البرتغالي غوتيريس.. خليفة بان كي مون

يقترب من منصب تاسع أمين عام للأمم المتحدة في انتظار تأييد الجمعية العامة

أنطونيو غوتيريس الذي اختير من قبل مجلس الأمن مرشحًا مفضلاً لمنصب الأمين العام المقبل (أ.ف.ب)
أنطونيو غوتيريس الذي اختير من قبل مجلس الأمن مرشحًا مفضلاً لمنصب الأمين العام المقبل (أ.ف.ب)
TT

البرتغالي غوتيريس.. خليفة بان كي مون

أنطونيو غوتيريس الذي اختير من قبل مجلس الأمن مرشحًا مفضلاً لمنصب الأمين العام المقبل (أ.ف.ب)
أنطونيو غوتيريس الذي اختير من قبل مجلس الأمن مرشحًا مفضلاً لمنصب الأمين العام المقبل (أ.ف.ب)

اختيار رئيس الوزراء البرتغالي السابق أنتونيو غوتيريس لشغل منصب تاسع أمين عام للمنظمة الدولية، لا يزال بحاجة إلى تأييد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعدها سيتولى منصبه رسميًا في يناير (كانون الثاني) عام 2017.
وحصل غوتيريس على تأييد الدول الأعضاء في مجلس الأمن لتولي المنصب، خلفًا للكوري الجنوبي بان كي مون، ولم تستخدم أي من الدول الدائمة العضوية حق النقض (الفيتو).
إذ تبنى مجلس الأمن رسميا في قرار صدر بالإجماع أمس الخميس ترشيح أنطونيو غوتيريس، وذلك بعد يوم واحد من موافقة أعضاء المجلس البالغ عددهم خمسة عشر عضوا، في تصويت غير رسمي، على اختياره كمرشح مفضل لشغل أعلى منصب في المنظمة الدولية من بين 13 مرشحا.
من جانبه، قدم غوتيرس شكره إلى مجلس الأمن على الثقة والتوصية بتعيينه أمينا عاما، معربا عن امتنانه أيضا لجميع الموظفين بالمنظمة الدولية الذين يعملون في ظروف صعبة. وقال غوتيرس في خطاب تلفزيوني، مترجم إلى لغات عدة منها البرتغالية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية، إن من بين الأمور التي تعد تحديات في الفترة المقبلة، الإرهاب، والقضاء على الفقر، داعيا الدول الأعضاء بالأمم المتحدة إلى الاستمرار في تقديم الدعم الكامل للأمين العام الحالي كي مون، في الأشهر الأخيرة لولايته.
وكان الأمين العام الحالي بان كي مون قد أصدر بيانا رحب فيه بانتخاب خليفته، معربا عن تمنياته له بالنجاح، ومؤكدا على أنه سيعمل معه في الفترة الانتقالية.
وقال فيتالي تشوركين، سفير روسيا لدى الأمم المتحدة، الرئيس الحالي لمجلس الأمن: «إن مجلس الأمن.. يوصي الجمعية العامة للأمم المتحدة بالموافقة على ترشيح أنطونيو غوتيريس كأمين عام للأمم المتحدة اعتبارا من أول يناير (كانون الثاني) عام 2017 وحتى 31 ديسمبر (كانون الأول) عام 2021».
وبعد مشاورات بين كافة الأعضاء، وبناء على القواعد المعمول بها داخل مجلس الأمن، وخاصة المادة 55 من النظام الداخلي المؤقت، اعتمد الأعضاء قرارا رسميا بتسمية غوتيرس الأمين العام وسيتم بعث القرار إلى رئيس الجمعية العامة، بيتر تومسون الذي سيدعو الجمعية للتصويت رسميا على الاسم.
وتنص المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة على ما يلي «يكون للهيئة أمانة تشمل أمينًا عامًا ومن تحتاجهم الهيئة من الموظفين. وتعين الجمعية العامة الأمين العام بناءً على توصية مجلس الأمن. والأمين العام هو الموظف الإداري الأكبر في الهيئة».
ويتم التصويت بالتزكية، علما بأن المادة 141 من النظام الداخلي للجمعية العامة تنص على ما يلي «متى قدم مجلس الأمن توصيته بشأن تعيين الأمين العام، تنظر الجمعية العامة في التوصية وتصوت عليها بالاقتراع السري في جلسة سرية». ولم تصوت الجمعية العامة منذ أكثر من 40 عاما على قرار تعيين الأمين العام بالاقتراع السري.
وخلال تصويت أمس، صوت الأعضاء الخمسة الدائمون (بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين) ببطاقات يختلف لونها عن بطاقات سائر الأعضاء. وبذلك، كان ممكنًا للمرة الأولى ملاحظة أن أيًا من الأعضاء الدائمين لم يصوت ضد ترشح غوتيريس.
من جهته، أعرب ماتثيو ريكروفت، السفير البريطاني لدى الأمم المتحدة، عن اعتقاده بأن رئيس وزراء البرتغال الأسبق أنطونيو غوتيريس هو المرشح الأفضل لتولي منصب الأمين العام للمنظمة الدولية، خلفا لبان كي مون.
