أرسطو.. الفيلسوف الذي أبدع في صياغة الإشكاليات العلمية

محاولة الخروج من قبضته كلفت البشرية عشرين قرنًا

أرسطو.. الفيلسوف الذي أبدع في صياغة الإشكاليات العلمية
TT

أرسطو.. الفيلسوف الذي أبدع في صياغة الإشكاليات العلمية

أرسطو.. الفيلسوف الذي أبدع في صياغة الإشكاليات العلمية

قد يتساءل المرء: لماذا العودة إلى أرسطو وهو فيلسوف القرن الرابع قبل الميلاد؟ الجواب بسيط. فالرجل وضع إشكالات شغلت بال المفكرين طوال القرون الوسطى، ووضع للعلماء تفسيرات للظواهر، كان بها عيوب ونواقص حركتهم، وجعلتهم يبذلون الجهد قصد حلها. ولنتذكر أنه في الزمن الحديث، خصوصًا في القرن السابع عشر، جرت مهاجمة أرسطو والعمل على هدم نسقه بالحجة والدليل، إلى درجة هزيمته، ليحل محله النسق العلمي الذي لا نزال نعيش على صداه حتى الآن. ولكي نفهم الأمر جيدًا، فسنعمل على إعطاء نموذج من الإشكالات العلمية التي طرحها أرسطو على العقول، والتي كلفت عشرين قرنًا من الجهد لأجل تجاوزها، وأقصد مشكلة الحركة في المكان وهي مشكلة فيزيائية بالأساس. فلنوضح ذلك.
** الحركة المكانية عند أرسطو
يقسم أرسطو الحركة المكانية إلى قسمين: حركة طبيعية وحركة قسرية:
* الحركة الطبيعية: حركة الميل الطبيعي.
يتصور أرسطو العالم بأنه كرة محدودة. فالكون كروي لأن الكرة هي أكمل الأشياء، ومحدود لأن له مركز هو الأرض. كما أنه يجعل من القمر فاصلا لهذا الكون إلى مرتبتين: سفلية حيث التغير والفناء، وعلوية حيث الكمال والثبات، أو بعبارة أخرى، فالعالم معه مكون من قسمين: عالم ما تحت القمر وعالم ما فوق القمر: أي عالمنا وعالم النجوم والكواكب.
الأول أرضي يتركب من عناصر أربعة مختلفة متراتبة وحركاتها مستقيمة (أسفل - أعلى)، بحسب الثقل والخفة، وتسمى الأسطقسات (التراب، الماء، الهواء، النار)، وهي الأساس الذي تتولد منه باقي الأشياء. إنه عالم التغير والتوالد والتحلل. باختصار، هو عالم الكون والفساد.
أما الثاني، فسماوي، ويتكون من مادة الأثير، أو العنصر الخامس، التي ما هي بالثقيلة ولا بالخفيفة، ولها حركة دائرية أزلية. إنه عالم غير قابل للتوالد أو الهدم، فلا مجال فيه إلا للكمال والثبات.
إذن الحركة الطبيعية الرائجة في هذا الكون، إما أن تكون كاملة بسيطة وخالدة، وهي الحركة الدائرية السائدة في عالم ما فوق القمر، أو تكون حركة مستقيمة من أعلى إلى أسفل، أو من أسفل إلى أعلى بحسب ناموس الخفة والثقل، في عالم ما تحت القمر.
وإذا ما ركزنا على العالم السفلي، عالم ما تحت فلك القمر، أي عالمنا الأرضي، سنجد أن كل جسم هو، حسب أرسطو، ذو ميل طبيعي للعودة إلى أصله، وذلك بحسب غلبة أي عنصر عليه. فالعناصر الأربعة (النار، الهواء، الماء، التراب)، توجد بنسب متفاوتة في الأجسام. فالجسم الذي يهيمن عليه التراب مثلا، سيصل طبيعيا إلى الأسفل. أما الجسم الغالب على تركيبه الماء، سوف يغطي بشكل طبيعي الأجسام الغنية بالتراب. وكذلك بالنسبة للأجسام التي تهيمن على تركيبها النار، ستبحث عن ارتفاعات أعلى. بينما تحتل الأشياء التي يغلب عليها الهواء، مكانا تحت النار. إذن عندما يسقط الحجر، فهو يسقط بشكل مستقيم وعمودي نحو الأرض، لأن الغالب في الحجر هو التراب، والتراب يشتاق إلى أصله، كما يشتاق المهاجر إلى وطنه. سنقول في هذه الحالة إن الحجر له ميول طبيعية نحو السقوط وليس الصعود.
* الحركة القسرية
إنها الحركة الاضطرارية أو الحركة المفروضة. إنها حركة اصطناعية تفرضها قوة تتحرك ضد الطبيعة، بفعل العنف والقسر، كأن يتحرك التراب إلى أعلى مثلا. فالأصل في الجسم السكون في عالمه الطبيعي، ما لم يباغته محرك ينقله عن أصله. فقذف حجر حسب أرسطو، يشكل لنا حركة اصطناعية، فيها لَيّ وتحويل وعنف تجاه الطبيعة. والأمر نفسه يقال عن سهم منطلق. فهو لا يتجه نحو الأرض مباشرة وبشكل عمودي. وهذا هو ما ينبغي أن يكون. بل هو يتحرك، بداية، في مسار أفقي، ثم بعد ذلك وبشكل تدريجي، ينحدر ليعود إلى الأرض. بعبارة أخرى، فالسهم لا يسقط مباشرة إلى الأسفل عندما ينطلق من حبل القوس، فهو يدفع إلى الحركة عنوة، ويجبر على الطيران في اتجاه مختلف عن حركته الطبيعية، أي السقوط المستقيم. سنقول حسب أرسطو، إن السهم يخضع لفرض وقسر من طرف محرك يضطره إلى سلوك حركة لا تعبر عن ميوله الطبيعية. إنها حركة محرفة، وهي التي ستأخذ حيزا كبيرا من النقاش، إلى حدود القرن السابع عشر، لأنها تتضمن مفارقة سنعمل على شرحها الآن.
