«حان الوقت لوضع حد لمطاردة الساحرات» التي يقع ضحيتها الجنود البريطانيون الذين أدوا مهامهم في الخارج، هكذا برّر مايكل فالون، وزير العدل البريطاني، توجّه حكومته لإعفاء العسكريين من قوانين المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وأعلنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أمس، إلى جانب وزير العدل خلال مؤتمر المحافظين في برمنغهام، أن بريطانيا ستتخذ إجراءات لإعفاء عسكرييها من القانون الإنساني الأوروبي لتفادي تعرضهم لملاحقات وصفتها بـ«التعسفية» تتعلق بعملياتهم الخارجية.
وسيسمح مشروع القانون للعسكريين البريطانيين بعدم الخضوع للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حين يشاركون في عمليات عسكرية في الخارج، بناء على تقييم الظروف في كل من الحالات. وقالت ماي في بيان: «ستعمل حكومتي من أجل أن يتم الإقرار لقواتنا بالعمل الممتاز الذي تقوم به. والذين يخدمون في الخطوط الأمامية سيحظون بدعمنا حين يعودون إلى البلاد». وتابعت: «سنبادلهم بعرفان جميلنا، وسنضع حدا لنظام الشكاوى الكيدية التي لاحقت الذين خدموا في نزاعات سابقة».
ويهدف المشروع الذي أعلن عنه خلال مؤتمر الحزب المحافظ المنعقد في برمنغهام بوسط إنجلترا، إلى منع رفع شكاوى ضد القوات المسلحة البريطانية بناء على «اتهامات زائفة»، بحسب وزير الدفاع مايكل فالون. وقال فالون إنه «تم استغلال نظامنا القضائي لتوجيه اتهامات زائفة إلى جنودنا بصورة معممة».
وتابع: «هذا تسبب بمعاناة كبرى لأشخاص جازفوا بحياتهم لحمايتنا، وكلف دافعي الضرائب الملايين، وهناك خطر جدي بأن يمنع ذلك قواتنا المسلحة من إنجاز عملها».
وأوضحت الحكومة، في بيانها، أن العسكريين البريطانيين سيواصلون الالتزام بأحكام اتفاقيات «جنيف» رغم إعفائهم من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
من جهتها، نشرت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية التي أطلقت حملة لحماية الجنود الذين شاركوا في عمليات عسكرية بالعراق وأفغانستان لسنوات، افتتاحية أمس، رحبت بتوجه الحكومة إلى الانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. واعتبرت الصحيفة أن أهالي «ضحايا» عراقيين وأفغان تقدموا بمئات الدعاوى التي لم تنجح في تجاوز أبسط مراحل التدقيق، إلا أنها تسببت في قلق العسكريين البريطانيين وأهاليهم لسنوات أحيانا من نتائج التحقيق، وكلفت نحو مائة مليون جنيه إسترليني من أموال دافعي الضرائب منذ عام 2004.
وأضافت هيئة تحرير الصحيفة، في افتتاحيتها، أن أكبر المستفيدين من هذه الدعاوى التعسفية هي شركات المحاماة التي تتقاضى مبالغ كبيرة.
وقد سعى رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد كاميرون، لوقف عدد من التحقيقات القضائية المتعلقة بعدد من الجنود البريطانيين السابقين، إلا أنه لم يوفق في ذلك لأسباب قانونية.
وأنشأت لندن هيئة أطلقت عليها اسم «فريق الادعاءات التاريخية في العراق»، مكلفة بالتحقيق في الاتهامات التي يوجهها مدنيون عراقيون إلى جنود بريطانيين بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان خلال الفترة ما بين اجتياح العراق عام 2003 ورحيل القوات القتالية من هذا البلد عام 2009. وفي 31 مارس (آذار) 2016، كانت الهيئة تجري تحقيقات في 1374 حالة سوء معاملة واختفاء وقتل. وتمت حتى الآن تسوية 326 حالة، وتقديم تعويضات بقيمة إجمالية قدرها 20 مليون جنيه إسترليني تقريبا (23 مليون يورو).