وقال ريكروفت إنه يشعر بالسعادة لأن غالبية المرشحين الـ13 لمنصب الأمين العام كانوا من النساء، متابعا أنه على الرغم من ذلك، فإن: «المزايا القيادية ظلت هي العامل الأهم بالنسبة لبريطانيا في اختيار المرشح لهذا المنصب».
من جانبها، قالت سامنتا باور، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، إنه «في نهاية الأمر، كان هناك مرشح فرضت خبراته ورؤيته ومهاراته المتنوعة في مجالات كثيرة، نفسها».
وخلال تصويت الخميس، صوت الأعضاء الخمسة الدائمون في المجلس، أي بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين التي تملك حق النقض (الفيتو)، ببطاقات يختلف لونها عن بطاقات الأعضاء العشرة الآخرين. وخلال عمليات التصويت السابقة، كانت كل الدول الأعضاء، الدائمة منها وغير الدائمة، تملك البطاقات نفسها. وبذلك، كان ممكنا للمرة الأولى ملاحظة أن أيا من الأعضاء الدائمين لم يصوت ضد ترشح غوتيريس الذي تصدر دورات الاقتراع الخمس الأولية السابقة.
وخلال جولتي التصويت السابقتين، أيدت 12 من الدول الـ15 الأعضاء غوتيريس، فيما عارضه عضوان، وأحجم عضو واحد عن الإدلاء برأيه. وسمح تصويت الأربعاء بملاحظة أن أربعا من الدول الكبرى أيدت غوتيريس، فيما لم تدل الخامسة برأي. لكن أيا من الدول الخمس لم يعارضه. وحقق غوتيريس نتيجة أفضل من جلسات التصويت السابقة، بحصوله هذه المرة على 13 صوتا مؤيدا.
وقال السفير الفرنسي فرنسوا دولاتر: «هذا خبر ممتاز للأمم المتحدة في الشكل والجوهر». واعتبر نظيره البريطاني ماثيو رايكروفت أن غوتيريس سيكون «أمينا عاما قويا جدا وفعالا جدا»، فيما سلطت السفيرة الأميركية سامانتا باور الضوء على تجربة الدبلوماسي البرتغالي ورؤيته.
شغل غوتيريس منصب رئيس حكومة البرتغال بين عامي 1995 و2002، وسيصبح بالتالي أول أمين عام شغل سابقا منصب رئيس وزراء.
وشغل كثير من وزراء الخارجية السابقين منصب الأمين العام للأمم المتحدة. كما كان غوتيريس (67 عاما) المتعدد اللغات، الذي يتحدث الفرنسية بطلاقة، مفوضا ساميا لشؤون اللاجئين على مدى عشر سنوات.ويصف هذا الكاثوليكي المتدين والاشتراكي الذي درس الهندسة نفسه بأنه رجل المبادرات، وقد قاتل بلا كلل لمدة عشر سنوات دفاعا عن حقوق المهاجرين، من 2005 حتى 2015.
وخلال ولايتيه كرئيس للمفوضية، تمكن أيضًا من إصلاح الهيكلية الداخلية للمؤسسة، فحسن كفاءتها من خلال السماح بنشر مزيد من العناصر في المناطق الساخنة.
وقال الرئيس البرتغالي مارسيلو ريبيلو دو سوزا: «لقد تم اختيار أفضل شخص لشغل هذا المنصب، هذا جيد جدا بالنسبة إلى الأمم المتحدة، وجيد جدا للبرتغال»، معتبرا أن غوتيريس رجل «استثنائي».
وقد تنافس عشرة مرشحين على خلافة الكوري الجنوبي بان كي مون الذي شغل منصب الأمين العام على مدى ولايتين من خمس سنوات.
وبعد موافقة مجلس الأمن، يتم إرسال اسم المرشح المختار إلى الجمعية العامة لتأييد هذا الخيار، على أن يتولى الأمين العام الجديد منصبه في 1 يناير.
وفي حال انتخابه، سيخالف غوتيريس توقعات المراقبين الذين كانوا يترقبون قبل أشهر تعيين أمين عام من أحد بلدان أوروبا الشرقية، وهي المنطقة الوحيدة التي لم تشغل شخصية منها هذا المنصب.
وقد عدلت بلغاريا عن خيار مرشحها في اللحظة الأخيرة، فاختارت كريستالينا جورجيفا، الأسبوع الماضي. لكن اختيار المفوضة الأوروبية للموازنة ونائبة الرئيس السابقة للبنك الدولي، لم يكن مقنعا، وبالتالي لم تحصل على تأييد ثمان من الدول الأعضاء، وبينهم عضوان دائمان. وامتنعت الحكومة البلغارية عن التعليق، وقال وزير الخارجية البلغاري السابق سولومون باسي إن «فشل المرشحَين البلغاريَين هو أكبر فشل للسياسة الخارجية البلغارية» منذ نهاية الشيوعية. وصوتت إحدى الدول الكبرى ضد ترشيح الأرجنتينية سوزانا مالكورا، فيما صوتت دولتان ضد ترشيح كل من البلغارية إيرينا بوكوفا والسلوفاكي ميروسلاف لاجاك.
وصوتت ثلاث دول ضد ترشيح كل من النيوزيلندية هيلين كلارك والصربي فوك يريميتش والمقدوني سرجان كريم والمولدافية ناتاليا غيرمان. وقد ووجه ترشيح السلوفيني دانيلو تورك بمعارضة أربع دول. وهذه المرة الأولى التي يتم فيها اختيار أمين عام للأمم المتحدة من خلال آلية شفافة إلى هذا الحد.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.