وسط غياب كامل لملامحه.. النظام الرئاسي يشعل النقاش في تركيا

موجات صعود وهبوط وجدل على مدى 13 عامًا

رئيس الوزراء بن علي يلدريم (وسط) قال إن حكومته أنهت إعداد مشروع الدستور الجديد الذي يرسخ للنظام الرئاسي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء بن علي يلدريم (وسط) قال إن حكومته أنهت إعداد مشروع الدستور الجديد الذي يرسخ للنظام الرئاسي (أ.ف.ب)
TT

وسط غياب كامل لملامحه.. النظام الرئاسي يشعل النقاش في تركيا

رئيس الوزراء بن علي يلدريم (وسط) قال إن حكومته أنهت إعداد مشروع الدستور الجديد الذي يرسخ للنظام الرئاسي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء بن علي يلدريم (وسط) قال إن حكومته أنهت إعداد مشروع الدستور الجديد الذي يرسخ للنظام الرئاسي (أ.ف.ب)

تتسع يومًا بعد يوم دائرة النقاش حول النظام الرئاسي الذي يخطط حزب العدالة والتنمية الحاكم لطرحه على البرلمان تحقيقا لرغبة الرئيس رجب طيب إردوغان من أجل توسيع صلاحياته مقابل تقليص صلاحيات الحكومة على اعتبار أنه من وجهة نظره هو النظام الأنسب لتركيا.
اكتمل مشروع النظام الرئاسي الذي سيأتي ضمن دستور جديد للبلاد حسبما أعلن رئيس الوزراء بن علي يلدريم، الأحد، قائلا إن حكومته أنهت إعداد مشروع الدستور الجديد الذي يرسخ للنظام الرئاسي، وسوف تطرحه على البرلمان قريبًا.
وأضاف يلدريم، الذي كان يتحدث في ختام أعمال مؤتمر حزب العدالة والتنمية الحاكم في أفيون كارهيصار، وسط تركيا: «استكملنا أعمالنا بشأن الدستور الجديد والنظام الرئاسي، وسنطرح مقترحنا على البرلمان التركي بأقرب وقت.. الشعب هو الذي سيحل مشكلة النظام في تركيا. لا يهمنا ما يقوله الآخرون عندما تتعلق المسألة بالوطن».
وكان يلدريم يقصد بـ«الآخرين» حزبي الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، والشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، اللذين أبديا معارضة للنظام الرئاسي، سواء عند طرحه في الفترة من 2013 إلى 2015 أو عند تجدد الحديث عنه في الأسابيع الأخيرة.
لكن اللافت في الأمر أن معالم النظام الرئاسي الذي سيتضمنه الدستور الجديد، لم يكشف عنها بعد، ولم تتضح معالمه، وإلى أي مدرسة سياسية سينتمي، هل سيكون على غرار النموذج الأميركي أم الفرنسي أم سيعتمد نظامًا شبيهًا بالأنظمة الرئاسية في منطقة الشرق الأوسط، وهذه الأسئلة تشغل بال شرائح كثيرة في المجتمع التركي مع مخاوف لدى بعض النخب السياسية والثقافية من أن يؤدي تطبيق هذا النظام إلى ترسيخ ديكتاتورية من نوع ما في تركيا وتحويلها عن مسارها الديمقراطي الاجتماعي.
الحزب الوحيد الذي كان جاهزا ومرحبا بالنظام الرئاسي، محولا دفة موقفه 180 درجة، هو حزب الحركة القومية بزعامة دولت بهشلي، الذي تركت له هذه المرة مهمة فتح باب النقاش والحديث عن النظام الرئاسي، بعد أن كان الرئيس رجب طيب إردوغان تعهد عقب محاولة الانقلاب الفاشلة بأن تستمر البلاد على النظام البرلماني بعد أن لاحظ أن نقاشات النظام الرئاسي عقدت الوضع السياسي، وتسببت في حالة استقطاب سياسي واحتقان مجتمعي قبل المحاولة الفاشلة إلى الحد الذي انقسمت فيه قيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم نفسه ما بين مؤيد ومعارض للنظام الرئاسي.
بهشلي أطلق تصريحات جديدة هذا الأسبوع حول النظام الرئاسي في كلمته أمام المجموعة البرلمانية لحزبه بالبرلمان التركي في أنقرة قائلا إن حزبه سيطّلع على مقترح العدالة والتنمية فيما يخص النظام الرئاسي ليتخذ على أساسه القرار النهائي بشأنه.
