وزير التنمية التركي: «الخارجية» و«العدل» تدرسان «جاستا».. وسنتخذ خطوات بشأنه

علوان أكد لـ «الشرق الأوسط» رغبة بلاده المشاركة في تحويل السعودية إلى قاعدة للإنتاج ضمن «رؤية 2030»

لطفي علوان وزير التنمية التركي (تصوير: أحمد فتحي)
لطفي علوان وزير التنمية التركي (تصوير: أحمد فتحي)
TT

وزير التنمية التركي: «الخارجية» و«العدل» تدرسان «جاستا».. وسنتخذ خطوات بشأنه

لطفي علوان وزير التنمية التركي (تصوير: أحمد فتحي)
لطفي علوان وزير التنمية التركي (تصوير: أحمد فتحي)

على الرغم من أن زيارته للسعودية كانت اقتصادية بالدرجة الأولى، فإن الملفات السياسية فرضت نفسها على لقاءات وزير التنمية التركي بالمسؤولين ورجال الأعمال السعوديين. وحرص الضيف والوفد المرافق الذي يتشكل في معظمه من قطاع الأعمال التركي وشخصيات من المعارضة، على بيان رفضهم لقانون «جاستا» الأميركي، وتأييدهم الكامل لكل الخطوات السعودية لمواجهته. وفي هذا الصدد، قال لطفي علوان وزير التنمية التركي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إن تركيا والسعودية تدرسان كثيرًا من الخطوات العملية لمواجهة قانون «جاستا» الذي يسمح بمقاضاة الدول الراعية للإرهاب، وذلك عبر منظمة التعاون الإسلامي والدول الأوروبية الحليفة، مبينًا أن وزارتي الخارجية والعدل التركيتين تقومان بإعداد دراسة شاملة حول هذا القانون، وسيعلن عنها فور الانتهاء منها.
ويعتقد علوان أن سبب استهداف كل من تركيا والسعودية، وانزعاج بعض الدول والجهات منهما، هو أن الدولتين تؤيدان السلام وتساهمان في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وتؤيدان وحدة البُلدان، ووجهات نظرهما في سوريا والعراق متطابقة.
* بداية، ضعنا في صورة محادثاتك مع المسؤولين السعوديين وأبرز الملفات التي تطرقتم لها.
- خلال اللقاءات التي أجريتها في إطار زيارتي، التقيت وزير الاقتصاد والتخطيط، ومجموعة من رجال الأعمال، ثم التقيت وزير التجارة والاستثمار، وخلال هذه اللقاءات أكد لي الإخوة السعوديون على أن التعاون السياسي في أعلى مستوياته، ويرغبون في تعزيز العلاقات الاقتصادية بنفس المستويات. كما وجدت الوزراء ورجال الأعمال يولون أهمية كبيرة لزيادة التعاون بين الدولتين. أيضًا لفت انتباهي قول أحد رجال الأعمال السعوديين إن هناك 150 شركة سعودية ترغب في فتح استثمارات في تركيا، وقد شعرت بامتنان كبير لسماع ذلك. ومما لا شك فيه سأولي هذا الأمر اهتمامًا، وسنجري الاتصالات اللازمة مع هؤلاء الإخوة، ونفتح المجال لهذه الاستثمارات.
* تركيا خرجت للتو من محاولة انقلاب فاشلة، والسعودية تعرضت ولا تزال لهجمات كثيرة، كان آخرها إقرار الولايات المتحدة الأميركية قانونًا لمقاضاة الدول الراعية للإرهاب، أو ما يعرف بـ«جاستا»، والذي يستهدف بالدرجة الأولى المملكة، هل تعتقدون أن تركيا والسعودية مستهدفتان؟
- حسبما تعلمون، إن تركيا قبل فترة وجيزة تعرضت لمحاولة انقلابية من قبل جماعة فتح الله غولن الإرهابية، وكان الهدف هو إزالة الدستور والنيل من الحكومة الشرعية، لكن الشعب التركي والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وقفت جميعها وقفة شامخة، وأفشلت هذه المحاولات، وأظهر الشعب التركي للعالم برمته إرادته السياسية، ووجّه للعالم درسًا في الديمقراطية.
