الانتخابات التشريعية في المغرب.. أي حضور للشأن الثقافي في برامج الأحزاب؟

دعوات إلى الاهتمام بالثقافة في برامج الأحزاب السياسية

من الحملات الانتخابية في المغرب ({الشرق الأوسط})
من الحملات الانتخابية في المغرب ({الشرق الأوسط})
TT

الانتخابات التشريعية في المغرب.. أي حضور للشأن الثقافي في برامج الأحزاب؟

من الحملات الانتخابية في المغرب ({الشرق الأوسط})
من الحملات الانتخابية في المغرب ({الشرق الأوسط})

استبق اتحاد كتاب المغرب الانتخابات النيابية المزمع تنظيمها يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل بتوجيه نداء إلى الأحزاب السياسية الوطنية، يحثها فيه على الاهتمام بالبعد الثقافي في برامجها السياسية.
وانطلق اتحاد كتاب المغرب، في تبرير ندائه، من «الأدوار الطلائعية التي تلعبها الثقافة، على المستوى التأطيري والتعبوي والتنويري للمجتمع، موازاة مع ما يطالها من تهميش وقلة الاهتمام بها، من لدن الهيئات السياسية الوطنية».
وذكر النداء بالدور الكبير والمؤثر الذي اضطلع به الفعل الثقافي في «إسناد المشهد السياسي المغربي وتقويته، خلال حقب تاريخية ونضالية سابقة، كما أسهم في ترسيخ قيم وتقاليد ثقافية، سياسية ومدنية، كانت سببا مباشرا في مواجهة الاستعمار ونشدان الاستقلال، وفي الارتقاء بالمجتمع المغربي، ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، حيث كانت الثقافة بمكوناتها المختلفة تتصل بالمناخ السياسي الوطني، وكان الصوت السياسي يتجاوب كليًا مع الصوت الثقافي، ويشاركه أسئلته وآفاقه، واقعًا وحلمًا، الأمر الذي جعل التكامل بين القطبين السياسي والثقافي يثبت فاعليته في بناء المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي بعد الاستقلال، وبالصورة التي تحقق للعمل الثقافي استقلاله وخصوصيته، وتجعل الاشتغال به يتحقق وفق الأسئلة الخاصة بالمجال الثقافي المنشود، رغم تراكم مجموعة من المثبطات والإكراهات التي ظلت تقف عائقًا في وجه هذا الارتباط منذ ردح من الزمن».
وشدد النداء على أن اتحاد كتاب المغرب يستشرف «نهوض شأن ثقافي متميز، وتنمية مجتمع مغربي مواطن، يستوعب المتغيرات والمستجدات الوطنية والقطرية والعالمية، ويمتلك الأدوات الكافية على صعيد الوعي أو الممارسة للتفكير والتواصل، تؤهله للتعبير عن الطاقات الإبداعية والمبتكرة للمواطن المغربي تعبيرًا لائقًا، ينسجم مع آفاق البناء والتأهيل»، كما ذكر النداء بالتطور الدستوري الجديد، الذي عرفه المغرب، وهو «الحدث السياسي المهم الذي تمكن من تجاوز بعض الفراغات الحقوقية والقانونية والمدنية والثقافية، والتي كان المواطن المغربي يتطلع إلى ملئها، فكان هذا الدستور بمثابة إعلان جديد عن قيام مجتمع مؤسساتي مدني، يعتني بالأولويات التي تساهم في تأصيل هويتنا المغربية، والتي لا يمكن تحقيقها إلا بالانفتاح على البعد الثقافي والاهتمام به، مع حث المؤسسات السياسية الوطنية على تبني كل بنود الدستور المرتبطة بهذه الأولويات وتنزيلها وتفعيلها».
ورأى النداء أن «الظروف الحالية الصعبة التي تمر بها بلادنا، تتطلب إيلاء الثقافة الأولوية المتوخاة، ومطالبة الأحزاب السياسية الوطنية بتعميق اهتمامها بالمسألة الثقافية في برامجها السياسية المستقبلية، تماشيا مع ما تشهده بلادنا من تحول وتطور في المجال الثقافي، في مكوناته وتراكمه وأسمائه وتعبيراته ولغاته المتنوعة». وتأسيسا على ذلك، دعا الاتحاد جميع الأحزاب السياسية الوطنية إلى «جعل الثقافة ضمن أولوياتها، وعدم وضعها في سلم متدن من انشغالاتها وبرامجها»، على اعتبار أن «الورش الثقافي يشكل المدخل الرئيس لأي نقاش سياسي راق، مبتعد عن الظرفية والمنفعية، وعن الصراعات الحزبية والشخصية الضيقة، وعن التهافت على برامج انتخابية لا تستدرك أخطاء النسيان لما هو أعمق وأهم، من قبيل البعد الثقافي». كما طالب الاتحاد المؤسسات السياسية الوطنية المعنية، بـ«ضرورة إقرار تمثيلية حقيقية للمثقفين وللكتاب المغاربة في البرلمان، بغرفتيه، أسوة بنظرائهم، ممن حظوا بحق هذه التمثيلية، لما يمثله ذلك من حضور للصوت الثقافي في البرلمان، على مستوى ترسيخ القيم الثقافية والجمالية، والدفاع عن الحق في الثقافة والمعرفة والفن، عبر المساهمة في النقاش التشريعي ذي الصلة، والدفاع عن الشأن الثقافي والنهوض به ببلادنا، بدل تركه من دون تمثيلية وبلا صوت وبلا ميزانية في المستوى، تسند مشاريعه وبرامجه».
