مفوض حقوق الإنسان بالأمم المتحدة: الضربات الجوية على حلب جرائم حرب

عمليات الإخلاء الطبية من شرق المدينة تأخرت بسبب الاضطرابات

مفوض حقوق الإنسان بالأمم المتحدة: الضربات الجوية على حلب جرائم حرب
TT

مفوض حقوق الإنسان بالأمم المتحدة: الضربات الجوية على حلب جرائم حرب

مفوض حقوق الإنسان بالأمم المتحدة: الضربات الجوية على حلب جرائم حرب

قال الأمير زيد بن رعد الحسين، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم (الجمعة)، إنّ حصار وقصف شرق مدينة حلب السورية يشكل «جرائم ذات أبعاد تاريخية» أوقعت كثيرًا من القتلى المدنيين، ووصلت إلى حد جرائم الحرب.
ولم يذكر الأمير زيد بالاسم روسيا التي تنفذ طائراتها الحربية، إلى جانب القوات الجوية للنظام السوري، على مدى أسابيع ضربات جوية على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة من حلب، لكنّ إشارته كانت واضحة.
وأضاف الأمير زيد، في كلمة عبر رابط فيديو خلال جلسة خاصة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف: «جماعات المعارضة المسلحة تواصل إطلاق قذائف المورتر وغيرها من المقذوفات على أحياء مدنية في غرب حلب، لكن الضربات الجوية تحدث من دون تمييز عبر الجزء الشرقي من المدينة، من قبل قوات الحكومة وحلفائها المسؤولة عن سقوط الغالبية العظمى من الضحايا المدنيين»، داعيا القوى الكبرى لتنحية خلافاتها جانبا، وإحالة الوضع في سوريا إلى مدعية المحكمة الجنائية الدولية.
وشدد الأمير زيد على أن «الانتهاكات والإساءات التي عانى منها الناس في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك حصار وقصف شرق حلب، ليست مجرد مآس، بل إنها تشكل جرائم ذات أبعاد تاريخية»، فيما تنفي روسيا الاستهداف المتعمد للمدنيين، وتقول إنها تحارب «إرهابيين».
وقد طلبت بريطانيا عقد الجلسة التي تستغرق يومًا واحدًا مع دول حليفة، منها الولايات المتحدة، من أجل تشكيل لجنة تحقيق خاصة في أمر حلب، وسعت لإدانة روسيا بسبب ضرباتها الجوية على المدينة السورية.
وقال توبياس الوود، وزير شؤون أفريقيا والشرق الأوسط في الحكومة البريطانية، في كلمة له أمام منتدى جنيف: «روسيا.. إنّك تزيدين الوضع سوءًا، ولا تحلينه»، متابعًا: «هذا عمل شائن لا يصدر من القيادة التي نتوقعها من عضو دائم بمجلس الأمن الدولي».
ومن جانبه، اتهم السفير الروسي لدى الأمم المتحدة أليكسي بورودافكين في جنيف بريطانيا وحلفاءها «بمحاولة إنقاذ الإرهابيين من الضربات، والسماح لهم بإعادة تنظيم صفوفهم ومواصلة أعمالهم الوحشية».
وفيما يتعلق بالعمليات الإنسانية، ذكرت الأمم المتحدة أنّ عمليات الإخلاء الطبي التي كان من المقرر القيام بها في شرق حلب اليوم، تأخرت لعدم تقديم الأطراف المتحاربة الضمانات الأمنية اللازمة.
وقال ينس لاريكي، المتحدث باسم مكتب الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة: «للأسف، لم يكن من الممكن بدء عمليات إخلاء المرضى والجرحى صباح اليوم، كما كان مقررًا، نظرًا لعدم توافر الظروف اللازمة».
وأمس، أعلن يان إيغلاند، الذي يرأس مجموعة العمل بشأن المساعدة الإنسانية في سوريا، أنّ الأمم المتحدة حصلت على موافقة روسيا والنظام السوري و«مجموعات مسلحة في المعارضة».
إلا أنّ لاريكي صرح للصحافيين أنّه لم تُقدّم «هذه الضمانات المتعلقة بالظروف الأمنية»، وأنّ موظفي الإغاثة لم يتمكنوا حتى الآن من الانتشار من مواقعهم في غرب حلب التي تسيطر عليها الحكومة، مضيفا: «هذه عملية صعبة للغاية».
كانت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر تأملان في الاستفادة من «الهدنة الإنسانية» في شرق حلب، بعد أن أوقفت القوات الروسية والسورية حملة القصف التي تشنها على فصائل المعارضة.
وفي اليوم الثاني من الهدنة الروسية المعلنة من جانب واحد في مدينة حلب في شمال سوريا، لم يسجل عبور مدنيين أو مقاتلين أو جرحى من الأحياء الشرقية المحاصرة من قبل قوات النظام السوري إلى خارجها.
وحتى ظهر اليوم، لم يُسجل خروج أي من المدنيين أو المقاتلين من الأحياء الشرقية، عبر الممرات الثمانية التي حددتها موسكو، بحسب ما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان والتلفزيون السوري الرسمي، فيما عبرت الأمم المتحدة عن أملها في إجلاء الجرحى اعتبارًا من اليوم.
