأثرا بالوضع الداخلي لليبيا ولذلك سنظل نتواصل ونتصل على كل مكونات الشعب الليبي، لأنه لدينا علاقات داخل ليبيا، إذ إن الفترة التي أعقبت انهيار عهد القذافي نشأت علاقاتنا مع عدد من المجموعات الموجودة حاليا داخل ليبيا، في شرق ليبيا مثلا أن رئيس الوزراء عبد الله الثني، من القريبين جدا لنا، والعلاقة به ممتازة فهو رئيس الحكومة رغم أن هناك انقساما حدث، كما أنه لدينا علاقات مع المجموعات في طرابلس حيث كانت لنا جهود بذلناها لدعمهم ضد ثورته على القذافي، وبالتالي فإن جهودنا ستستمر في كل الاتجاهات باعتبار أننا أكثر من يتأثر سلبا بالوضع الليبي.
* لفت الانتباه أنكم عقدتم قبل أيام قمة ثنائية مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لرئاسة اللجنة الحكومية المشتركة بين البلدين بدلا من رئاسة كل من النائب الأول السوداني ورئيس الوزراء المصري.. ما جعل البعض يعتقد بأن مشكلة حلايب أصبحت في مرمى جديد؟
- طبعا أن أكثر مشكلة معقدة مع مصر هي مشكلة حلايب، وهذه مشكلة أساسية ولذلك نطرحها على الدوام في كل اجتماعاتنا المشتركة، ونطالب بضرورة إيجاد حل لهذه المشكلة، حيث إننا طرحنا خيارين إما عبر التفاوض مباشرة بيننا وبين إخوتنا المصريين أو الذهاب إلى التحكيم الدولي، كما أنه لدينا مشكلة أخرى مع مصر وهي إيواؤها لعدد من المعارضين للحكومة، ولكننا عندما ننظر إلى أوضاع العالم العربي المرير، والاستهداف الكبير الذي تواجهه منطقتنا العربية بكاملها يجعل من قضايانا الداخلية والبينية مهما كبرت تتقزم أمام هذا السيل الجارف من الاستهداف الذي يسعى لابتلاعنا جميعا، فالآن نواجه عدوا يستهدفنا جميعا، في وجودنا: «ولذلك ينطبق علينا المثل: أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب»، ولذلك نقرّ بأنه لدينا قضية محورية مع مصر، ولكن هناك خطر أكبر يشكل خطا أحمر تصغر أمامه أي مشكلة بين الخرطوم والقاهرة بما في ذلك مشكلة حلايب، فهم إخوتنا، وعليه فإن اللجنة السودانية المشتركة كانت برئاسة النائب الأول من قبل السودان ورئيس الوزراء من قبل مصر، اتفقنا على ترفيعها للجنة رئاسية لأننا وجدنا قضايا كثيرة جدا بيننا تواجهها تحديات وتصطدم بعدم القدرة على التنفيذ، في ظل اللجنة برئاستها القديمة، ولذلك لمزيد من الاطمئنان رأينا أن ما نتفق عليه يحتم تنفيذه، ولذا لزم أن يكون اللقاء برئاسة رئيسي البلدين، وعليه نقرّ ونؤكد أن علاقتنا مع مصر مهمة جدا، حيث هناك علاقة الجوار والقرابة والدم والدين والثقافة والتاريخ، مما يجعل من المشاكل الحدودية لا تتقدم على مواجهة الاستهداف الخارجي على المنطقة العربية برمتها، لقناعتنا أن الانشغال بها دون ذلك، سيدعم الاستهداف الخارجي.
* فيما يتعلّق بسدّ النهضة.. هل القاهرة تفهّمت موقف الخرطوم من اتفاقها مع أديس أبابا بشأن ذلك؟
- من المؤكد أننا في السودان درسنا مشروع سدّ النهضة عندما كان فكرة، ووجدنا هناك آثارا سالبة وأخرى موجبة فقارنا بينهما فوجدنا أن إيجابيات السدّ بالنسبة للسودان أضعاف سلبياته بالنسبة لنا، وبالتالي كان لدينا موقف واضح جدا من تقييم قيام هذا السدّ، أولا إخوتنا في مصر لديهم حساسية شديدة جدا ضد أي مشروع يقام على النيل حتى لو لم يجدوا عليه أثرا سلبيا عليهم، فأصبحت ثقافة شعبية، ثانيا، إخوتنا المصريون معتمدون على اتفاقية أبرمتها بريطانيا عام 1929. تلزم أي دولة من دول حوض النيل لا تقيم أي مشروع على النيل إلا بموافقة مصر، وقتها كانت كل هذه الدول مستعمرة، ولكن بعد استقلالها كان التوجه العام هو الخروج من هذه الاتفاقية الدولية، نحن نتحدث مع إخوتنا المصريين