أما فيما يتعلق بقانون «جاستا» الذي أقرته الولايات المتحدة الأميركية، فنود أن نشير إلى أنه لا يمكننا قبول هذه القرار الذي يعتبر منافيًا للأعراف والقوانين الدولية، كما أنه لا يجوز اتهام دولة بأكملها جراء محاولة قام بها بضعة من الإرهابيين خلال أحداث 11 من سبتمبر (أيلول) 2001. واليوم ما تقوم به أميركا من هذه المبادرة قد يعود بالضرر عليها بعد فترة، وأؤكد بأننا حكومة وشعبًا نقف خلف الحكومة السعودية فيما يتعلق بهذا الإجراء الخاطئ. وكما تعلمون الرئيس إردوغان سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، قد أشار إلى الخطأ الفادح جراء اتخاذ هذا القرار، وأكد وقفته المؤيدة للمملكة العربية السعودية في هذا الشأن. تركيا حققت خلال الأعوام الـ14 الأخيرة تطورًا كبيرًا، وواصلت نموها وتمكنت من تحقيق مشروعات عملاقة، ولهذا السبب هناك جهات تشعر بالقلق جراء هذه التنمية التي تحققها، وأؤكد أننا نثق بشعبنا وسنواصل نمونا وتطورنا.
أما بالنسبة للسعودية، فإننا ندرك أن الحكومة السعودية قد تكون واجهت صعوبات بسبب التغيرات الحاصلة في أسعار النفط، ولهذا السبب قامت بطرح «رؤية 2030»، وفي هذا الإطار بالإمكان تحويل السعودية إلى قاعدة للإنتاج، ويمكن تحقيق تعاون وثيق بين الدولتين على مختلف المجالات وإنشاء الصناعات. ومن المعروف أن لدينا تعاونًا وثيقًا في مجال الصناعات الدفاعية، وبالإمكان جعل هذا التعاون يشمل القطاعات كافة، وكما هو معروف، فالسعودية وتركيا دولتان تؤيدان السلام وتساهمان في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وتؤيدان وحدة البُلدان، ووجهات نظرهما في سوريا والعراق متطابقة، ولذلك فقد تكون هذه الأمور السبب وراء انزعاج بعض الجهات.
* تحدث الرئيس إردوغان قبل أيام بأن تركيا والسعودية تدرسان خطوات لمواجهة قانون «جاستا»، فهل يمكن إعطاؤنا مزيدًا من التفاصيل حول هذه الخطوات؟
- في الحقيقة، نحن باعتبارنا حكومة موقفنا صريح وواضح، كما هو موقف الرئيس فيما يتعلق بـ«جاستا». أعتقد من خلال منظمة التعاون الإسلامي، إضافة إلى أن هناك علاقة وثيقة تربطنا مع بعض الأصدقاء الأوروبيين، سنقوم باتخاذ بعض الخطوات الملموسة في هذا الصدد، ومع عدد كبير من الدول الإسلامية أيضًا. وفي هذا الإطار، فإن كلا من وزارتي الخارجية والعدل التركيتين تقومان بإعداد دراسة شاملة حول قانون «جاستا»، وعند اكتماله سيتم إعطاء التفاصيل في هذا الشأن.
* أنتقل معك إلى الأدوار السلبية التي تقوم بها إيران في المنطقة عبر إنشاء ميليشيات مسلحة ودعم الإرهابيين في سوريا، والعراق، واليمن، والبحرين، بالسلاح.. كيف تنظرون لهذا الدور السلبي الذي يقوم به النظام الإيراني؟
- تركيا دومًا أفكارها صريحة وواضحة، وعندما ترى أمرًا خاطئًا تقول إنه خاطئ، وعندما تراه صائبًا تقول إنه صائب، ولاشك في أننا نمتلك وجهات نظر مختلفة مع إيران بشأن كثير من القضايا، ودائمًا نؤكد على المبدأ الأساسي الذي يدعو لوجوب الحفاظ على وحدة البُلدان وتأسيس السلام والاستقرار. طبعًا إيران دولة جارة، ولكن عندما نرى أن هناك إجراءات خاطئة نقوم بإبلاغها بذلك، تمامًا كما نبلغها بالأمور الصائبة. وفيما يخص الجهات التي تمتلك ميليشيات أو قوات عسكرية مسلحة في المنطقة، فنأمل أنها تعود لنفسها ويأتي اليوم الذي ترى فيه الوقت الملائم لإنهاء هذه الحالة. من جهة أخرى، بينما نرى أن الدول الأوروبية والغربية تقيم القيامة عندما يُقتل طفل واحد من أطفالها، في حين تلتزم الصمت إزاء مقتل مئات الآلاف في المنطقة، ولهذا السبب نأمل في أن تعود إلى صوابها وأن تتحول المنطقة إلى منطقة أمن واستقرار. ووجهات نظر كل من تركيا والسعودية متطابقة في هذا الشأن.
* قبل أيام اختلقت وسائل إعلام إيرانية خبرًا مفاده أن السفير السعودي في واشنطن عرض اللجوء على فتح الله غولن.. هل تعتقدون أن ذلك يندرج تحت إثارة الفتنة والوقيعة بين تركيا والمملكة، عطفًا على العلاقات بين البلدين؟