ولفت بهشلي إلى أن المقترح في حال تمت الموافقة عليه في البرلمان التركي «لن يكون هناك أي داع للقلق من أجل الذهاب إلى استفتاء شعبي».
كان مسؤولون من حزب العدالة والتنمية بينهم بكير بوزداغ وزير العدل قد أعلنوا أن تركيا ستتوجه إلى استفتاء على الدستور والنظام الرئاسي مطلع العام المقبل وبشكل أكثر تحديدا قال مسؤولون من الحزب إن الاستفتاء سيجري في أبريل (نيسان) أو مايو (أيار) 2017.
كمال كيليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري وجه انتقادات إلى بهشلي وموقفه من النظام الرئاسي قائلاً أمام اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه أمس: «أخاطب السيد بهشلي وأقول له: تعالَ لنجعل من ذلك الشخص (إردوغان) ملكًا وليفعل ما يحلو له. لنؤسس له قناة تقوم بالبث على مدار الساعة». وفي الوقت نفسه، قال نائب رئيس حزب الحركة القومية سميح يالجين إن حزبه لا يعارض النظام الرئاسي بشكل جذري بل يعارض تطبيقه دون موافقة الشعب، وإن حزبه على استعداد تام للموافقة على أسس النظام الرئاسي إذا قال الشعب: «نعم»، في استفتاء عام.
بهشلي، الذي يعتقد بعض المراقبين أنه لجأ إليه بعد أن تزايدت الضغوط داخل حزبه للإطاحة به من رئاسة الحزب بسبب سياساته التي كانت محل انتقادات في تركيا كلها، وأنه يسعى إلى تبني نهج توافقي بعد أن كان عقبة أمام كثير من الحلول عقب انتخابات يونيو (حزيران) 2015 وعرقل تشكيل حكومة ائتلافية، أثار الدهشة بمواقفه، بعد أن صرح من قبل بأن الدستور التركي معلق، وغير مطبق، وأن نظام الحكم في تركيا تغيّر، وأن الحزب الحاكم لا يعير الأحزاب الأخرى أية أهمية للتشاور فيما يتعلق بأسس النظام الجديد.
واعتبر محللون أن تصريحات بهشلي تنم عن قبول حزب الحركة القومية بالنظام الرئاسي، لكن نائبه يالجين أكد أن الحزب لم يقرر دعم النظام الرئاسي بعد، بل قدّم اقتراحًا يعجل بعملية إقرار النظام الرئاسي، ويغير بعض مواد الدستور التي انتهكها الحزب الحاكم، لافتا إلى أن مسألة النظام الرئاسي تدهورت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، وما نحاول القيام به هو وضع النقاط فوق الحروف وإنهاء الخلاف الدائر حول النظام للتفرغ للقضايا الخارجية المُلِحّة. وحتى الآن لم تتحدد ملامح النظام الرئاسي الذي سيطبق في تركيا، والذي بدأ الحديث عنه في عام 2013 بعد أن شهدت تركيا تحقيقات موسعة في قضايا فساد ورشوة، أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي كان رئيسا للوزراء في ذلك الوقت أنها كانت محاولة من حركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن أو ما سماه «الكيان الموازي» لانقلاب على حكومته.
وعقب انتخابه رئيسا للجمهورية في أغسطس (آب) 2014 عاد إردوغان إلى طرح موضوع النظام الرئاسي كهدف، مطالبا الأتراك بإعطاء الحزب الحاكم أكثر من 400 مقعد بالبرلمان ليتمكن من إقرار النظام الرئاسي في انتخابات 7 يونيو 2015، إلا أن حالة الانقسام والجدل حول هذا النظام كبدت الحزب للمرة منذ 13 عاما في الحكم خسارة انفراده بتشكيل الحكومة، فكان الخيار هو تشكيل حكومة ائتلافية، لكن أحزاب المعارضة لم تدعم هذا الخيار وطالب حزب الحركة القومية بزعامة دولت بهشلي بإجراء انتخابات مبكرة، أجريت بالفعل في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وفاز بها حزب العدالة والتنمية وعاد لتشكيل الحكومة منفردا، لكن بقيت مسألة تغيير نظام الحكم نقطة خلاف على الساحة السياسية انتقلت إلى داخل حزب العدالة والتنمية نفسه، حيث لم يبد رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو تأييده له.
