ألمانيا تعاني آثارًا عكسية من العقوبات على روسيا

صناعة السلاح والقطاعات المصرفية الأكثر تضررًا.. والبعض تجاوزها منفردًا

جندي ألماني من الكتيبة 750 يطهر عربة عسكرية ملوثة في تمرين عسكري للقوات الألمانية يرجع إلى بداية أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
جندي ألماني من الكتيبة 750 يطهر عربة عسكرية ملوثة في تمرين عسكري للقوات الألمانية يرجع إلى بداية أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا تعاني آثارًا عكسية من العقوبات على روسيا

جندي ألماني من الكتيبة 750 يطهر عربة عسكرية ملوثة في تمرين عسكري للقوات الألمانية يرجع إلى بداية أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
جندي ألماني من الكتيبة 750 يطهر عربة عسكرية ملوثة في تمرين عسكري للقوات الألمانية يرجع إلى بداية أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

منذ شهر مارس (آذار) عام 2014، والاتحاد الأوروبي يقر العقوبة تلو الأخرى ضد روسيا بسبب ضمها شبه جزيرة القرم ومحاولاتها المتواصلة لزعزعة الاستقرار في أوكرانيا، حسب الاتهامات الغربية. والعقوبات ليست على الصعيد الرسمي فقط، بل تطال أيضا أشخاصا ومنظمات روسية، وآخر قرار للاتحاد الأوروبي بمواصلة تشديد العقوبات كان قبل فترة وجيزة.
ومن أهم بنود «المقاطعة» تقييد التبادل التجاري ووقف استيراد المنتجات الروسية والسلع المنتجة في منطقة القرم وسيفاستوبول. كما يشمل الإجراء عقوبات مالية، أي حظر الحركة المالية بين بعض المصارف الروسية ومصارف لدى بلدان الاتحاد الأوروبي، وفرض قيود على الحركات المالية المباشرة وغير المباشرة. أيضا تشمل تلك الإجراءات حظر الاستثمار في مشاريع البنية التحتية في القرم وفي سيفاستوبول، كما دخل حيز التنفيذ في 12 سبتمبر (أيلول) 2014 تمديد الحظر بشأن الأسهم والسندات من خمسة بنوك الروسية ملكا للدولة، وضد ست شركات روسية في الصناعات الدفاعية والنفطية.
وإضافة إلى حظر تصدير السلع للاستخدام المزدوج والصادرات ذات الصفة العسكرية، فإن العقوبات تمنع تقديم خدمات في مجال الطاقة وتبادل السلع والمعلومات المستخدم في قطاع إنتاج الطاقة. وزادت حدة العقوبات عام 2016 بتمديد حظر دخول شخصيات روسية إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، مع تمديد الحظر التجاري حتى منتصف عام 2017.
وأصبح فرض العقوبات بين الفريقين مثل تبادل الكرة، مرة حظر روسي ومرة حظر أوروبي. فردا على العقوبات الأوروبية ضد بلاده، منع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في شهر أغسطس (آب) عام 2014 استيراد المنتجات الزراعية والغذائية من بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا وأستراليا والنرويج، وتبع ذلك في عام 2015 حظر استيراد مواد غذائية، مثل الحليب والصناعات الزراعية من ألبانيا والجبل الأسود وآيسلندا وإمارة ليختنشتاين.
لكن في شهر مايو (أيار) الماضي، خففت روسيا العقوبات التجارية على مواد غذائية، حيث سمحت باستيراد سلع معينة يمكن تصنيعها مثل أغذية الأطفال، والشرط الأساسي هو التأكيد على الاستفادة الكاملة من البضائع عن طريق وزارة الزراعة، إلا أن هذه الخطوة كانت صغيرة وغير مؤثرة، فالرئيس الروسي مدد العقوبات التجارية بدوره حتى شهر فبراير (شباط) من عام 2017.