بأن هناك مشروعات لا تؤثر على حصة المياه لأن دول منبع حوض النيل، في المثلث الجنوبي تتمتع بموسم أمطار يمتد على مدار العام، وفي حده الأدنى 9 شهور وبالتالي ليس لديها حاجة لإقامة مشروعات ري كبرى تستهلك من مياه النيل، والمشروعات التي تقام على النيل أو روافده، في الغالب تكون مشروعات لتوليد الطاقة الكهربائية وهذه لا تؤثر على حصة المياه حتى إذا كانت لديهم مشروعات ري تكميلي إذ ليس لديهم مشروعات زراعية كبرى تستهلك كميات كبيرة من المياه، فمساهمة النيل الأبيض في مياه النيل نحو 15 في المائة، مما يعني تأثيره ليس بالحجم الكبير، أما المياه القادمة من إثيوبيا عبر النيل الأزرق، فهي المورد الأساسي للمياه بنسبة 85 في المائة، فالنيل الأزرق نفسه يمرّ داخل إثيوبيا بمنطقة جبلية صخرية، ومجرى النيل فيها عميق جدا، ولذلك نجد من الصعوبة بمكان إن لم نقل مستحيلا أن الاستفادة من مياه النيل الأزرق في عمليات الري، فإن سدّ النهضة من ناحية الأثر، كنا قد حددنا ثلاثة عوامل رئيسية لإقامة السدّ، أولا ضرورة ضمان سلامة السد، لأنه يحجز نحو 75 مليار متر مكعب من المياه فإذا حدث أي انهيار للسّد ستترتب عليه آثار مدمرة على السودان بشكل خاص، لأن مصر لديها السّد العالي الذي ربما يكون حاجزا ساترا يوفر الحماية ويقلل من الأضرار التي تقع على المصريين، ثانيا أن عملية برنامج ملء البحيرة، لا بد أن يكون متقنا بحيث لا يؤثر على منشآت ومشروعات الري في السودان ومصر لأنها بحيرة كبيرة جدا، ثالثا لا بد من إتقان برنامج تشغيل السدّ لأنه بناء عليه يتم برنامج تشغيل السدود ومشروعات الري في البلدين.
* ولكن هناك من يعتقد أن اتفاقية مياه النيل مع مصر لم تكن منصفة.. ما تعليقكم؟
- بصراحة لدينا اتفاقية مياه النيل مع مصر عام 1959. والتي قسمت مياه النيل الواصلة إلى السّد العالي، بين السودان ومصر، فكان نصيب القاهرة 52 مليار متر مكعب بينما نصيب الخرطوم 18 مليار متر مكعب، والكثيرون يعتقدون أن هذه القسمة ظالمة بالنسبة للسودان، ولكن وقتها العوامل التي تأسست عليها هذه القسمة، أولا حجم السكان في مصر كان كبيرا مقارنة بحجم السكان في السودان فنظر إليها من هذه الزاوية، خاصة أن أغلب أراضي السودان خارجة عن أرض النيل فضلا عن أن الأمطار كانت تسقي أراضيه بنسب كبيرة جدا مغطية لكل مساحات السودان البعيدة عن النيل في مجال الزراعة والمراعي وغيرها، فكانت هذه العوامل التي أدت إلى القسمة بهذا الشكل، فالسودان بإمكانياته التخزينية في ظل تدفق مياه فيضانات خلال ثلاثة أشهر، ومن أجل التخزين في خزان الروصيرص على النيل الأزرق في السودان، زدنا التعلية والتخزين كان في مروي وفي ستيت ونهر عطبرة، وقدرة السودان على تخزين المياه في فترة ثلاثة شهور، لا تمكنه من الاستفادة حتى فيما يتعلق باستهلاك الـ18 مليار متر مكعب من حصته، ولذلك هناك جزء كبير جدا يذهب لمصر رغم أنها تعتبرها سلفة ولكنها غير مستردة في الواقع، قيام سدّ النهضة، بدلا من أن تأتي المياه في خلال 12 شهرا فالخزانات السودانية سواء في الرصيرص ومروي ستجد أن هذه البحيرة تمكننا دائما من تخزين هذه المياه للحد الأقصى لمدة 12 شهرا، وبالتالي ستمكن السودان من أن يستفيد من نصيبه من المياه بشكل كامل، وهذا حقنّا المشروع ولا يمكنه أن يلومنا على أننا أخذنا نصيبنا من المياه، ولكن كان ذلك يذهب لمصر ويستفيدون منه في الطاقة الكهربائية في السد العالي، للاستفادة منه في الري في مشروع توشكى، فكان هذا الأثر السالب الذي يحصل على إخوتنا في مصر، بأننا في السودان سنتمكن من أخذ حصتنا كاملة غير منقوصة، والقضية واضحة جدا بالنسبة، ولكن لا بد من الرجوع إلى أن الحملة الإعلامية التي وجهت ضد الإثيوبيين في عهد الرئيس مرسي، ضد السّد والفهم بأن الإثيوبيين سيتحكمون في المياه وتحويلها ويمكن أن تحرم مصر منها كان إعلاما سالبا ترتب عليه تعبئة الشعب الإثيوبي ووقوفهم صفا واحدا خلف رئيسهم برغم الاختلافات والخلافات التي كانت سائدة بينهم حينذاك.