ومع استقالة داود أوغلو في مايو الماضي ومجيء رئيس الوزراء الحالي بن علي يلدريم أعلن أن النظام الرئاسي هو من أولويات حكومته وأنه لا خلاف بينه وبين إردوغان على ذلك، وأن حزب العدالة والتنمية سيحقق رغبة قائده إردوغان.
وبعد أقل من شهرين من تولي يلدريم رئاسة الحزب والحكومة وقعت محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) وأعلن إردوغان وقتها أن البلاد ستكمل مع النظام البرلماني ولن تتحول إلى النظام الرئاسي، ورأى مراقبون أن إردوغان أراد بذلك تهدئة التوتر مع أحزاب المعارضة.
وعاد الحديث عن النظام الرئاسي ليتصدر الأجندة السياسية في تركيا بعد هدوء استمر لأشهر قليلة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو الماضي.
لكن مصطفى شينتوب رئيس اللجنة الدستورية في البرلمان التركي أحد أبرز قيادات حزب العدالة والتنمية قال إن طرح إردوغان لفكرة النظام الرئاسي لم يكن وليد الفترة الأخير وأن فكرة طُرحت منذ عام 2003 مع مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم.
وقال شينتوب في اجتماع أول من أمس الثلاثاء: «إن الرئيس إردوغان عندما سئِل في 20 أبريل 2003 (أي النظامين برأيك هو الأمثل بالنسبة إلى تركيا، النظام البرلماني أم النظام الرئاسي؟) أجاب إردوغان (النظام الأمثل برأي هو النظام الرئاسي)».
ولفت شينتوب إلى أنه ذكّر بتصريح الرئيس إردوغان ليكون ردا على من ادعوا أن إردوغان طرح فكرة النظام الرئاسي بعيد انتخابه رئيسا للجمهورية التركية، مضيفا أن «العدالة والتنمية منذ عام 2003 ارتأى أن النظام الرئاسي هو الأمثل، المهم بالنسبة إلينا هو أن يجتاز المقترح البرلمان، ليتم عرضه على الشعب في استفتاء».
ويحتاج أي مقترح بشأن التعديلات الدستورية إلى الفوز بأغلبية الثلثين من أعضاء البرلمان البالغ عددهم 550 عضوا، أي 376 عضوا، حتى يمر من البرلمان مباشرة دون لاستفتاء عليه، كما يحتاج إلى 330 صوتًا حتى يمر إلى الاستفتاء الشعبي، وهو ما يجعل حزب العدالة والتنمية الذي يملك 317 مقعدا بالبرلمان في حاجة إلى دعم حزب من الأحزاب الأخرى.
ويمتلك حزب الحركة القومية 40 مقعدًا في البرلمان، وتعهد بدعم مقترح النظام الرئاسي ليحل المشكلة لحزب العدالة والتنمية وسط معارضة أكبر حزبين بالبرلمان؛ الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي، لفكرة التحول إلى النظام الرئاسي الذي يريان فيه نظاما ديكتاتوريا يعزز الاستبداد.
وأكد شينتوب أن النظام الرئاسي الذي يعملون عليه يتناسب مع الوضع التركي، ويختلف عما هو عليه في أميركا، ذاكرًا أن في أميركا مجلسان (النواب والشيوخ) بينما في تركيا مجلس واحد (البرلمان).
وعبّر شينتوب عن أمله في أن يحصل المقترح على 330 صوتا في البرلمان، قائلا: «نثق بأننا سنحصل على دعم الأحزاب الأخرى في هذا الصدد، ففي حال حصل المقترح على الموافقة سيتم عرضه على الشعب».
وسادت توقعات من قبل بأن العدالة والتنمية يخطط لتطبيق نظام رئاسي شبيه بالأميركي وهو ما نفاه شينتوب، كما أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مرارًا أن النظام الرئاسي في تركيا سيكون نظاما خاصا يتناسب مع ظروف البلاد.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.