حتى في لاس فيغاس.. رصيد ترامب يتبخر

كولن باول الجمهوري يعلن دعمه لكلينتون

الجمهوري وزير الخارجية الأسبق كولن باول يعلن دعمه لهيلاري كلينتون ويقول إن ترامب  أهان أميركا (أ.ف.ب)
الجمهوري وزير الخارجية الأسبق كولن باول يعلن دعمه لهيلاري كلينتون ويقول إن ترامب أهان أميركا (أ.ف.ب)
TT

حتى في لاس فيغاس.. رصيد ترامب يتبخر

الجمهوري وزير الخارجية الأسبق كولن باول يعلن دعمه لهيلاري كلينتون ويقول إن ترامب  أهان أميركا (أ.ف.ب)
الجمهوري وزير الخارجية الأسبق كولن باول يعلن دعمه لهيلاري كلينتون ويقول إن ترامب أهان أميركا (أ.ف.ب)

داخل فندق ترامب الدولي في لاس فيغاس، المرشح الجمهوري دونالد ترامب هو الملك. وكذلك في مبنى المجمع السكني والفندق ذي الطوابق الـ64 الواقع قبالة قطاع لاس فيغاس مباشرة. إذ يعرض محل لبيع الهدايا وسط متاجر البهو الفاخر للفندق، ملابس لرياضة الجولف بالعلامة التجارية لترامب، وقبعات بيسبول مزينة بشعار حملته الانتخابية «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، ومجموعة من كتب ترامب، ووجهه العابس على أغلفتها. ويبدو اسم ترامب مرفوعا على قمة ناطحة السحاب، بصورة تمكن قراءته من على بعد أميال، بينما الأحرف الأولى لاسمه «دي جيه تي»، هي اسم مطعم الفندق. وطبق البيض المخفوق المقلي الموجود بقائمة طعامه وسعره 18 دولارا أميركيا. وكل الأسطح المعدنية - بما فيها أنابيب مراحيض بهو الفندق - ممهورة بظل توقيعه المكتوب باللون الذهبي.
لكن خارج مركز إمبراطوريته العقارية في عاصمة القمار الأميركية لاس فيغاس بولاية نيفادا، يغيب التألق والبريق عن ترشيح ترامب. ومع انتقال تركيز الحملة الانتخابية إلى لاس فيغاس خلال المناظرة التلفزيونية الأخيرة بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، الأسبوع الماضي، كانت نضالاته في نيفادا تمثل رمزا لمشاكل أكبر في جميع أنحاء البلاد. وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة نيفادا في لاس فيغاس، دان لي لوكالة الأنباء الألمانية «يعتبرنا الناس ولاية رائدة، وحيثما تتجه نيفادا، تتبعها الأمة».
وكانت الولاية الجنوبية الغربية، وهي موطن لاس فيغاس وصناعة القمار والسياحة التي تحرك الاقتصاد المحلي، صوتت للفائز في نهاية المطاف في كل انتخابات رئاسية منذ عام 1980، وقبل أقل من ثلاثة أسابيع، كان ترامب بتقدم بفارق ضئيل بين ناخبي نيفادا. ولكن عقب الأداء الضعيف في مناظرته التلفزيونية الأولى، والكشف عن مقطع فيديو يدلي فيه بتعليقات مبتذلة حول النساء، والاعتداء الجنسي، فقد الدعم لصالح كلينتون، ويتخلف الآن في الولاية بمعدل ما يقرب من نقطتين.
من الناحية النظرية، ينبغي أن يكون ترامب صاحب موقع استراتيجي في ولاية نيفادا. فقوة الدعم الأساسية له تأتي من البيض غير حاملي الشهادات الجامعية، الذين يشكلون جزءا كبيرا من الناخبين في الولاية. وقد لقيت رسالته الحمائية على الاقتصاد صدى لدى الناخبين من المجموعات العرقية في الولاية التي تشهد ثاني أعلى معدل للبطالة في البلاد. لكن كلينتون اجتذبت دعما قويا من نقابات الخدمات القوية في نيفادا وكذلك من السكان اللاتين الذين يمثلون قطاعا كبيرا - خمس ناخبي الولاية - وكثير منهم قد أهين من قبل خطاب ترامب المعادي للأجانب. وقد استثمرت حملتها موارد أكثر، كما أنها أفضل استعدادا لتحويل الناخبين لصالحها يوم الانتخابات، وفقا لـ«دان لي» وغيره من الخبراء.
وتعد نيفادا التي تملك ستة أصوات في المجمع الانتخابي، جائزة صغيرة. ولكن كما قال: «لي»، فإنه على مستوى أكبر، إذا كانت التحولات الديموغرافية للولاية تجاه هيمنة السكان اللاتين والمهاجرين والعاملين في مجال الخدمات تعكس اتجاه البلد ككل، بالتالي سيكون قرار الولاية ممثلا لرؤية السياسة الوطنية المقبلة.
