لبنان.. «السلة» ـ الأزمة

تفاهمات تسبق التسوية الرئاسية يشترطها بري ويرفضها المسيحيون

لبنان.. «السلة» ـ الأزمة
TT

لبنان.. «السلة» ـ الأزمة

لبنان.. «السلة» ـ الأزمة

يحاول رئيس المجلس النيابي نبيه بري والفريق المقرب منه منذ أيام، سحب مصطلح «السلّة» من التداول، ويحاولون الاستعاضة عنه بـ«بنود الحوار الوطني»، وذلك في أعقاب الاشتباك الحاد الذي شهدته الساحة اللبنانية الأسبوع الماضي، على خلفية إصرار برّي على وجوب أن تقترن أي تسوية تفضي لانتخاب رئيس للجمهورية بسلسلة تفاهمات أخرى، تشمل، بشكل أساسي قانون الانتخاب، وتفعيل عمل الحكومة والمجلس النيابي. وهو ما أدّى لتوتر العلاقة بين عين التينة (مقر بري) وبكركي (مقر البطريركية المارونية) التي ترفض وضع شروط لإتمام الاستحقاق الرئاسي المتعثر منذ مايو (أيار) 2014.
ولقد تحولت «سلة التفاهمات» التي يروّج لها رئيس المجلس النيابي منذ نحو 5 أشهر، وبات اليوم يتعاطى معها بوصفها «ممرا إلزاميا» لانتخاب رئيس للجمهورية، إلى الشغل الشاغل للبنانيين، قيادات سياسية وجماهير على حد سواء، وبخاصة مع تبلور شبه إجماع مسيحي رافض بالمطلق لهذه «السلة» باعتبارها – حسب رأي معظم الكتل المسيحية – «تعديًا» على صلاحيات الرئاسة الأولى، المحصورة بالمسيحيين الموارنة، وعلى النصوص الدستورية.
يتعاطى قسم كبير من قوى 14 آذار بريبة، مع خروج رئيس مجلس النواب نبيه بري في هذه المرحلة بالذات لـ«فرض منطق السلّة»، وبالتحديد، بعد المستجدات الأخيرة التي طرأت على الملف الرئاسي، وما حُكي عن توجه لدى رئيس تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري لتبني ترشيح رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية والتخلي عن ترشيح رئيس تيار «المردة» النائب سليمان فرنجية.
ويرى المناوئون لما يسمى «حزب الله» أن برّي «مُكلَّف من قبل الحزب» بالتصدّي لمبادرة الحريري وبمنعها من تحقيق هدفها الأساسي بإنهاء الشغور الرئاسي، لاقتناعهم بأن ما يسمى «حزب الله» يصر على إبقاء الوضع اللبناني على ما هو عليه، رافضًا انتخاب رئيس حتى اتضاح المشهد في سوريا والمنطقة.
يذكر أن برّي كان قد بدأ بالترويج لهذه «السلّة» في جلسة الحوار الوطني التي عقدت في 18 مايو الماضي، حين حثّ على وجوب السير بـ«اتفاق لبناني داخلي» على غرار «اتفاق الدوحة» الذي تحقق في عام 2008، ووضع يومذاك حدًا للأزمة السياسية، وأدّى إلى انتخاب قائد الجيش السابق العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية. ويشدّد رئيس المجلس النيابي، في منطقه، على وجوب أن تلحظ أي تسوية مرتقبة بين الأفرقاء تفاهمات على القانون الذي ستجرى على أساسه الانتخابات النيابية الربيع المقبل، من حيث شكل الحكومة، وشخص رئيسها، ومضمون البيان الوزاري، إضافة إلى شخص رئيس الجمهورية وصلاحياته. وتلحظ «السلّة» أيضا تفعيل عمل المؤسسات والاتفاق على الحقائب الوزارية في الحكومة المقبلة، وكذلك اعتماد مبدأ «اللامركزية الإدارية» الوارد نصًا في «اتفاق الطائف». ولكن بينما يتعاطى رئيس المجلس النيابي مع هذه «السلّة» باعتبارها «ممرا إلزاميا لاستقرار الوضع السياسي والحفاظ على المؤسسات الدستورية»، تُجمع كل القوى المسيحية، بخلاف تيار «المردة» على وجوب تفادي «منطق السِّلال باعتباره غير دستوري».