- هناك قول مأثور يقول: «لا يمكن حجب ضوء الشمس بغربال»، نحن ندرك الوقفة القوية التي وقفتها السعودية ضد جماعة غولن الإرهابية، وقد أظهرت الحكومة السعودية موقفها عندما قامت بإيقاف الملحق العسكري - التركي في الكويت، الموالي لجماعة غولن الذي حاول الهروب للخارج عبرها، فأوقفته وقامت بتسليمه إلى تركيا بواسطة طائرة سعودية. كما أن الحكومة السعودية قامت بمنع إصدار بعض المجلات التي يتم إصدارها من بعض الموالين لفتح الله غولن في السعودية. إن الحكومة السعودية تتخذ التدابير اللازمة كافة ضد هذه المنظمة، وأبلغنا المسؤولون السعوديين أنهم سيواصلون اتخاذ هذه التدابير.
* ذكرتَ أن تركيا تصنع 65 في المائة من احتياجاتها الحربية محليًا، ولديكم تعاون وثيق مع السعودية في المجال الدفاعي، كيف تنظرون لتطوير هذا التعاون؟ وما الذي يمكنكم تزويد المملكة به في هذا المجال؟
- نحن دومًا نبلغ الإخوة السعوديين، سواء المسؤولون أو رجال الأعمال، أن تركيا مستعدة لإقامة التعاون مع السعودية في المجالات التي يرغبونها كافة. نمتلك شركات تركية تقوم بإنتاج وصناعة مختلف الصناعات الدفاعية من خلال أحدث التقنيات، ومن قبل رجال محترفين وخبراء في هذا الصدد. وهناك تعاون متواصل بين البلدين في مختلف المجالات في الصناعات الدفاعية، لكنني لا أرغب الدخول في تفاصيل هذا الأمر، وأشير إلى أنه ليس فقط على صعيد الصناعات الدفاعية، فتركيا مستعدة لتحقيق تعاون في مختلف الصناعات الأخرى مع السعودية.
* ملف اتفاقية التجارة الحرة مع الخليج متوقف منذ عام 2009، وكنتم في جولة خليجية قبل وصولكم للمملكة، وكان هذا الملف في صدارة أجندتكم، ما انطباعاتكم بعد لقائكم المسؤولين الخليجيين حول إمكانية توقيع هذه الاتفاقية في المستقبل المنظور؟
- قبل زيارتي للمملكة قمت بزيارة الكويت وقطر، ونقلت الأفكار المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين تركيا ومجلس التعاون الخليجي، وقالوا لنا إنهم سيقومون باتخاذ الخطوات الملموسة في هذا الصدد. وإننا نتوقع أن يتم تحقيق هذه الاتفاقية التي من شأنها أن تساهم في اتخاذ خطوات كبيرة في مجال التعاون بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي.
هناك أمر آخر أود الإشارة إليه، وهو اتفاقية الأفضلية في التجارة البينية بين الدول الإسلامية، فلقد تم إكمال هذه الاتفاقية منذ عام 2001، ووافقت عليها الدول المطلوبة، على الأقل (10 دول) في عام 2014، ومن ضمن هذه الدول 6 دول خليجية، ولكننا بانتظار وصول قائمة البضائع المستثناة من دول مجلس التعاون لكي نستطيع وضع الاتفاقية حيز التنفيذ، ومما لا شك فيه أنه يتعين علينا أن نسابق الزمن لرغبتنا في إقامة مزيد من التعاون والعلاقات مع دول الخليج العربي.
* لاحظنا أن وفدكم يضم شخصيات سياسية من المعارضة التركية، فما الدلالات التي يعكسها هذا الأمر برأيكم؟
- كما تعلمون، فإنه أثناء الانقلاب أظهرت أكثر الأحزاب السياسية وقفة قوية ضد الانقلاب، وأعلنت تأييدها للديمقراطية ووقوفها ضده، وعلى الرغم من هذا التطور الإيجابي، فإن بعض الدول للأسف الشديد لا تزال تحاول أن تخلق انطباعًا خاطئًا إزاء تركيا، وليست الدول فحسب، حتى بعض المؤسسات الدولية تقوم بذلك، مثل وكالة «استاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التي خفضت درجة تركيا بعد الانقلاب بثلاثة أيام، مدعية أنه حصل نوع من التفرقة والانفصال في تركيا. لهذا السبب ومن أجل الرد على هذه الجهات، نأتي ببعض الإخوة من أحزاب المعارضة خلال هذه الزيارات للإفصاح عن وجهة نظرهم، لا سيما أنهم قد أعلنوا بصراحة عن وقوفهم إلى جانب الحكومة ضد الانقلاب، وتأييدهم للشرعية والديمقراطية. وهؤلاء النواب لا نختارهم نحن، بل نبلغ أحزاب المعارضة عن رغبتنا في اصطحاب بعض ممثليهم، وهم من يختارون الشخصيات التي ترافقنا.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.