تضرر متبادل
هذه الإجراءات ألحقت الضرر الكبير بقطاعات الصناعة والتجارة الخارجية لكلا الطرفين، فروسيا تواجه حاليا مشاكل اقتصادية كبيرة، ما أجبرها على اعتماد تدابير تقييدية ضيقت نطاق وأعمال شركات روسية كثيرة لشراء تقنيات عالية وتمويل الاستثمارات.
والمتضررون الأكثر هم أصحاب شركات صناعة الأسلحة والسلع ذات الاستخدام المزدوج، وبعض مصانع إنتاج النفط والبنوك المملوكة للدولة، فكثير من الشركات الروسية تواجه صعوبات في تمويل الواردات، وبالتالي أصبحت القروض ليست نادرة فقط؛ بل ومكلفة أيضا. وعقوبات الاتحاد الأوروبي أدت إلى انكماش الاقتصاد الروسي عام 2015 ما بين 3.5 إلى 4 في المائة، وزادت الحالة سوءا عام 2016 نتيجة التراجع الحاد لسعر النفط.
وحال الطرف الأوروبي ليست أفضل، وبالتحديد المصانع ورجال الأعمال الألمان في روسيا وحركة التصدير. فروسيا تعتبر سوقا مهمة جدا، سواء إن كان فيما يتعلق بالسلع والمنتجات الألمانية المختلفة، أو الاستثمارات في كثير من المجالات.
ولا يرى خبير الاقتصاد الألماني غونتر رالف كوته أي تحسن للاقتصاد الروسي في المدى القريب ما دام بقي سعر النفط منخفضا والعقوبات الأوروبية سارية المفعول، ما جعل وضع القطاع الصناعي الروسي صعبا جدا. وسوف ينعكس بلا ريب سلبا على الاستثمارات الأجنبية في روسيا، وهذا دليل على مدى تشابك المصالح، فالاستثمارات في معظم الصناعات الأخرى شحيحة باستثناء مصانع الأسلحة.

الميزان التجاري
وإضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمستثمرين الألمان في روسيا، أصاب الضرر أيضا الميزان التجاري بين البلدين، حيث تراجع بشكل ملحوظ، ما دفع بشركات ومصانع كثيرة على عدة أصعدة للمطالبة بتخفيف العقوبات أو رفعها تماما إذا ما أرادت الحكومة الألمانية إنعاش اقتصادها.
فمنذ عام 2015 والتجارة الخارجية الروسية الألمانية في تراجع متواصل؛ إذ إن روسيا اشترت من ألمانيا أقل الآليات، وأحجاما قليلة من المعدات والمنتجات الاستهلاكية، والسبب في ذلك ضعف الاستثمارات والتمويل الذي يعاني منه الاقتصاد الروسي. علاوة على ذلك، فإن الاستهلاك الخاص الذي كان أحد أعمدة النمو الروسي لسنوات طويلة انخفض، والقروض أصبحت نادرة أو باهظة الفوائد؛ على الرغم من أن المصانع والشركات التابعة للدولة ما زالت تتمتع بوضع خاص ومواصلة الحكومة للاستثمارات.