* فرز سياسي
جدير بالذكر، أن تيار «المستقبل» كان أول من أعلن معارضته لـ«سلّة» برّي قبل أشهر، وشدّد رئيس كتلة «المستقبل» النيابية الرئيس فؤاد السنيورة حينذاك على أن «الأولوية هي لانتخاب رئيس للجمهورية»، معتبرا أن «الأفكار التي تطرح إنما تطرح لأننا غادرنا القواعد الأساسية وتهنا في الزواريب». ولكن، في المقابل، يدعم برّي بطرح «السلّة» حليفه ما يسمى «حزب الله»، وأيضًا رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب وليد جنبلاط، الذي يعتبر الهجوم على «السلّة» خيارًا «غير مبرّر باعتبار أنها لا بديل عنها».
النائب ميشال موسى، عضو كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها برّي، يقول في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «لا قيمة للتسميات اليوم. فلا فرق بالقول عن التفاهمات المطلوب تحقيقها (سلة) أو غيرها، باعتبار أن هناك عدة موضوعات، وهي ليست حديثة تستدعي حلولا سريعة»، مؤكدا عدم وجود أي إشكالية لدى فريقه السياسي في حال كانت هناك إمكانية لانتخاب رئيس جديد للبلاد حسب مقتضيات الدستور أولا. وهو يذكّر بأن الكتلة التي ينتمي إليها لم تقاطع يوما جلسات انتخاب الرئيس. ويضيف موسى: «لكننا اليوم نتحدث عن سنتين ونصف السنة من الفراغ الرئاسي وعدم نجاح المعنيين بانتخاب رئيس، ومن هنا كانت فكرة الحث على توسيع حلقة التفاهمات عسانا بذلك نحقق الخرق المطلوب».
ويستغرب موسى محاولة تصوير «سلّة التفاهمات» التي يدعو لها الرئيس برّي كأنّها طرح جديد يهدف لعرقلة الحركة الرئاسية المستجدة للحريري، مذكّرا بأن ما تتضمنه هذه السلة ليس إلا بنود «الحوار الوطني» الذي يشارك في هيئته معظم القادة اللبنانيين ورؤساء الكتل. ثم يتساءل: «ما مصلحتنا أصلا من استمرار الشغور الرئاسي؟ كل ما نطالب به هو إتمام التفاهمات المطلوبة.. سواء كانت ثنائية أو على طاولة الحوار، لتفعيل عمل المؤسسات والانصراف للاتفاق على قانون جديد تجرى على أساسه الانتخابات النيابية في الربيع المقبل».
* العونيون مترددون
أما «التيار الوطني الحر» الذي يتزعمه العماد ميشال عون، فيبدو مترددًا في إعطاء موقف نهائي من موضوع «السلّة»، وخصوصا أن المعلومات تشير إلى توصّل رئيس «التيار» جبران باسيل (وزير الخارجية) ومعاون رئيس تيار «المستقبل» نادر الحريري إلى «تفاهمات» لإدارة المرحلة المقبلة، في حال تم انتخاب عون رئيسًا وتسمية الحريري رئيسًا للحكومة، وبالتالي، سيره ضمنيًا بـ«سلّة» من التفاهمات يرفضها أفرقاء كثيرون.
ورجّح النائب الدكتور فريد الخازن، عضو تكتل «التغيير والإصلاح» البرلماني الذي يرأسه عون، أن يكون البيان الأخير للمطارنة والزيارة التي قام بها علي حسن خليل، وزير المال، موفدًا من برّي، إلى بكركي، قد ساهما في توضيح الأمور بشكل نهائي بين عين التينة والبطريركية «باعتبار أن أحدا لم يتطرق لصلاحيات رئاسة الجمهورية، بل إن ما كان يطالَب به إتمام تفاهمات تسير بالتوازي مع الانتخابات الرئاسية» مضيفا: «وهذا أمر طبيعي ومنطقي». ويستطرد الخازن لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «لكن هذه التفاهمات، لا شك، لا يمكن أن تكون بمثابة شروط مسبقة».
