بعيدًا عن الصراعات الاستراتيجية.. وجهات سوق الطاقة تلتقي في الرياض

«أوبك» وما خارجها على طريق التفاهمات

جانب من جلسات الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي الذي احتضنته الجزائر الشهر الماضي (رويترز)
جانب من جلسات الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي الذي احتضنته الجزائر الشهر الماضي (رويترز)
TT

بعيدًا عن الصراعات الاستراتيجية.. وجهات سوق الطاقة تلتقي في الرياض

جانب من جلسات الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي الذي احتضنته الجزائر الشهر الماضي (رويترز)
جانب من جلسات الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي الذي احتضنته الجزائر الشهر الماضي (رويترز)

منذ منتدى الجزائر الذي جمع منتجي الطاقة العالميين أواخر شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، والاتفاق التاريخي الذي تمخض عنه منتدى الطاقة، تبدو حتميته لمتابعي الأحداث أنه رسم كثيرا من الخطوات اللاحقة، وظهر جليّا حضور بعضها إلى العاصمة السعودية الرياض، لبحث سبل العودة التدريجية لأسعار النفط على أبعد تقدير.
اجتماع المنتدى واتفاق الجزائر، اللذان أصبحا «استثنائيين» بعد أن اتفق المشاركون على تخفيض محدود من إنتاج منظمة (أوبك) إلى حدود 32.5 إلى 33 مليون برميل يوميا، بعد أن تجاوز الإنتاج 34 مليون برميل يوميا، مع تشكيل لجنة مصغرة تُعنى بتوزيع حصص الأعضاء.
السعودية وروسيا، حجرا الزاوية، الأولى من داخل منظمة أوبك والأخرى اللاعبة الكبرى خارجها، اجتمعا على طاولة الطاقة منذ شهرين لثلاث مرات، كان أولها وهو الأساس الذي جعل من اجتماع الجزائر علامة بيضاء، اجتماع مدينة هانغشتو الصينية التي احتضنت قمة العشرين الأخيرة، وعلى هامشها جرى التوقيع بين وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، ونظيره الروسي ألكسندر نوفاك، على بيان مشترك يقضي باتخاذ إجراءات مشتركة بهدف تحقيق استقرار سوق النفط، التي غلب فيها العرض على الطلب.
الرياض وموسكو اتفقتا على تشكيل مجموعة عمل لمراجعة العوامل الأساسية في سوق النفط وتقديم توصيات بخصوص الإجراءات والخطوات اللازمة لضمان الاستقرار في سوق الخام، وبموجب هذا الاتفاق سيعمل البلدان على اتخاذ تدابير مشتركة للتنسيق مع المنتجين الآخرين للنفط في العالم، للحفاظ على استقرار أسعار النفط، التي هبطت بأكثر من 60 في المائة منذ عام 2014.
الفالح ونوفاك، التقيا مجددا منذ أيام في الرياض، في اجتماعات ثنائية ثم أخرى جماعية مع وزراء الطاقة والنفط الخليجيين، في مشوار يسبق الخطى - التي قطعت الأشواط الطوال في مضمار سوق النفط الصعب - إلى فيينا في اجتماع تعقده الدول المنتجة للنفط الأعضاء وغير الأعضاء في أوبك على مستوى الخبراء، من المقرر إقامته على مدار يومين بدءا من غد الجمعة.
السعودية، خلال أسبوع مليء بالزيارات واللقاءات، شهدت علاوة على زيارة وزير الطاقة الروسي، زيارة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي التقى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، والقيادة السعودية، في جولة شرق أوسطية بدأها من السعودية بهدف تعزيز التوافق بين الدول المنتجة للنفط حول قرار تجميد الإنتاج قبل اجتماع منظمة أوبك. وعلق مادورو على جولته بالقول: «نحن في حاجة إلى استعادة أسعار واقعية وعادلة لنفطنا»، مضيفا أن الهدف يتمثل في تحقيق استقرار الطاقة، بما في ذلك الاستثمارات المرجوة بدءا من العام المقبل.