وقال عبد الرحيم العلام، رئيس اتحاد كتاب المغرب، لـ«الشرق الأوسط»، متحدثا عن هذا النداء: «ما دامت حاجة السياسي إلى المثقف اليوم، تبدو حاجة مؤكدة، وما دام عصرنا اليوم هو عصر المعرفة والثقافة بامتياز، فإن بلادنا ليست بمنأى عن هذه التحولات المتسارعة، علمًا بأن الظروف الحالية التي يمر بها العالم ككل، أصبحت تتطلب من الجميع إيلاء صوت الثقافة المكانة اللائقة به. من هنا، يشكل المؤشر الثقافي، في هذا المنحى، حجر الزاوية، فبلا تصور للثقافة، لا يمكن لأي تخطيط، سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو مستقبلي، أن يجد الطريق إلى الإنجاز، ما يجعل الثقافة ضرورية للعمل الحزبي، حتى لا يتحول إلى عمل غوغائي، فهي تعلم الانتقاد والتمييز، وتساعد على تغليب المصلحة العامة».
ورأى العلام أن دعوة اتحاد كتاب المغرب الأحزاب السياسية الوطنية، وغيرها من المؤسسات المعنية، إلى تعميق اهتمامها بالمسألة الثقافية في برامجها السياسية، وجعل الثقافة ضمن أولوياتها، وعدم وضعها في سلم متدن من انشغالاتها وبرامجها، قد «جاءت شعورًا منا بأن أحزابنا الوطنية تدرك هذه التحولات وعليها أن تسايرها، من منطلق أن الورش الثقافي، اليوم، يشكل المدخل الرئيس لأي نقاش سياسي راق، مبتعد عن الظرفية والمنفعية، وعن الصراعات الحزبية والشخصية الضيقة، ومتى تم تغييب الثقافة، فذلك معناه أن ثمة خللا في الحياة السياسية العامة نفسها، فكل من السياسة والثقافة يكمل أحدهما الآخر». واعتبارًا لذلك كله، وغيره، يضيف العلام: «بادرنا في اتحاد كتاب المغرب، إلى إطلاق هذه الدعوة، من منطلق ما نستشعره، أمس واليوم، من تغييب ملحوظ للثقافة في البرامج السياسية للأحزاب وللحكومات المتعاقبة على حد سواء، وحتى إن ظهرت الإشارة إلى الثقافة، هنا أو هناك، فتأتي في مرتبة متدنية، وفي آخر البرنامج، وكأنها القفلة المناسبة لحسن التخلص، وأيضا من منطلق الأدوار التي ما فتئ اتحادنا يضطلع بها، على مستوى التنبيه والنقد وتحصين الثقافة من أي تدجين أو ابتذال، فالمثقفون، في نهاية الأمر، هم الضمائر الحية واليقظة للمجتمع وللأحزاب».
وتزامن إطلاق نداء اتحاد كتاب المغرب مع ختام العمل الحكومي، للفترة ما بين 2012 و2016. ومن خلاله تعميم وزارة الثقافة لحصيلة ولايتها، وهو التعميم الذي شكل فرصة لـ«تقديم الحساب» حول عمل السلطات العمومية في المجال الثقافي، مع استعراض ما تم تحقيقه من إنجازات، وتسليط الضوء على اختيارات القطاع، فيما يتعلق بالسياسة الثقافية، وكذا الإكراهات التي تواجهها وآفاق تجاوزها.
وإلى المنجزات الحكومية، التي ركزت على المقاربة التي شكلت جوهر المخطط القطاعي الذي تم إعداده بشكل تشاركي، والذي استند حول خمسة مرتكزات، شملت «نهج سياسة القرب في المجال الثقافي»؛ و«وضع نموذج جديد لدعم الإبداع الفني»؛ و«تأهيل وتثمين التراث الثقافي»؛ و«تنشيط الدبلوماسية الثقافية»؛ و«تحسين الحكامة والتدبير»، فقد شدد تقرير الحصيلة على أن «الجهود المتواصلة، منذ استقلال المغرب، على أهميتها، ظلت غير كافية لمواكبة التطورات التي عرفها المغرب، حيث واجهت السياسات العمومية في المجال الثقافي ضعفًا وإكراهات كثيرة حالت دون تحقيق التطلعات والانتظارات، وأبرزها، أولاً، تقادم المقاربة في تدبير القطاع الثقافي، بشكل ظلت معه السياسة المتبعة في تدبير القطاع الثقافي حبيسة مقاربة تعتمد على نمط الرعاية المقترن بهزالة الاعتمادات، وتفتقر لسياسة