* بعض المراقبين يعتقدون أن الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه كل من الخرطوم والقاهرة بشأن القبول باتفاقية سدّ النهضة ليس من الناحية الفنية بقدر ما هو من الناحية القانونية التي تضمن حصول الشركاء على حقوقهم كاملة والحيلولة دون انحرافها من قبل أديس أبابا.. ما تعليقكم؟
- كنت قد سمعت آراء القانونيين الذين انبروا للحديث عن الخطأ القانوني في اتفاقية سدّ النهضة، ولكن أقول بكل ثقة أصلا ليست هناك أخطاء قانونية، كان مجرد آراء غير صحيحة ولا أود أن أخوض في السرّ من وراء مثل هذه الأقوال التي أطلقت بالتزامن مع الحركة المصرية السودانية الإثيوبية للوصول إلى نقطة التقاء يحصل فيها ثلاثتهم على المنافع المرجوة من السدّ. وعلى صعيد السودان ليس لدينا أي مشكلة وكان حديثا مع الإثيوبيين، التأكيد على أهمية الاتفاق على برنامج ملء البحيرة لأنه يؤثر بشكل مباشر على السودان، وهو برنامج سيتفق عليه الأطراف الثلاثة وبرنامج تشغيل السدّ وهذه هي الجوانب القانونية التي تهمّنا.
* قانون «جاستا» أحدث ضجة كبيرة وقوبل برفض دولي.. ما موقف السودان منه؟
قانون «جاستا» هو لغة «الكاوبوي»، وبالأحرى قانون الغابة، لأنه يعني نزع ما لا تملك، فإذا كان لدى أميركا عدد من المواطنين تأثروا سلبا بالتفجيرات خاصة تلك التي تعرض له برج التجارة العالمية حيث أرواح وممتلكات فقدت ومؤسسات دمرت، أيضا لا بد أن نذكر أن أميركا ارتكبت جرائم كبيرة جدا في أنحاء مختلفة من العالم، بدءا من القنابل الذرية التي رمتها في اليابان وما زال أثره قائما، إلى الحرب في فيتنام واستخدام كل الأسلحة المحرّمة فيها، والعمليات الأميركية المستمرة حتى الآن في أفغانستان، وقصف المدنيين في عدد من دول العالم بذرائع مختلفة، ولذلك إذا كنا نتحدّث عن أن قانون «جاستا»، كان قانونا عادلا سيكون بما لا يدع مجالا للشك وبالا وشرّا مستطيرا على أميركا، لأن البشر الذين تأثروا سلبا وفقدوا أرواحا وممتلكات ومأوى وغيرها من أساسيات الحياة والكرامة جراء السلوك الأميركي خارج حدودها، أضعاف أضعاف أولئك الذين تضرروا من التفجيرات التي تعرضت لها المصالح الأميركية في برج التجارة بغض النظر عن مصدرها وأسبابها، فضلا عن ذلك لا بد من النظر إلى البشر الذين يتعاملون بالدولار كعملة رئيسية في العالم، علما بأن مقاص الدولار موجودة في الأساس في أميركا، مما يعني أن كل المعاملات تمرّ على أميركا، وفي ذلك مجال لمصادرة الكثير من هذه المعاملات، أضف إلى ذلك هناك الكثير جدا من الأموال المستثمرة، في أميركا في أي شكل كانت، فهي ضخمة جدا، وحينها إذا استهدفوا مثل هذه الأموال سيقع فيها ظلم كبير جدا، وبالتالي سيترتب عليه آثار سالبة ليس فقط على سيادة الدول الأجنبية وزعزعة الأمن والاستقرار الدوليين، بل حتى على أميركا نفسها لأنه بموجب هذا القانون سترفع قضايا من العيار الثقيل ضد أميركا، بجانب أن أي دولة ستحجم عن الاستثمار أو وضع أموال داخل أميركا، لأنها عرضة للمصادرة تحت أي وقت بموجب هذا القانون الأميركي «جاستا»، فهو قانون جائر بالمعنى، ويعزز سياسة النهب الأميركية، ولذلك على المستوى السودان فهو مرفوض تماما.
* ماذا أنجزتم فيما يتعلق بمشروع محاربة الفساد؟