زيارات رفيعة لم تنته، حيث حلّ الرئيس الكازاخستاني نور سلطان باييف، ضيفا على السعودية، حيث عقد جلسة مباحثات مع الملك سلمان بن عبد العزيز، وتم توقيع عدة اتفاقات، منها اتفاقية للتعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، وقعها من الجانب السعودي هاشم يماني رئيس مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، ومن الجانب الكازاخستاني وزير الطاقة قانات أوزو مبايف، أعقبها لقاء في سياق السباق الماراثوني في سوق النفط بين المهندس خالد الفالح وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية وقانات أوزو مبايف وزير الطاقة الكازاخستاني، بحضور هاشم يماني.
وبالنظر إلى روسيا وكازاخستان، وهما من الدول غير الأعضاء في منظمة أوبك، فإن روسيا تريد تغطية تدهور اقتصادها بفعل تدهور الأسعار، وتخوض حروبا جيوسياسية على مستويات عدة، ولها دور في تغيير دفة القرار خارج أوبك، والتأثير على بعض أعضاء أوبك، فيما تمتلك كازاخستان أهمية كبرى في سوق الطاقة، حيث تساهم بما يقارب 3 في المائة من إجمالي إنتاج النفط العالمي، وتعد من بين أكبر 15 دولة منتجة للنفط وتتمتع باحتياطي يبلغ 40 مليار برميل يضعها في مصاف الدول العشر الأوائل في هذا الشأن.
وخلال الزيارة الروسية، أكد الجانبان على أهمية الحوار البناء والتعاون بين أكبر الدول المنتجة بهدف دعم الاستقرار في سوق النفط، وتوفير مستوى ثابت من الاستثمارات على المدى البعيد، لذلك اتفق الوزيران السعودي والروسي على العمل معا أو بالتنسيق مع المنتجين الآخرين للنفط.
حراك السعودية الفاعل في قضايا المنطقة، جعلها في مستوى المرونة العالية التي أثرت بشكل فعلي على سوق النفط بالتحديد، رافقها ارتفاع في تسعيرة برميل الذهب الأسود، وجعل القرار الجماعي باحثا عن مخرج بفعل التقارب بين أهم صنّاع قطاع الطاقة، بعد أن تأثر الجميع بشكل مباشر على اقتصاد الدول الأعضاء وغير الأعضاء في أوبك على حد سواء.
ورأى الدكتور عبد العزيز السالمي، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن الاتفاق السعودي الروسي، ونتاج اجتماع الجزائر حول تثبيت الإنتاج سيحتاج مزيدا من الوقت، وأن هذا الاتفاق أعطى المؤشرات على المدى القصير وسيحقق التفاؤل، بحكم مكانة السعودية في سوق النفط، وسيعطي على المدى البعيد حالة من الإيجابية خاصة مع العام المقبل. وأكد السالمي، خلال اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن غالبية الدول المصدرة للنفط في أوبك وخارجها أصبح في موقف تكتل وأكثر جدية في إدارة الإمدادات ودعم الأسعار، نظرا للتقارب النفطي بين الرياض وموسكو، مؤكدا أن عجلة القيادة النفطية هي في محيط الرياض أولا.
أسعار النفط، كانت جانبا متواصلا على خط المناورة، حيث عانى الاقتصاد الروسي كثيرا من أزمة أسعار النفط التي أثقلت التوازن الاقتصادي للبلاد، حتى جاءت لحظة قمة العشرين بتوقيع البيان المشترك، بعد أن كانت روسيا مستعدة لتثبيت الإنتاج في أبريل (نيسان) الماضي مع أوبك، لكن المباحثات انهارت بعدما قالت الرياض إنها لن تقبل الاتفاق إلا إذا شاركت فيه إيران ثالث أكبر منتج للخام في أوبك.
وكان وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، المهندس خالد الفالح أوضح أن السعودية «بدأت تلعب دورا مهما في التنسيق بين روسيا والدول التي تتأثر بسياسة روسيا خارج أوبك ودول مجلس التعاون الخليجي»، مؤكدا خلال مؤتمر صحافي ضم وزيري النفط الروسي والقطري بالرياض أول من أمس، أن دورة الهبوط الحالية تشرف على الانتهاء، والدليل هو تراجع احتياطيات الولايات المتحدة من النفط خلال الأسابيع الماضية.
وتتابع الأوساط العالمية التحرك، الذي تقوده الرياض من أوبك وأعضاء نافذين خارجها، مع مخزونات الخام التي بلغت مستوى قياسيا على المستوى العالمي بدأت تتراجع، في إطار السعي إلى تعزيز التحالفات السياسية والاقتصادية والنفطية والشراكة، وفق دبلوماسية شاملة، تهدف إلى تحقيق الاستقرار لبلوغ الغايات التي تدعم الأطراف كافة، مما يعد تغييرا كبيرا في سياسة السعودية النفطية، لتضع حدا إن نجحت كل الخطوات ذات البوادر الإيجابية إلى اليوم أمام أمد التراجع في الأسعار.