من جهتها، نقلت صحيفة «ذي تايمز» مخاوف خبراء في القانون العسكري بأن تفتح هذه «الحصانة» المجال أمام ارتكاب الجنود البريطانيين تجاوزات حقيقية عند مشاركتهم في أعمال عسكرية في الخارج، قد تصل حسب وصف الصحيفة إلى بناء سجون شبيهة بغوانتانامو. إلى ذلك، انتقد المراقبون الخطوة باعتبار أنها لا تحمي الجنود البريطانيين الذين شاركوا في حربي العراق من أفغانستان من المتابعة القضائية، وتكتفي بـ«تحصين» العسكريين قبل مشاركتهم في نزاعات أخرى مستقبلا.
وإذا أقرّت الحكومة البريطانية الانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بعمليات جنودها في الخارج، ستكون أول مرة تنسحب فيها دولة لأسباب تتعلق بعملها العسكري في الخارج. وقد سبق لبريطانيا أن انسحبت مؤقتا من الاتفاقية لأسباب تعلقت بأمنها الوطني وحماية مواطنيها من تهديد الإرهاب.
بدورها، رفضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التعليق على تصريحات ماي، إلا أن متحدثة باسمها أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن قوانين المحكمة تسمح للدول الأعضاء بإعفاء مواطنيها من بعض البنود في «حالات طارئة» وفقا للمادة 15 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وتشترط المادة 15 على الدولة المعفاة مؤقتا البقاء تحت مراقبة وإشراف المحكمة. ومن أبرز الدول الأوروبية التي تقدمت بطلب إعفاء مؤقت من الاتفاقية أخيرا، أوكرانيا بتاريخ 5 يونيو (حزيران) 2015، بسبب حالة طارئة ارتبطت بالأزمة المسلحة بين موالي حكومتها والموالين للحكومة الروسية. كما تقدّمت فرنسا بالطلب نفسه عقب الهجمات الإرهابية التي استهدفت عاصمتها باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، بالإضافة إلى تركيا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو (تموز).
يذكر أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ومقرها في ستراسبورغ بفرنسا، بدأت عملها عام 1959. وقد أنشأت المحكمة بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (الاتفاقية الأوروبية) لعام 1950 الموقعة من جانب الدول الأعضاء في مجلس أوروبا، كوسيلة لفرض احترام الدول لحقوق الإنسان.
وتحث المحكمة جميع الدول الأعضاء في مجلس أوروبا أن تكون طرفا في الاتفاقية الأوروبية، وهي بالتالي تخضع لاختصاص المحكمة. وعلى كل دولة عضو واجب ضمان حصول جميع من هم ضمن ولايتها القضائية بالحقوق التي تكفلها الاتفاقية الأوروبية.
ومنذ عام 1998، أصبح بإمكان أي فرد أو مجموعة من الأفراد أو منظمة غير حكومية، كان ضحية لانتهاك حقوقه بموجب الاتفاقية الأوروبية من جانب دولة طرف فيها، واستنفد سبل المقاضاة المتاحة في تلك الدولة، مع مراعاة شروط معينة، التوجه مباشرة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وأصدرت المحكمة أكثر من 12 ألف حكم على مدى نصف القرن الماضي، وفي أكثر من 80 في المائة من أحكامها، قضت المحكمة بأن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان قد انتهكت، وجاء أكثر من نصف هذه الأحكام بحق 4 دول هي: إيطاليا وتركيا وفرنسا وروسيا.
بريطانيا تتحرك لـ «تحصين» جنودها ضد دعاوى قضائية أجنبية
تعتزم الانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تحسبا للتحقيقات «التعسفية»
رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تحضر لخطابها امس في مؤتمر المحافظين السنوي الذي عقد في بيرمنغهام (إ ف ب) - وثيقة من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان خاصة بالمملكة المتحدة («الشرق الأوسط»)
بريطانيا تتحرك لـ «تحصين» جنودها ضد دعاوى قضائية أجنبية
رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تحضر لخطابها امس في مؤتمر المحافظين السنوي الذي عقد في بيرمنغهام (إ ف ب) - وثيقة من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان خاصة بالمملكة المتحدة («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