وتابع: «نيفادا ستكون هي الولاية المتأرجحة غير المحسومة لأي من الحزبين مستقبلا». وقد يحمل هذا المستقبل تحديات لترامب، إذا كانت مشاكله الأخيرة في ولاية نيفادا تمثل مؤشرا. وقد أدان كل من حاكم ولاية نيفادا الجمهوري، براين ساندوفال، والمرشح الجمهوري لمقعد الولاية الشاغر في مجلس الشيوخ الأميركي، جو هيك، تصريحات ترامب بشأن النساء وقالا إنهما لن يصوتا لصالحه. كما أن نقابة عمال المطابخ ذات التأثير القوي، التي تضم بين أعضائها 57 ألفا من عمال فنادق ومطاعم ونوادي قمار لاس فيغاس، تدعم العمال الأجانب لدى ترامب الذين يقولون إن ترامب يثأر من جهودهم لتشكيل النقابات.
وكانوا قد خططوا لتنظيم احتجاجات قبل المناظرة (التي جرت مساء الأربعاء الماضي)، تتضمن بناء «جدار لمنع الكراهية» أمام الفندق. ورغم اسمه المكتوب باللون الذهبي فوق ناطحة سحابه، فقد تلقت صورة ترامب في لاس فيغاس، في واقع الأمر، مؤخرا ضربات. وظهر تمثال ذا بطن كبير، لترامب العاري - وهو واحد من مجموعة تمت بتكليف من مجموعة فنية أميركية - في أحد شوارع لاس فيغاس الشهر الماضي، لكنه لم يدم طويلا. فبعد يومين فقط كان قد أطيح بالتمثال من فوق قاعدته، وتم كسره وتدميره.
ومن جهة أخرى حذرت المرشحة الديمقراطية لانتخابات الرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون أنصارها من الثقة الزائدة بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي حفاظها على تقدمها الواضح على منافسها الجمهوري دونالد ترامب قبل أسبوعين على الانتخابات المقررة في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني).
وتلقت هيلاري كلينتون دفعة إضافية عندما أفادت تقارير إعلامية بأن كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق الذي خدم في إدارة الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش قال إنه سيمنح صوته لها.
وكان قد أعرب كولن باول، الذي شغل منصب وزير الخارجية في إدارة الرئيس الجمهوري السابق جورج دبليو بوش، عن دعمه لتولي المرشحة الديمقراطية منصب الرئيس. وقال باول لمجموعة من كبار رجال الأعمال في لونغ آيلاند في نيويورك أول من أمس الثلاثاء إن المرشح الجمهوري دونالد ترامب ليس مؤهلا ليكون رئيسا، وأشاد بكلينتون، واحدة من خلفائه في وزارة الخارجية. وتحدث باول عن ترامب قائلا: «لقد أهان أميركا بطريقة ما في كل يوم تقريبا»، حسبما أفادت صحيفة «نيوزداي». وتابع: «لقد أهان الأميركيين من أصل لاتيني. وأهان الأميركيين من أصول أفريقية.. وأهان المرأة.. وأهان حزبه.. وقد أهان حلفاءنا حول العالم واحدا تلو الآخر.. كما أهان المحاربين القدامى». وقد أعربت مؤسسة الخارجية الأميركية عن تحفظات معينة حول ترامب بسبب نفوره من حلفاء رئيسيين للولايات المتحدة، ويبدو أن وزراء خارجية سابقين يصطفون وراء زميلتهم.
فقد كانت الوزيرة مادلين أولبرايت التي تنتمي إلى الحزب الديمقراطي مؤيدة صريحة لكلينتون، في حين أن وزيرة الخارجية الجمهورية كوندوليزا رايس دعت ترامب هذا الشهر للانسحاب من السباق دون تعهد صريح بدعم منافسته كلينتون.
وقالت كلينتون أمام تجمع حاشد في فلوريدا وهي واحدة من الولايات التي من المرجح أن تحسم نتيجة الانتخابات أن الديمقراطيين ليس بوسعهم تحمل أي تراخ. وأمام لافتة مكتوب عليها «التصويت المبكر» قالت كلينتون في كلمتها في كوكونت كريك «آمل أن تخرجوا وتدلوا بأصواتكم لأنها ستكون انتخابات متقاربة. لا تنظروا إلى استطلاعات الرأي. لا تنسوا. لا تتراخوا لأنه يتحتم علينا أن نحث الناس على الخروج للتصويت». وحثت كلينتون أنصارها على المشاركة في التصويت المبكر الذي بدأ هذا الأسبوع في ولاية فلوريدا التي من المرجح أن تكون واحدة من أكبر الجوائز في ليلة الانتخابات.
وأظهرت نتائج استطلاع أجرته «ابسوس-رويترز» على مستوى الولايات ونشرت نتائجه يوم السبت أن كلينتون تحافظ على تقدمها الواضح في السباق على الظفر بأصوات المجمع الانتخابي اللازمة للوصول إلى البيت الأبيض وعددها 270 صوتا. وأشار الاستطلاع إلى أن فرصة كلينتون للفوز تجاوزت 95 في المائة لو كانت الانتخابات أجريت الأسبوع الماضي.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.