من ناحية ثانية، يصف الخازن «المهمة» التي يقوم بها الحريري حاليًا على صعيد حل الأزمة الرئاسية بالـ«دقيقة» و«غير السهلة»، مشدّدًا على تمسك فريقه السياسي بـ«السلّة الثلاثية التي تضمن وصول الممثل الأقوى للمسيحيين إلى سدة رئاسة الجمهورية، مقابل وصول الممثل الأقوى للسُّنة إلى رئاسة الحكومة، والأقوى لدى الشيعة إلى رئاسة المجلس النيابي».
* موقف برّي
عطفًا على ما سبق، في مسعى لرأب الصدع واحتواء السجال الذي نشب بين البطريركية المارونية والرئيس برّي، زار وزير المال علي حسن خليل، موفدا من برّي، يوم أمس، البطريرك الماروني بشارة الراعي، وأكّد له أن رئيس المجلس النيابي «لم يعبّر عن موقفه من الانتخابات الرئاسية، بل بما يتعلق بمجموعة تفاهمات لا تعني أي تقييد لصلاحيات الرئيس، ولا تمسّ الدستور»، مشددا على «حرص برّي على ما يتم الاتفاق عليه بين اللبنانيين».
وجاء على لسان خليل: «نحن لا نسمح لأنفسنا بأن نشترط أو نطلب من البطريرك اشتراط أمر ما. نحن تشاورنا وتناقشنا واستمعنا بإيجابية إلى وجهة نظره حول القضايا التي تسرّع انتخاب الرئيس بهدف المصلحة الوطنية»، معتبرا أن «كل الوقائع تقول إن انتخاب الرئيس أصبح ضرورة لإعادة انتظام المؤسسات الدستورية. فلنستفد بانشغال العالم عنا ونعمل على التوافق فيما بيننا».
هذا وكان المطارنة الموارنة قد أصدروا في منتصف الأسبوع الحالي بيانا أيدوا فيه ما ورد على لسان البطريرك في وقت سابق لجهة رفضه «مبدأ السلّة». وشددوا على وجوب «التقيد بالدستور في انتخاب رئيس الجمهورية، من دون أن توضع عليه أي شروط مسبقة»، كما دعوا لـ«التقيد» بالميثاق الوطني، مرحّبين بالجهود والمشاورات المتعلقة بانتخاب رئيس. واعتبروا أنّه «لكي يقوم الرئيس العتيد بمهمته الوطنية العليا، ينبغي أن يكون حرًا من كل قيد، وعندئذ يكون الرئيس الحَكَم، لا الرئيس الطرف، ولا الرئيس الصوري». ومن ثم، حاول رئيس المجلس النيابي استيعاب السجال الذي اندلع بينه وبين البطريركية، فأعرب عن تأييده لبيان المطارنة بكل مندرجاته، معتبرا أنّه «لا يتعارض مطلقا مع بنود الحوار الوطني، أي ما سُمي بالسلّة».
* اللاعبون الآخرون
وإذا كان فريق عون السياسي يعتمد «الدبلوماسية» أخيرًا، معولاً عليها لتعبيد طريق زعيمه إلى قصر بعبدا الرئاسي، وخصوصا بعد مبادرة الحريري الأخيرة، يبدو حزب «القوات اللبنانية» مرتاحًا أكثر في تسمية الأمور بأسمائها، حتى أنّه ينبّه من سير مرشحه للرئاسة، أي عون بـ«سلّة» تفاهمات، أيا كانت «لأنّه بذلك يكبّل صلاحيات الرئاسة الأولى ويحوّلنا إلى جمهورية المرشد الأعلى الموجود في الضاحية». هذا على الأقل ما عبّر عنه مستشار رئيس حزب «القوات» العميد المتقاعد وهبة قاطيشا، الذي يشدّد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن فرض أي سلة على أي مرشح رئاسي سيكون بمثابة «تعطيل للدستور»، ويعتبر أن طاولة الحوار تسير أيضا في هذا الاتجاه، «علما بأنها لم تصل لنتيجة تُذكر».