- لدينا من الأجهزة والآليات لمكافحة الفساد لا توجد في أي دولة في العالم، فمثلا لدينا ما يسمى قانون المراجع العام وهو يتمتع بقوة استقلالية غير مسبوقة لا في السودان ولا في غيره من بلاد العالم، حيث إنه عندما تسلمنا الحكم في عام 1989. كانت حسابات السودان على مدى خمسة أعوام قبل هذا التاريخ، لم تقفل ولم تراجع، ولم يكن في تاريخ السودان أن المراجع العام يرفع تقريره للبرلمان، الآن يرفع تقريره مباشرة للبرلمان والأخير بعد مراجعته له وإبداء ما عليه من ملاحظات عليه المتابعة ما تم فيها لأنه نحو 80 إلى 90 في المائة منها تقع بسبب مشكلات إدارية وغياب للوثيقة وتجاوز الإجراءات، في النهاية أخطاء إدارية يتم المحاسبة عليها إداريا، وهناك أخطاء تذهب للنيابة والأخيرة ترفع للقضاء ويخبر البرلمان بما تم في كل التجاوزات التي مثلا ظهرت في تقرير المراجع العام، والناس تعتمد على هذا التقرير كونه يعكس مظاهر الفساد، ولكن الحكومة اعتمدت عنصر الشفافية لأنها واثقة من أن ذلك يمكّن المراجع العام من أن يرفع تقريره النهائي للبرلمان وبالتالي لتعود للرأي العام، ولدينا أيضا نيابة المال العام، وهنا أي قضية تخصّ المال العام والاعتداء عليه، أو أي مخالفات سواء اختلاسات أو رشاوى أو تجاوزات، فإن نيابة المال العام هي المسؤولة مباشرة عن ذلك، كما لدينا كذلك قانون لا يوجد في أي بلاد في العالم وهو قانون «الثراء العام»، فإدارته تتلقى الشكاوى فمثلا أيا كان جاء إلى موقع ما فبدت عليه علامات الثراء الحرام في سكنه أو في بيته أو في صرفه، وهنا من حق أي مواطن رفع هذا الأمر لإدارة الثراء والقاعدة القانونية أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، أما في قانون «الثراء الحرام» المتهم مدان حتى تثبت إدانته، الآن أجزنا قانون «مكافحة الفساد والشفافية»، وهي متاحة لأي مواطن أنه يتصل بهذه الإدارة إذا لاحظ أو تملك أي معلومة عن قضية فساد ارتكبت، كذلك لدينا «ديوان المظالم العامة»، الغرض منه أنه إذا كان أحدهم مظلوما من الرئيس أو من وزير أو معتمد حتى لو شعر أن المحكمة لم تستطع أن تمنحه حقه، أو وقع عليه ظلم، فإنه لا يلغي الحكم ولا يمنع الشخص المستفيد من الحكم ولكنه سيجبر الضرر لمن وقع عليه الظلم، أيضا لو أن هناك أي خبر أو معلومة عن قضية فساد في أي مؤسسة من المؤسسات ولو كانت داخل ديوان المراجع العام، من حق «ديوان رفع المظالم»، التحقيق في هذه القضية ويرفع تقريره مباشرة للبرلمان، وبالتالي وضعنا من الأجهزة والآليات ما فيها الكفاية من أن تحمي المال وتمنع الفساد.
* ولكن هناك شكوك في أن الكثير من أموال التحصيل تذهب إلى جيوب أخرى..
- .. مقاطعا.. مع التقنيات الجديدة، أصبح التحصيل إلكترونيا فأصبح إمكانية الاعتداء على المال العام من الصعوبة بمكان، وفي كثير من المجالات التي تشمّ فيها رائحة فساد، سواء في الضرائب أو تقديرها، الآن أيضا أطلقنا بشأنه برنامج حوسبة كاملة للعمل في الضرائب، وبالتالي فإن الانتقال إلى الحكومة الإلكترونية سيغلق الكثير من منافذ الفساد والاعتداء على المال العام.
* ماذا عن الشخصيات الحكومية النافذة التي وجهت إليها اتهامات بالفساد؟