* مشكلة الحركة القسرية عند أرسطو
ينطلق أرسطو من مبدأ هو أن «المحرك يكون مع المتحرك». ورد ذلك عنده، في الفصل الثاني من المقال السابع من مؤلفه، «السماع الطبيعي». يؤكد أرسطو انطلاقا من هذا المبدأ، أن المحرك يجب أن يكون متصلا وملتقيا مع ما يحركه مباشرة دونما توسط. بعبارة أخرى عندما تتم الحركة كيفما كانت، لا بد من حضور المحرك والمتحرك جنبا إلى جنب، إذ ليس بينهما فراغ أو توسط أو تأثير عن بعد. فهما متصلان ومترابطان، وبقاء هذا الاتصال شرط عند أرسطو لاستمرار الحركة، إلى درجة أن توقف المتحرك رهين بتوقف المحرك. هذا المبدأ الفيزيقي في الفلسفة الأرسطية (ضرورة اتصال المحرك بالمتحرك)، سيخلق استفزازا ومتاعب نظرية، تبدو واضحة في أحد أنواع الحركات، وهي الحركة القسرية، أي حركة القذيفة أو حركة النقلة في المكان. فالمشاهدة العينية تحكم بأن المقذوف يواصل حركته، وهو منفصل تماما عن القاذف المحرك. فالحجر حينما يلقى به لا يكف عن الحركة بمجرد مفارقته ليد القاذف. هذا الأمر يعد محرجا جدا، ما دام أرسطو يضع كمبدأ عام للحركة: أن الاتصال واجب بين المحرك والمتحرك. فكيف الخروج من هذا المأزق؟ وكيف سيتمكن أرسطو من سد الثغرة وضمان الأمان النظري لمبدئه؟
لكي يرأب أرسطو هذا الصدع المنافي لمبدأ اتصال المحرك بالمتحرك، لجأ إلى نظرية تسمى بنظرية الوسط. ومضمون هذه النظرية، هو أن القاذف حين يقذف الشيء، فإنه يعير الوسط الذي يحيط بالشيء المقذوف قوة دفع تحمل هذا المقذوف على مواصلة حركته. وهذا الوسط هو الهواء. بعبارة أوضح، يكون التماس والاتصال مضمونا بين المحرك والمتحرك بواسطة الهواء، فهو الرابط الذي يقوم مقام القاذف. كما حاول أرسطو حل المفارقة، باقتراح نظرية أخرى تسمى نظرية التعاقب، ومضمونها هو أن الجسم المقذوف (سهم أو حجر)، يحدث وهو يتحرك فراغا في الهواء. وما دامت الطبيعة تخشى الفراغ عند أرسطو، فالهواء يسارع لملء المكان الفارغ، وهو ما يترتب عليه دفع المقذوف نحو الأمام، إلى حين عودته إلى أصله.
باختصار نقول إن أرسطو، ولكي يخرج من مأزقه النظري عول على الهواء، باعتباره ضمانة للاتصال بين المحرك والمتحرك من جهة، ومن جهة أخرى أعطى للهواء قوة دفع للجسم.
إن الاقتراح الذي قدمه أرسطو (نظرية الوسط والتعاقب) لتقويم الاعوجاج البادي في فلسفته الطبيعية (الفيزياء)، فيما يتعلق بنوع من الحركة هي حركة القذيفة، ليبدو غريبًا، وبه تعسف في التفسير. بل يبدو أنه حتى أرسطو غير مقتنع به، لأن الحس السليم يقول إن الهواء لا يدفع الجسم بل يقاومه. ولا شك أن أرسطو على وعي بهذه المقاومة، ولكنه لم يقر بها وفضل التضحية بها في سبيل نسقه النظري.
إن مسألة عدم الإقرار بمقاومة الهواء ستغلق نسق أرسطو، وستمنع من فتحه، وستشل إمكانيات الاجتهاد عند البعض. فمثلا، نجد أن تنزيه ابن رشد لأرسطو وثقته المفرطة فيه، كانا بمثابة العائق والكابح لفاعلية العقل وديناميته. فهو أيده في اقتراحه على الرغم مما فيه من إحراج. إن رفض مقاومة الهواء لن يسمح بتصور عدم وجودها، مما سيعوق ظهور «مبدأ القصور الذاتي» حتى حدود القرن السابع عشر مع غاليليو، الذي انبنت عليه الفيزياء الحديثة. لكن لا يجب أن ننكر أنه ظهر عبر التاريخ، في الآن نفسه، من حاول فتح النسق الفيزيائي الأرسطي وتجاوز هفوته، أمثال الفيلسوف السكندري يوحنا النحوي، الذي عاش في القرن السادس الميلادي، وابن سينا، وأبو بكر البغدادي، وابن باجة، ومدرسة باريس التي نشطت خلال القرن الرابع عشر، وطورت نظرية الاندفاع التي مهدت لكل الفيزياء الحديثة. وهذا موضوع آخر يحتاج إلى مقال خاص.



التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.