ويتساءل قاطيشا: «كيف يمكن الاشتراط الآن بالاتفاق على كل الملفات الخلافية دفعة واحدة، وقد مرت 23 جلسة حوارية لم يتمكّن خلالها المعنيون من التوصل إلى أي تفاهمات تُذكر؟» ويضيف: «في البدء كانوا يحمّلون المسيحيين مسؤولية فراغ سدة الرئاسة، وعندما اتفق (القوات) والتيار الوطني الحر، أي ممثلي الغالبية المسيحية، قالوا إن العقدة لدى تيار المستقبل.. حتى وصلنا اليوم لاقتراب الرئيس الحريري من الجنرال (عون)، فإذا بهم يبتدعون طرح السلّة». وفي اعتقاد قاطيشا أن تسلسل الأمور يشكل دليلاً قاطعًا على كونهم لا يريدون انتخاب رئيس، متابعًا: «(حزب الله) يضع الرئيس برّي اليوم في واجهة التعطيل، إما برضاه أو بغير رضاه».
* هدنة عونية
من جانبه، في آخر إطلالة تلفزيونية لعون، فإنه مهادنًا وتصالحيًا تعمد تجنب التصعيد بوجه خصومه السياسيين وبعض حلفائه، وأبرزهم برّي، الذي لا يتردّد في الإعراب عن قلة حماسته لانتخاب رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» رئيسًا للبلاد، إلا أنه أطلق موقفًا واضحًا من «السلّة»، قائلا: «انتخابات الرئاسة يجب أن تكون منفصلة عن السلّة التي يتكلمون عنها، وتحمل كل المشكلات الخلافية العالقة منذ زمن». وعلى الرغم من تأكيده أن «لا خلاف مع الرئيس برّي في السياسة»، فإن مستوى السجال الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي بين جمهوري الزعيمين الماروني والشيعي، أكد بما لا يقبل الشك أن التحالف بينهما أوشك على الانهيار، ما لم نقل انهار كليًا.
وفي هذا السياق، يقول مصدر قيادي في تيار عون، إن «برّي لطالما كان أقرب لقوى 14 آذار منه إلينا، لكن كل ذلك كان يحصل ضمنا ومن تحت الطاولة، أما اليوم فالأمور باتت على المكشوف». ويضيف المصدر العوني لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف الرئيس برّي حاليًا رأس حربة في المعركة التي تهدف للتصدّي لوصول الممثل الأقوى للمسيحيين إلى سدة الرئاسة، وحتى اقتناع الرئيس الحريري بأحقية مطالبنا لم يدفع رئيس المجلس لإعادة النظر بحساباته».
* أين «حزب الله»؟
في هذه الأثناء، يبدو أن ما يسمى «حزب الله» يسعى حاليًا لتقريب وجهات النظر بين حليفيه، عون وبرّي، بعدما بلغ التوتر بينهما حدودًا غير مسبوقة، على خلفية قلة حماسة الأخير لتأييد ترشيح الأول لمنصب الرئاسة. ولقد دعا النائب عن الحزب نواف الموسوي يوم أمس حليفيه «أي إخواننا في التيار الوطني الحر وحركة أمل، إلى الشروع في حوار مباشر وجدي من شأنه أن ينتج تفاهما»، مشددا على أن «الحوار هو وسيلة مهمة وأساسية، ونأمل في أن تنطلق في جميع المجالات، لا سيما بين الحليفين العزيزين». واعتبر الموسوي أن «الموضوعات الإشكالية قابلة للتوافق عليها، وعليه فإن بوسعنا القول، إن ثقتنا كبيرة بهؤلاء الحلفاء في أن يتمكنوا من الاستفادة من الفرصة السانحة التي تؤدي إلى إخراج لبنان من أزمته السياسية والدستورية»، حاثًا على «إظهار التفاهمات التي قيل إنها قد أبرمت، فنحن نصدق حين يقال إن هناك تفاهمات أبرمت، ولذا نأمل أن يتم أيضا في أقرب وقت ممكن إظهارها؛ لأن من شأن ذلك أن يسرع الخطى إلى تكريس التفاهمات اللازمة للخروج من هذه الأزمة».