- أتعهد بأن أيا كان قدّم بينة ضد أي مسؤول، ليس هناك ما يمنعنا من اتخاذ الإجراء القضائي ضده، ومثال لذلك أن أحد وزرائنا اتهم وهو أزهري التيجاني الوزير السابق للشؤون الإسلامية والأوقاف، وتهمته بأنه حصل تجاوز في مال الأوقاف وتم تقديمه للمحكمة، وكان هناك عدد كبير يتوقع أن الحكومة تتدخل في هذه القضية لتناصر وزيرها، وتعطل الإجراءات، وبالفعل حصلت اتصالات بنا من قبل الذين يعرفون أزهري ونزاهته، طالبونا بأن نوقف الإجراءات ولكن رفضنا الطلب تماما، وقلنا هذا الوزير في أحد أمرين، إما هو بالفعل ارتكب هذا الجرم ويستحق للمحكمة ويحاكم باعتباره خان الأمانة، أو هو بريء والأفضل أن تبرئه المحكمة من أن نبرّؤه نحن، فهذا نموذج، ونؤكد أن أي أحد لديه متهم بهذا المستوى ويمتلك المعلومة فإن أبواب العدالة تفتح أبوابها على مصراعيها ولا أحد فوق القانون بتاتا، ولن نتدخل لنحمي أو نوقف أي إجراءات قضائية، كذلك، لدينا قضية أخرى تتصل بنائب رئيس البرلمان بولاية الخرطوم محمد حاتم، حيث وجه له اتهام والآن القضاء يجري في مساره فلم يمنعه موقعه الحكومي أن يحاكم، إذ إنه لم يحدث أي تدخل من جانبنا أو من جانب الحكومة لإيقاف إجراءات محاكمته، ونؤكد أننا لن نتدخل في عمل القضاء على الإطلاق مهما كان وزن الشخصية المتهمة.
* ماذا بذل فيما يتعلق ببرنامج تحسين المعيشة؟
- بكل صراحة ندير اقتصادنا في ظروف صعبة للغاية، حيث إن الاقتصاد السوداني تعرض لهزات عنيفة جدا، ففي عام 2005 تاريخ توقيع اتفاقية السلام، فقدنا أكثر من نصف إيراداتنا من البترول من أجل قضية السلام، وفي عام 2008 حيث الأزمة المالية الاقتصادية العالمية، تلته مرحلة انفصال جنوب السودان ومعه فقدنا بترول الجنوب، والذي كان يمثل أكثر من 90 في المائة من إيرادات العملة الأجنبية، لأن البترول كان من صادراتنا الأساسية، ما يعادل أكثر من 50 في المائة من الموازنة، فكانت كل الحسابات والتقديرات من الكثير من الكيانات والمؤسسات الدولية بما في ذلك صندوق النقد الدولي، تتوقع أن عام 2012 أنه ستنهار الدولة السودانية، وستفشل في أن توفر الأساسيات للمواطنين بما فيها المرتبات، حيث إن تقديرات الصندوق الدولي أن نمو الاقتصاد السوداني سيكون – 11. ولكن بفضل الجهود التي بذلت بهذا الشأن لم يحصل الانهيار المتوقع، مع أن الأمور لم تكن سهلة والتضخم زاد فزادت بموجبه الأسعار، عموما لا ندعي أننا سنحقق كل التطلعات في لحظة واحدة في دفعة واحدة، لأنه ما زال هناك حصار وعقوبات على السودان، ولكن هناك برنامج ممرحل يعمل بالتدريج لتحقيق ذلك، حيث إن البرنامج الاقتصادي الثلاثي حققت نجاحات كبيرة جدا، وأبطأ سرعة التدهور في الاقتصاد السوداني، لأنه كان بالإمكان الفشل في توفير السلع الأساسية عدم القدرة على دفع مرتبات العاملين، غير أنه الآن السلع الأساسية متوفرة والدولة لم تفشل في صرف المرتبات، فضلا عن أن عملية التنمية والنمو لم تتوقف والجهود ما زالت مستمرة، الأمر الذي حافظ على التضخم في نسب متدنية جدا حيث هبط إلى رقمين وصل حتى 13 في المائة مع أنه ارتفع قليلا في الشهر الماضي فالجهود المبذولة لتخفيف وطأة وأعباء المعيشة امتدت إلى أن الدولة تدعم المزارعين من خلال شراء طن القمح من المزارع بـ4 آلاف جنيه سوداني، ونبيعه للمطاحن بـ1.95 ألف جنيه سوداني، ففي ذلك دعم للمزارع حتى يزيد إنتاجه، وإحلال الواردات وزيادة الصادرات، أيضا ندعم المواد البترولية والأدوية وهناك العلاج المجاني لخمس فئات من المواطنين في حالات علاج السرطان وغسيل الكلى وعلاج الأطفال دون الخامسة، والعمليات القيصرية وحالات الطوارئ، أيضا وصلنا إلى 50 في المائة من التأمين الصحي، إذ إننا الدولة الوحيدة التي تؤمن تأمينا صحيا للفقراء، هناك أكثر من 200 ألف من الطلاب الفقراء يمنحون دعما من صندوق دعم الطلاب هناك فئات تدعمها الزكاة وجهود أخرى لتخفيف المعيشة، لكن مع ذلك المستوى المعيشي في السودان ارتفع، وعموما لا ننكر أن هناك فقرا عاما في السودان ولكن بالمقابل التطلعات زادت، فهناك هناك شكاوى من كثافة العمالة الأجنبية المتواجدة حاليا في السودان، بسبب الحاجة لعمالة في مجالات البناء والزراعة والنظافة، كما أنه تترخص سنويا أكثر من 450 ألف سيارة خاصة، وأكثر من 50 في المائة من طلاب الخرطوم يدرسون في المدارس الخاصة.