«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.


النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
TT

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام، في خفض ملحوظ للتقديرات الأولية.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية بأن الاقتصاد، الذي تأثر بشدة بالإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي بلغ 0.7 في المائة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالتقدير الأولي البالغ 1.4 في المائة، في حين كان الاقتصاديون يتوقعون تعديلاً في الاتجاه المعاكس يعكس نمواً أقوى.

ويمثل هذا تباطؤاً حاداً مقارنة بنمو بلغ 4.4 في المائة في الربع الثالث و3.8 في المائة في الربع الثاني من العام نفسه، وفق «رويترز».

وتأثر النمو بشكل كبير بتراجع الإنفاق والاستثمار الحكومي الفيدرالي، اللذين انخفضا بنسبة 16.7 في المائة نتيجة تداعيات الإغلاق الحكومي، ما اقتطع نحو 1.16 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير.

وعلى مستوى العام بأكمله، نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.1 في المائة في عام 2025، وهو معدل نمو قوي نسبياً، لكنه أقل قليلاً من التقدير الأولي البالغ 2.2 في المائة لعامي 2023 و2024.

وخلال الربع الأخير، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 2 في المائة، مقارنة بنمو بلغ 3.5 في المائة في الربع الثالث، في حين سجل الاستثمار التجاري – باستثناء قطاع الإسكان – نمواً بنسبة 2.2 في المائة، وهو ما يُرجح أنه يعكس زيادة الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل أقل من وتيرة النمو البالغة 3.2 في المائة في الربع السابق.

ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، قدراً من المرونة في مواجهة سياسات الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق وعمليات ترحيل جماعية للمهاجرين. إلا أن الحرب مع إيران أسهمت في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما ألقى بظلال من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية.

في المقابل، تشهد سوق العمل الأميركية تباطؤاً ملحوظاً. فقد قامت الشركات والمنظمات غير الربحية والوكالات الحكومية بتسريح نحو 92 ألف موظف خلال الشهر الماضي. وخلال عام 2025، لم يتجاوز متوسط الزيادة الشهرية في الوظائف 10 آلاف وظيفة، وهو أضعف معدل توظيف خارج فترات الركود منذ عام 2002.

ويثير هذا الوضع تساؤلات لدى الاقتصاديين بشأن ما إذا كان التوظيف سيتسارع لمواكبة النمو الاقتصادي، أم أن النمو سيتباطأ ليتماشى مع ضعف سوق العمل، أو ما إذا كانت التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تسمح للاقتصاد بالنمو بوتيرة أسرع دون الحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف.

ويُعد التقرير الصادر يوم الجمعة التقدير الثاني من بين ثلاثة تقديرات لنمو الربع الأخير، على أن يصدر التقرير النهائي في 9 أبريل (نيسان).