وتأتي تصريحات الموسوي بعدما أشيع عن توصل «التيار الوطني الحر» وتيار «المستقبل» إلى تفاهمات على الحقائب الوزارية في الحكومة المقبلة، التي قد يرأسها الحريري في حال تولي عون رئاسة الجمهورية، وإعطاء «القوات اللبنانية» حقائب أمنية حساسة، مما أثار ريبة خصوم رئيس الحزب المذكور سمير جعجع، وأبرزهم ما يسمى «حزب الله»، الذي أكّد مقربون منه أنّه لن يقبل تحت أي ظرف أن تُسند وزارة الداخلية أو قيادة الجيش أو أي مواقع أمنية أخرى، لمحسوبين على «القوات».
هذا، ولم تنجح طاولة «الحوار الوطني» الذي انطلق في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي بين قادة وممثلي القوى السياسية الرئيسية في لبنان، لبحث القضايا السياسية مثار الخلاف، وأبرزها: شغور موقع الرئاسة، وتفعيل عمل الحكومة والبرلمان، إضافة إلى إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية، في التوصل إلى أي تفاهم يُذكر. بل جرى الشهر الماضي تعليق هذه الجلسات بعد إعلان وزير الخارجية باسيل تعليق مشاركة تياره في هذا الحوار، بسبب الخلاف حول موضوع «الميثاقية» ودور القوى المسيحية في السلطة. وللعلم، فإن «الميثاق الوطني» اتفاق غير مكتوب تم التوصل إليه بين ممثلي المسلمين والمسيحيين في لبنان عام 1943، حول مشاركة جميع الطوائف في آليات الحكم وتوزيع المناصب الرسمية العليا في البلاد، بعد نيل استقلالها من الانتداب الفرنسي.
* قانون الانتخاب
وحقًا، يشكل قانون الانتخاب الملف الخلافي الأكثر تعقيدًا في لبنان اليوم، وذلك نظرًا لتمسك قسم كبير من القوى السياسية بالقانون الأكثري الحالي، الذي أمّن وصولها إلى السلطة، في حين يعارضه قسم آخر، وأبرزهم تيار عون، الذي يعتقد أنّه قادر على تأمين كتلة نيابية أكبر في حال اعتماد مبدأ النسبية.
أما عمل الحكومة فتأزم مع شغور سدة الرئاسة وتسلّمها مهام رئيس الجمهورية، ما فرض عليها اتخاذ القرارات بالإجماع، وبالتالي كبّل دورها وأعاق تقدم أعمالها إلى حد كبير. ولقد طال الفراغ والتعطيل مجلس النواب اللبناني بشكل أساسي، مع تمسّك القسم الأكبر من الكتل المسيحية بالقول إنه لا يجوز التشريع في غياب رئيس الجمهورية. ولقد عقد البرلمان آخر جلسة له في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، تحت عنوان «تشريع الضرورة» بهدف إقرار عدد من القوانين المالية المتعلقة بمكافحة الإرهاب وتبييض الأموال.
* «سلال» بالجملة
أخيرًا، اعتبر رئيس الجمهورية السابق أمين الجميّل أن «سلة» الرئيس نبيه برّي ليست الوحيدة المطروحة على طريق رئاسة الجمهورية، لافتًا إلى «سلال» أخرى تحوي تقاسم مصالح ومحاصصة، وترسم حدودًا للرئيس العتيد قبل انتخابه. وسأل الجميّل عن «سلة» التفاهم بين عون وما يسمى «حزب الله» ومحتواها الحقيقي، و«سلة» تفاهم عون وجعجع، و«سلة» تفاهم الحريري والنائب سليمان فرنجية، أو «سلة» تفاهمه المفترض مع عون، معقبًا: «المؤسف أن السياسة اللبنانية تحوّلت، لا سيما من خلال الاستحقاق الرئاسي، إلى مجموعة سلال معظمها تفاهمات على حساب الدستور والشراكة.. وإلا فما الذي يعطّل انتخاب رئيس للجمهورية منذ سنتين ونصف غير الخلافات حول السلال المطروحة من هنا وهناك، والمصالح المتعددة التي لم تتقاطع بعد».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.