مهيكلة للصناعات الثقافية والإبداعية؛ وثانيًا، ضعف الميزانية، التي ظلت دون الحد الأدنى الذي يضمن تنفيذًا مرضيًا لأهداف السياسة الثقافية، وبعيدة عن مرمى 1 في المائة الذي تنصح به منظمة اليونيسكو؛ بحيث ظلت النسبة التي تحتلها ميزانية وزارة الثقافة ضمن ميزانية الدولة تراوح مكانها في 0.2 في المائة، الشيء الذي يدلل على التفاوت الكبير بين الإمكانات المرصودة والحاجات المعبر عنها؛ وثالثا «نقص في المؤسسات الثقافية القائمة، إلى جانب توزيعها غير المتكافئ بين مختلف مناطق المملكة وداخل المنطقة الواحدة، مقارنة مع التطور المتصاعد للساكنة»؛ ورابعا «خصاص الموارد البشرية»؛ وخامسا: «ضعف التنسيق بين المتدخلين في القطاع الثقافي»، من جهة أنه «رغم تعدد المتدخلين في الشأن الثقافي يلاحظ غياب رؤية منسجمة للتنسيق بين تدخلات هذه القطاعات في إطار سياسة التقائية منشودة». لذلك، خلص تقرير حصيلة وزارة الثقافة إلى أن النهوض بالحقل الثقافي لا يمكن أن يقوم إلا بـ«تجاوز المقاربة القطاعية للثقافة المعمول بها، نحو مقاربة أفقية تجعل الثقافة همًا مشتركًا للجميع»، وذلك ضمن «سياسة وطنية للثقافة»، تشارك فيها كل الفعاليات المعنية من قطاعات عمومية وخصوصية وجامعات محلية ومجتمع مدني ومثقفين وفنانين، تأخذ شكل «برنامج المغرب الثقافي»، على غرار كل البرامج الاستراتيجية الكبرى التي مكنت المغرب، في قطاعات مختلفة، من تحقيق تقدم كبير.
وما بين نداء اتحاد كتاب المغرب للأحزاب السياسية الوطنية، وغيرها من المؤسسات المعنية، وتقرير الحصيلة الذي قدمته وزارة الثقافة للفترة ما بين 2012 و2016، واستحضارًا لبرامج الأحزاب المتنافسة في سباق الاستحقاقات التشريعية، ليوم 7 أكتوبر المقبل، سجل الباحث عبد الصمد الكباص، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأحزاب السياسية المغربية تعود، في كل مناسبة انتخابية، إلى وعودها الفضفاضة التي تسميها برامج، والتي تتعهد فيها بأن تصلح كل شيء من الاقتصاد إلى الصحة والقضاء على البطالة وتحسين النمو والبيئة»، حيث «تظهر الثقافة جزءا من هذا الوعد العام الذي سرعان ما تنساه بمجرد أن تنخرط في تجربة تسيير الشأن العام. بل إن من يدافع عن الثقافة يُنظر إليه على أنه فاقد للحس الواقعي الذي يقوم على ملكة التمييز بين الأولويات التي يتصدرها دائما سؤال المال والاقتصاد، لتتوارى عمليًا الثقافة في هامش تفرضه النسبة المخصصة لها من الميزانية العمومية».
وعدد الكباص ثلاثة رهانات أساسية ينبغي للأحزاب، التي تؤمن حقيقة بأن المجتمع في حاجة إلى مجالات الاستنهاض التي تفعل طاقاته وتدمجه في أفق قيمي قوامه الحرية والكرامة والعدالة والمساواة، أن تعمل عليها، يتمثل أولها في «اعتبار الثقافة المجال الحيوي الضامن لأسس التنمية المتكاملة، والموفر للموارد اللازمة للمشروع الحداثي»، فيما يتلخص الثاني في كون «هذه الحيوية المراهن عليها ينبغي أن تترجم في رقم واضح يحدد نسبة القطاع من الميزانية العمومية. إذ إن التغني بسياسة ثقافية من دون رفع الميزانية المخصصة لها، يجعل كل وعد مجرد دغدغة للعواطف»، فيما يتمثل الرهان الثالث في «صياغة سياسة استراتيجية ثقافية متوسطة المدى واضحة الأهداف ومحددة الوسائل»، وبخاصة أن «التدبير الثقافي العمومي في التجارب الحكومية المتعاقبة ظل مجرد إجراءات متفرقة لا تترابط في نسق متكامل يسمح بأن نصفه بأنه سياسة ثقافية».
ورأى الكباص أن «العمل الحقيقي المطلوب من الأحزاب السياسية أن تقوم به، انطلاقًا من الرهانات الثلاثة السابقة، هو إدماج الثقافة في الآلية العامة المحركة للانتقال الذي يسعى إليه المغرب من التقليد إلى التحديث، من الاستبداد إلى الديمقراطية، من هيمنة الجماعة إلى الفرد، من قيم الانغلاق إلى قيم الانفتاح والحرية والمساواة».



الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي


براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.