وأكد مصور لوكالة الصحافة الفرنسية، جال على معبري الكاستيلو (شمال) والهال (وسط) المخصصين للمقاتلين ومن يرغب من المدنيين من جهة النظام، أنّه لم يشاهد أي حركة عبور.
وكان الجيش الروسي قد أعلن تنفيذ هدنة ليوم واحد لمدة 11 ساعة في حلب، قبل أن يعلن، عصر أمس، تمديدها لمدة 24 ساعة إضافية، بهدف إفساح المجال أمام خروج المدنيين ومن يرغب من المقاتلين، عبر ممرات آمنة.
وأوقفت الطائرات الروسية والسورية قصف الأحياء الشرقية، الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة، منذ صباح الثلاثاء.
وقال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن، اليوم، لوكالة الصحافة الفرنسية: «لا حركة على المعابر من الأحياء الشرقية، ولم يسجل خروج أي من السكان أو المقاتلين حتى الآن».
وأظهرت كاميرات وضعها الجيش الروسي، تبث مباشرة عبر الموقع الإلكتروني لوزارة الدفاع، انعدام الحركة على معبر سوق الهال (بستان القصر - مشارقة)، في حين يقف عدد من سيارات الإسعاف عند معبر الكاستيلو، وشاحنات فارغة قرب سواتر ترابية، بالإضافة إلى عدد من الجنود.
وتخلل اليوم الأول من الهدنة (أمس)، اندلاع اشتباكات متقطعة وتبادل القصف المدفعي، وفق ما أفاد به مراسل وكالة الصحافة الفرنسية، في الأحياء الشرقية.
واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أمس، مقاتلي المعارضة بأنّهم «يخرقون وقف إطلاق النار، ويعوقون إجلاء السكان»، مشيرًا خلال محادثة هاتفية مع نظيره الأميركي جون كيري، وفق وزارة الخارجية، إلى أن «المدنيين، وكذلك عناصر الجماعات المسلحة غير الشرعية (فصائل المعارضة المسلحة)، كانت لديهم إمكانية لمغادرة المدينة بأمان».
وقد شهدت الأحياء الشرقية، منذ 22 سبتمبر (أيلول) الماضي حتى مطلع الأسبوع الحالي، هجومًا من قبل قوات النظام تزامن مع غارات روسية وسورية كثيفة. ويعيش نحو 250 ألف شخص في شرق حلب في ظروف إنسانية صعبة، في ظل تعذر إدخال المواد الغذائية والأدوية والمساعدات منذ 3 أشهر.
ومع تمديد الهدنة، تأمل الأمم المتحدة في أنّ تتمكن من إجلاء الدفعة الأولى من الجرحى من الأحياء الشرقية، بدءًا من اليوم، وفق ما أعلنه رئيس مجموعة العمل بشأن المساعدة الإنسانية في سوريا يان إيغلاند الذي قال، أمس، إن الأمم المتحدة حصلت على موافقة روسيا والنظام السوري و«مجموعات مسلحة في المعارضة» على تنفيذ ذلك، آملاً في أن تستمر الهدنة لفترة أطول ليتم نقل المساعدات الإنسانية إلى شرق حلب.
من جانبه، انتقد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية والفصائل المعارضة في حلب، مبادرة الأمم المتحدة التي «لم تتضمن دخول أي مساعدات إنسانية، وتقتصر على إخراج حالات حرجة مع مرافقين، وسط ضغوط أمنية وعسكرية وإعلامية» من روسيا والنظام السوري. وقال في بيان مشترك لهذه القوى إنّ ذلك «يجعل المبادرة قاصرة، ويساهم في إخلاء المدينة، بدلا من تثبيت أهلها في مناطقهم»، منتقدًا تحول الأمم المتحدة إلى «أداة في يد روسيا».
ولم تدخل أي مساعدات إنسانية إلى الأحياء الشرقية منذ 7 يوليو (تموز) الماضي.
وقد أقر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أمس، في جلسة غير رسمية للجمعية العامة للأمم المتحدة مخصصة لحلب، بأن «الجوع استخدم كسلاح» منذ بدء الهجوم على الأحياء الشرقية، مشيرًا إلى أن «الحصص الغذائية (هناك) ستنفد في نهاية هذا الشهر»، مطالبا بتأمين «وصول المساعدات الإنسانية بالكامل» إلى شرق حلب. وأدان بشدة النتائج «الرهيبة» للقصف الروسي والسوري على شرق حلب، مذكرا بمقتل نحو 500 شخص، ربعهم من الأطفال، وإصابة ألفين آخرين بجروح منذ بدء الهجوم.
وبدوره، انتقد السفير الروسي فيتالي تشوركين أنّ الأمين العام «لم يقل كلمة واحدة بشأن المنظمات الإرهابية»، مما دفع السفيرة الأميركية سامانثا باور إلى الرد، قائلة إنّ «الإرهابيين ليسوا هم من يسقطون قنابل على المستشفيات ومنازل المدنيين في شرق حلب (...) إنّه نظام الأسد وروسيا».
وفي بروكسل، لوح الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على موسكو، من دون أن يذكرها بالاسم. وبحث المجتمعون، حسب مسودة اتفاق حصلت عليها وكالة الصحافة الفرنسية، «كل الخيارات، بما يشمل عقوبات إضافية» تستهدف «الجهات الداعمة لنظام» الرئيس السوري بشار الأسد.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.