فقدان ثلث الصادرات
وأشارت صحافية «هاندلز بلات» المتخصصة بالشؤون الاقتصادية في تحليل لها إلى أن وضع الاقتصاد الروسي الضعيف أثر على قيمة الروبل، وهذا تفاعل طبيعي نتيجة وضع الاقتصاد الداخلية الروسي ما زاد بشكل كبير من ثمن السلع المستوردة. وبالنتيجة، سبب ذلك تراجعا حادا لحجم الصادرات الألمانية إلى روسيا عام 2015 بنسبة 20 في المائة، أي نحو ثلث حجم ما تبيعه ألمانيا إلى روسيا، ويتوقع ارتفاع النسبة حتى نهاية عام 2016 بسبب تزايد العقوبات، وهذا بحد ذاته صعّب من وضع القطاع الصناعي والتجاري الألماني.
وذكرت الصحيفة أن قطاع الصادرات الألماني لم يعد يخفي حقيقة ما أصابه من صعوبات نتيجة هذه الأزمة، لتضاف إليها صعوبات في تراجع التصدير إلى أسواق مهمة مثل الصين والهند والشرق الأوسط.
بينما لم تكن غرفة التجارة والصناعة الألمانية أكثر تفاؤلا، فمع أن رئيسها إريك شفايتسر أظهر تفهما لفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات تجارية على روسيا بسبب حرب القرم، لكن برأيه أنه من الضروري الإبقاء على الحوار السياسي مع روسيا.. وفي الوقت نفسه ذكّر بقلق المصدرين، فحجم الصادرات الألمانية إلى روسيا التي تعتبر من أهم الشركاء بعد الولايات المتحدة وبعض بلدان الاتحاد الأوروبي أصابته انتكاسة، حيث تراجع ما بين عام 2013 و2015 قرابة 40 في المائة، ويعود السبب في ذلك إلى تأرجح سعر صرف النقد الروسي الذي يعتبر اليوم واحدا من العملات الأكثر تقلبا في العالم.
ففي عام 2014 كان اليورو يساوي 45.20 روبل، وبعد سنة واحدة أصبح يصرف بأكثر من 72 روبلا، أي بخسارة تتجاور 70 في المائة، وعندما رفع المصرف المركزي الروسي سعر الفائدة 17 في المائة أصبح سعر اليورو 91.5 روبل. ويعد هذا الترنح خانقا للاقتصاد، حيث إن أغلب المستثمرين يحجمون عن الدخول في مغامرات في بلد عملته متأرجحة بهذا الشكل، لذا لا يخاطر رجل أعمال روسي بالشراء خوفا من الخسائر الفادحة فينعكس ذلك سلبا على حجم المبيعات الألمانية.
إلا أن مشكلة ألمانيا ليست فقط بتأرجح سعر الروبل، بل أيضا بتراجع حجم صادراتها إلى روسيا وتقلص تبادل الخدمات والحركة المصرفية وغير ذلك، إذ تظهر الإحصاءات تطور الصادرات والواردات الألمانية مقارنة مع الشهر نفسه في الفترة من يوليو (تموز) 2015 حتى يوليو 2016. ففي يوليو 2016 انخفضت قيمة الصادرات إلى روسيا مقارنة بالشهر الذي سبقه بنسبة عشرة في المائة والواردات بنسبة 6.5 في المائة.

تجاوز العقوبات
وحيال هذا الوضع الذي سببته العقوبات الاقتصادية على روسيا، بدأت بعض الشركات تتخذ إجراءات بعيدة عن سلطة بلادها بإبرام صفقات مع روسيا. منها مصانع السيارات الفخمة مثل بورش الألمانية التي زاد عدد السيارات التي صدرتها إلى موسكو عام 2015 نحو 12 في المائة أكثر من عام 2014، وأكد توماس شتراتسيل الرئيس التنفيذي لشركة بورش على أن 60 في المائة من السيارات المصدرة إلى روسيا بيعت في موسكو العاصمة، فلدى بورش اليوم عملاء روس لم يكونوا سابقا من العملاء القادرين على شراء سيارة بورش. موضحا أن الشركة تعتزم مضاعفة مبيعاتها في الأعوام المقبلة ليصل العدد إلى مليون سيارة، فالسوق الروسية حسب قوله سوقا مهمة للغاية بالنسبة لشركات صناعة السيارات.
والسوق الروسية تجتذب أيضا السيارات من النوع الفاخر جدا مثل رولس رويس، وبيع منها حتى منتصف هذا العام 400 سيارة.
والأمر لا يتعلق فقط بمصانع السيارات، إذ إن المصانع الروسية تبرم حاليا صفقات دسمة مع بلدان كالولايات المتحدة، منها الصفقة الأخيرة التي ضمت بضعة مئات من محرك صواريخ من طراز آر دي 180 إلى واشنطن، وفي هذا الصدد، قال إيغور كوماروف رئيس وكالة الفضاء الروسية روسكوزموس: «على الرغم من الخلافات السياسية الحالية، فإن روسيا لا تزال توفر للولايات المتحدة على الأقل وللسنوات القادمة محركات لهذا الصاروخ، وشراء الأميركيين لها ليس صدقة؛ بل هناك سبب واضح، فهي اليوم الأفضل في كل أنحاء العالم، إن كان من حيث السعر أو النوعية.. ونحن متأكدون أن الولايات المتحدة سوف تشتري مستقبلا محركات صواريخ روسية».
والولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تجاوزت العقوبات، ففرنسا وإيطاليا ناشطة أيضا في السوق الروسية، لذا قررت ولاية بادن فورنتبرغ الصناعية في ألمانيا تفعيل العلاقات مع روسيا، وزار في الشهر الماضي موسكو وفد من رجال الأعمال والصناعيين برئاسة كلاوس مانغولد القنصل الفخري لروسيا في هذه الولاية لبحث السبل الكفيلة بتخفيف انعكاس العقوبات التجارية. واللافت أن الزيارة جاءت بناء على دعوة من وزير الاقتصاد والتنمية الروسي ألكسي أوجوكيف. وأشار الوفد إلى أن الاقتصاد الألماني يعاني من تأثير العقوبات على روسيا، كما الاقتصاد الروسي.