* ما زالت الصحافة السودانية بين نارين ضيق ذات اليد ومصادرة بعضها بسبب تقييد للحريات.. ما مشروع معالجة وضعها؟
- هناك اتفاق على ميثاق شرف المهنة، ولكن نحن في بلد كانت وما زالت متأثرة بظروف غير طبيعية مثل الحروب والحصار القوي والتآمر الشرس المضروب عليها، ولكن مع ذلك الدولة لا تتدخل في عمل الصحافة إلا إذا شعرت بأن هناك خطورة ونتيجة سالبة من ذلك على أمن وسلامة ووحدة واقتصاد السودان، غير أن بعض الصحافيين يعتقدون أن إثارة بعض القضايا ولو جانبها تجاوز أمني أو دفاعي أو أخلاقي تساعد على توزيع الجرائد، وعليه فإن مشكلة بعض الصحافة في السودان الترهل الكبير في عدد الصحف اليومية مع أنه يمكن فقط ثلاث منها يمكن أن تغطي في ظل الإعلام الجديد، وهناك حاجة ماسة لتجويد العمل الصحافي، والاعتماد على الإعلان الحكومي أيضا يمثل مشكلة في ظل تدني نسبة التوزيع، ولذلك أصدرنا قانونا بأن تتحول هذه الصحف في شركات ضخمة مدمجة لتكون صاحبة إمكانات ضخمة تتحمل المشكلات المتعلقة بزيادة ارتفاع تكاليف مدخلات إنتاجها.
* أخير وصل الحوار الوطني إلى مرحلة رفع التوصيات.. ثم ماذا بعد ذلك؟
- الناس كانوا مشفقين جدا على الحوار الوطني ومآلاته، وكانت الأطروحات متباينة جدا اشتمل على تجاوزات كبيرة، جدا ولكن ذلك بمثابة بداية مخاض لتجربة مهمة جدا سمحت من خلال خروج كل الهواء الساخن، وبعد ذلك بدأت الأطروحات بموضوعية، خاصة أن المشاركين جاءوا إليه بخلفيات مختلفة، ومن مواقع مختلفة، وهنا لا أتكلم عن الحوار والوثيقة ولكن وفر فرصة مدرسة كادر لتدفق فيها من كم هائل من حوارات ومعلومات رفعت مستوى الناس على مدى عام كامل، فأهلت بذلك كوادر جديدة حزبية بفهم وطني وفاقي كبير جدا، وفتح فرصة للتعارف للمكون السوداني المختلف، والنتيجة، خلصت إلى اتفاق على حوار حرّ شفاف بنسبة 100 في المائة لم يتدخل فيه حزب المؤتمر الوطني أو الحكومة بأي نوع من الإملاءات وانتهى الأمر إلى حلول توافقية للخلافات الصغيرة بنسبة 100 في المائة، وتأسيس وثيقة لقيادة السودان في المستقبل والآن نحن في مرحلة تنفيذ التوصيات، حيث إنه هناك بعض الإجراءات العاجلة في بداية تنفيذ مخرجات الحوار وستشكل لجنة قومية وسيكون المستند الموجود هو الوثيقة الموقع عليها نحو 116 حزبا وحركة حتى الآن علما بأن الوثيقة مفتوحة للآخرين للتوقيع عليها، ولكن لن يكون بعد ذلك أي نوع من الحوار ولا مكان لأي جهة خارجية للتحاور معها، فقط يذهب إلى سكرتارية الحوار ليطلع على الوثيقة والتوقيع عليها، وهذه الوثيقة ستشكل لها لجنة قومية لتضع مسودة للدستور بمشاركة واسعة من الشعب السوداني بما فيهم من كان خارج السودان، وستكون الأساس للدستور الدائم وستكون تعديلات عاجلة مثل استحداث منصب رئيس الوزراء وإضافة للبرلمان أو الهيئة التشريعية لأولئك الذين لم يشاركوا في الانتخابات لإدارة الفترة حتى عام 2020. ففي هذا العام سيكون هناك انتخابات عامة إلكترونية مبنية على الرقم الوطني، حتى لا يكون هناك مجال للحديث عن كشوفات وهمية أو تزوير، فالأساس الرقم الوطني كأساس المواطنة للمشارك والسجل المدني في توزيع الدوائر، والتصويت سيكون إلكترونيا، لينتهي بمجلس تأسيسي من أجل النظر في الوثيقة التي ستعد من قبل اللجنة القومية لأنه في نهاية الأمر لا بد من هيئة لإجازة الدستور.



مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.


مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
TT

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

وقالت وزارة الداخلية المصرية في بيان مقتضب، الأحد، إنه «لا صحة لما تم تداوله بأحد المواقع الإخبارية بمواقع التواصل الاجتماعي، بشأن صدور ضوابط جديدة لدخول السوريين للأراضي المصرية»، دون إعطاء مزيد من التفاصيل حول ما يتردد عن ملاحقة مخالفي شروط الإقامة بالبلاد.

وخلال الأيام الماضية، جرى تداول أخبار ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أن أجهزة الأمن المصرية تنفِّذ حملات مطاردة للسوريين الموجودين بمصر، وتضبطهم وترحلهم، فضلاً عن منع دخول السوريين للبلاد. وتسببت تلك الأنباء في حالة من الجدل الواسع.

إلا أن رئيس «هيئة اللاجئين السوريين بمصر»، تيسير النجار، قال لـ«الشرق الأوسط»: «بعد أن أصدرت السلطات المصرية تنبيهات عدة للسوريين الموجودين بمصر بضرورة تقنين أوضاعهم، بدأت الشرطة في تنفيذ حملات تدقيق ضد غير الملتزمين. وهذا حق سيادي مصري باتخاذ اللازم ضد مخالفي القوانين؛ سواء أكانوا سوريين أم غيرهم، وترحيلهم من البلاد، بينما يتمتع الملتزمون بحقوقهم كاملة».

وأضاف النجار: «السلطات المصرية أيضاً أعطت تسهيلات تتمثل في إعفاء راغبي المغادرة من غرامات مخالفة الإقامة، وسافر فعلاً عدد ضخم من السوريين وعادوا إلى سوريا، وهناك آخرون يفكرون في السفر، ولكن بعضهم تهدمت منازلهم في سوريا خلال الحرب، ويعملون على إعادة بنائها»، موضحاً: «نبذل جهوداً مع السلطات المصرية للسماح لهم بالبقاء لحين ترتيب أوضاعهم في سوريا، ووقتها سيغادرون».

وقال رئيس الجالية السورية بمصر سابقاً، راسم الأتاسي، لـ«الشرق الأوسط»: إن «حملة تدقيق بدأتها السلطات المصرية منذ أول العام الجاري»، ووقتها غادر إلى سوريا، وحالياً يتلقى اتصالات كثيرة من سوريين في مصر يطالبون بالتدخل لدى السلطات، للسماح لهم بالبقاء حتى ترتيب أوضاعهم.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

وقدَّر رئيس «الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر»، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين في مصر بنحو 1.5 مليون شخص، يعملون ويستثمرون في مختلف القطاعات الاقتصادية، لافتاً إلى أن أكثر من 15 ألف شركة سورية مسجلة لدى الاتحاد، باستثمارات تقترب من مليار دولار، وفق تصريحاته خلال «الملتقى الاقتصادي السوري- المصري»، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي.

وعام 2024، وضعت السلطات المصرية اشتراطات لدخول السوريين القادمين من دول أخرى إلى أراضيها، تتضمن الحصول على موافقة أمنية مسبقة، إلى جانب تأشيرة الدخول، وغيرها من الاشتراطات، مثل ضرورة الحصول على الموافقة على فتح مطاعم أو شركات سورية في مصر.

من جانبه، قال مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد الأحمد: «نتابع ببالغ الاهتمام أوضاع المواطنين السوريين في مصر، ومنذ مطلع العام، أجرينا لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه أهلنا هناك».

وأضاف عبر حسابه الرسمي على موقع «إكس»: «وجَّهنا سفارتنا في القاهرة إلى تقديم أقصى المساعدة القنصلية والقانونية الممكنة. كما تقدَّمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة، تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين المقيمين في مصر. حقوق السوريين وحماية مصالحهم في الاغتراب ستبقى دائماً على رأس أولويات عملنا الدبلوماسي».


مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقف بلاده الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمسّ هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، وقال في مؤتمر صحافي، الأحد، عقب مباحثات عقدها مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود: «بحثنا تعزيز التعاون العسكري والأمني»، مؤكداً استعداد مصر لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب، مع الصومال.

وتوافقت مصر والصومال على «تكثيف التنسيق لمواجهة التحديات التي تعترض منطقة القرن الأفريقي». وشدد الرئيس السيسي ونظيره الصومالي على أن «مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن، تقع حصرياً على عاتق الدول المشاطئة لهما».

وأشار السيسي في كلمته خلال المؤتمر الصحافي، إلى «الدور الخاص المنوط بمصر والصومال، على ضوء موقعهما الفريد، على المدخلين الجنوبي والشمالي للبحر الأحمر».

مؤتمر صحافي مشترك بين السيسي وحسن شيخ محمود الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وتأتي زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة بينما تتصاعد التوترات في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا سيما مع اعتراف إسرائيل بـ«إقليم أرض الصومال» الانفصالي دولة مستقلة، والذي قوبل برفض مصري وعربي؛ ما يعكس بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إدراك البلدين خطورة التحديات التي تواجه القرن الأفريقي.