حجم التبادل التجاري
ووفق توقعات الغرفة التجارية الألمانية الخارجية، من المحتمل أن تزدهر الصادرات في المدى الطويل ليصل حجم التبادل التجاري إلى 20 مليار يورو، لكنه يظل أقل من حجم الصادرات التي كانت عام 2013؛ لأن نسبة تصدير السلع ستتراجع هذا العام حتى 5 في المائة.
كما أشارت دراسة وضعتها هذه الغرفة لعام 2015 إلى أن ثلثي الشركات الألمانية الناشطة في روسيا، وعددها 850 شركة، يشعر بالتأثيرات السلبية للعقوبات، فمن بين كل أربع شركات عاملة في قطاع المواد ذات الاستخدام المزدوج، والتي يمكن استخدامها لأغراض مدينة وعسكرية، يوجد واحدة متضررة. ولقد أبدى 75 في المائة من هذه الشركات خشيتها من مزيد من الخسائر بعد إعلان المستشارة أنجيلا ميركل تمديد العقوبات.
وحسب بيانات غرفة التجارة الخارجية بالأرقام، فإن الصادرات الألمانية إلى روسيا تراجعت عام 2015 مقارنة مع عام 2014 أكثر من 25 في المائة، لتصل إلى ما قيمته 20.2 مليار يورو، فيما كان التراجع عام 2014 بلغ 15 في المائة، وخمسة في المائة عام 2013، ما يعني أن حجم التبادل انخفض منذ عام 2012 أكثر من النصف. كما انخفضت الصادرات الروسية إلى ألمانيا عام 2015 بنسبة 26 في المائة، لتصل إلى 30 مليار يورو. والسلع الرئيسية الروسية تشمل المواد الخام، بالأخص النفط والمعادن والبتروكيماويات، بينما تشكل الصادرات الألمانية إلى روسيا الآليات والسيارات وقطع الغيار والمنتجات الكيماوية، فضلا عن المواد الغذائية والمنتجات الزراعية، وهذا ألحق الضرر الكبير بالمزارعين ومصانع المواد الغذائية.
كما انخفض عدد الشركات ذات الأسهم أو رأس المال الألمانية الناشطة في روسيا عام 2015 أكثر من 7 في المائة ليصل إلى 5583 شركة، وظهر بشكل واضح التراجع في عدد فروع الشركات أو ممثليها في روسيا مقارنة مع عام 2014، حيث وصل إلى 24 في المائة.



تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
TT

تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)

تواجه الصين تحديات اقتصادية متزايدة مع استمرار ضعف الطلب على الائتمان وتباطؤ النشاط الاقتصادي، ما دفع الحكومة إلى التحرك على مسارين متوازيين، هما تشديد الرقابة على الإعانات المالية التي تقدمها الحكومات المحلية، وفي الوقت نفسه البحث عن أدوات جديدة لدعم النمو وتحفيز الطلب الداخلي.

وتأتي هذه الخطوات في وقت أظهرت فيه بيانات رسمية تراجع القروض المصرفية الجديدة بأكثر من المتوقع خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، ما يعكس استمرار الحذر لدى الشركات والأسر في ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وأعلن مجلس الدولة الصيني خلال اجتماع برئاسة رئيس الوزراء لي تشيانغ عن توجه جديد لتنظيم سياسات الدعم المالي التي تقدمها الحكومات المحلية.

وحسب وسائل الإعلام الرسمية، تعتزم بكين إنشاء آلية قائمة سلبية تحدد الحالات التي يُمنع فيها على السلطات المحلية تقديم إعانات مالية، في خطوة تهدف إلى الحد من التشوهات في المنافسة وتعزيز بناء سوق وطنية موحدة. ويرى صناع القرار في بكين أن الدعم المالي المحلي غير المنظم قد يؤدي إلى منافسة غير متكافئة بين المناطق الصينية؛ إذ تسعى بعض الحكومات المحلية إلى جذب الاستثمارات عبر حوافز مالية كبيرة قد تُضعف كفاءة السوق وتخلق اختلالات في توزيع الموارد. ولذلك شدد مجلس الدولة على ضرورة تحسين «دقة السياسات وفاعليتها» واعتماد إجراءات عملية أكثر انضباطاً في تقديم الدعم الحكومي.