وأكد السيسي «عزم بلاده استكمال نشر قواتها ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في جميع ربوع الصومال»، وقال إن «مصر ستظل دوماً شريكاً صادقاً وداعماً للصومال... وستواصل جهودها لتعزيز أمن واستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وجدد السيسي التأكيد، على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمس هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، الأمر الذى يعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي... وسابقة خطيرة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأسره».

بدوره، أعرب الرئيس الصومالي عن «تقديره لموقف مصر وجهودها في تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي»، مؤكداً «حرص بلاده على تعزيز التنسيق مع مصر بما يخدم الأمن الإقليمي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبحسب الباحث الصومالي الدكتور شافعي يوسف عمر، فإن زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، في ظل توترات في القرن الأفريقي ومحاولات المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، خصوصاً فيما يتعلق بالبحر الأحمر وخليج عدن». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الزيارة تعكس إدراكاً مشتركاً بأن أمن الصومال لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي وأمن الممرات البحرية الدولية».

وتابع: «هذه الزيارة تؤكد أن القاهرة ومقديشو تتحركان اليوم كجبهة سياسية واحدة لمنع انزلاق المنطقة إلى صراعات أوسع في عالم يشهد تحولات حادة في موازين القوة».

وعقد الزعيمان لقاءً ثنائياً، تلته جلسة مباحثات موسعة، تم خلالهما التأكيد على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، والتحذير من أي خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول، بوصفها انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية.

وأضاف البيان المصري: «الرئيسان توافقا على ضرورة تسوية مختلف النزاعات الإقليمية عبر الوسائل السلمية، فضلاً عن أهمية تثبيت السلم والاستقرار الإقليمي، لا سيما في منطقة القرن الأفريقي، من خلال الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وصون مقدرات الشعوب، إضافة إلى بحث سبل تعزيز أمن الملاحة البحرية».

مصر جددت رفضها المساس بوحدة الصومال أو الاعتراف باستقلال أي إقليم منه (الرئاسة المصرية)

ويرى الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير علي الـحفني أن «الوضع الراهن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يستدعي تكرار الزيارات واللقاءات على أعلى مستوى والتشاور والتنسيق بين الزعيمين». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة تشهد تطورات مهمة تتعين متابعتها والتحسب لتداعياتها، والحيلولة دون أي محاولات لزعزعة الاستقرار».

وهذه هي الزيارة الخامسة للرئيس الصومالي إلى القاهرة منذ يناير (كانون الثاني) 2024. وأعرب السيسي عن «تقديره لتنامى وتيرة الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين بما يعكس عمق وخصوصية العلاقات التاريخية، والروابط الأخوية، والتي تجسدت في الشراكة الاستراتيجية، التي أعلن عنها، خلال زيارة شيخ حسن محمود للقاهرة في يناير 2025».

وأشار إلى أن «هذا الزخم يعكس حرص البلدين على الارتقاء بالعلاقات الثنائية، وتعزيز التنسيق؛ من أجل دعم الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وعدم المساس بتخوم الأمن القومي المصري».

ولفت الباحث الصومالي إلى أن «تكرار اللقاءات بين الرئيسين هو انعكاس لانتقال العلاقات من إطار الدعم التقليدي إلى شراكة استراتيجية قائمة على التنسيق العميق» مشيراً إلى «إرساء القاهرة ومقديشو أساساً قانونياً وسياسياً للعلاقات عبر (إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة)، و(بروتوكول التعاون العسكري والأمني) وغيرها من الاتفاقيات التي تم توقيعها في السنوات الثلاث الماضية». وقال: «هذه الاتفاقيات ليست شكلية، بل تعبّر عن إرادة سياسية مشتركة لبناء محور استقرار في القرن الأفريقي». وأوضح أن «التحالف المصري - الصومالي ركيزة أساسية لمنع زعزعة هذا التوازن الاستراتيجي».

وتناولت المباحثات – وفق البيان الرئاسي المصري - عدداً من ملفات التعاون الثنائي، وسبل تعزيزه في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، وتعظيم الاستفادة من سهولة الربط الجوي والبحري بين البلدين. وأكد السيسي أن «مصر تولي أهمية كبيرة للتعاون مع الصومال في المجال الطبي»، مشيراً إلى أن القاهرة «تعتزم إرسال قافلة طبية إلى الصومال قريباً».

كما تطرقت المباحثات أيضاً إلى «تعزيز التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات، عبر برامج (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، إلى جانب التعاون العسكري والأمني»، وأعرب السيسي عن «استعداد بلاده لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب مع الصومال».