• تباطؤ الائتمان

ويأتي هذا التحرك التنظيمي في وقت تواجه فيه الصين تباطؤاً ملحوظاً في الطلب على الائتمان. فقد أظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن القروض الجديدة المقومة باليوان بلغت نحو 900 مليار يوان (130 مليار دولار) في فبراير، منخفضة بشكل حاد مقارنة بـ4.71 تريليون يوان في يناير (كانون الثاني)، وأقل من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 979 مليار يوان.

ورغم أن تراجع الإقراض في فبراير يُعد ظاهرة موسمية إلى حد ما بسبب زيادة القروض في بداية العام وعطلة رأس السنة القمرية التي تقلل النشاط الاقتصادي، فإن البيانات تشير أيضاً إلى ضعف هيكلي في الطلب، خصوصاً من جانب الأسر. فقد سجلت قروض الأسر، بما في ذلك قروض الرهن العقاري، انخفاضاً بنحو 650.7 مليار يوان خلال الشهر، بعدما كانت قد ارتفعت في يناير بنحو 456.5 مليار يوان.

ويعكس هذا التراجع استمرار تأثير أزمة سوق العقارات الممتدة منذ سنوات، والتي أضعفت ثقة المستهلكين وأثرت على الإنفاق والاقتراض. كما يشير محللون إلى أن برامج دعم فوائد القروض الاستهلاكية التي أطلقتها الحكومة لم تحقق حتى الآن تأثيراً كبيراً في تحفيز الطلب، حيث لم ترتفع قروض الأسر إلا بنسبة طفيفة للغاية على أساس سنوي. وفي المقابل، أظهرت البيانات أن قروض الشركات سجلت انتعاشاً محدوداً، وهو ما قد يعكس تأثير إجراءات التيسير النقدي الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي الصيني. فقد أكد محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، أن بلاده ستواصل اتباع سياسة نقدية توسعية معتدلة خلال العام الحالي، مع استخدام أدوات مثل خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي وأسعار الفائدة بشكل مرن لدعم الاقتصاد.

• مخاوف التضخم

بعض الاقتصاديين يرون أن المجال المتاح لمزيد من التيسير النقدي قد يكون محدوداً في الأجل القريب. فحسب تشو هاو، كبير الاقتصاديين في شركة غوتاي جونان الدولية، فإن المخاوف المتعلقة بالتضخم قد تقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي قريباً، ما يعني أن الجزء الأكبر من الدعم الاقتصادي قد يأتي عبر السياسة المالية وليس النقدية.

وفي هذا السياق، أعلنت بكين بالفعل مجموعة من الإجراءات لتعزيز الطلب المحلي ودعم القطاعات الاستراتيجية. فقد حددت الحكومة هدف نمو اقتصادي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة لعام 2026، وهو أقل قليلاً من هدف العام الماضي، في إشارة إلى توقعات أكثر حذراً لمسار الاقتصاد. كما كشفت السلطات عن خطط لضخ 300 مليار يوان في البنوك الحكومية الكبرى لتعزيز قدرتها على الإقراض ودعم الاستقرار المالي. إضافة إلى ذلك، ستخصص الحكومة 250 مليار يوان من سندات الخزانة الخاصة طويلة الأجل لتمويل برامج استبدال السلع الاستهلاكية، في محاولة لتحفيز الاستهلاك المحلي وتعزيز الطلب الداخلي.

وأظهرت بيانات السيولة أن المعروض النقدي الواسع (M2) ارتفع بنسبة 9 في المائة في فبراير مقارنة بالعام السابق، متجاوزاً توقعات السوق، في حين ارتفع المعروض النقدي الأضيق (M1) إلى 5.9 في المائة. كما استقر نمو إجمالي التمويل الاجتماعي – وهو مؤشر واسع للائتمان والسيولة في الاقتصاد – عند 8.2 في المائة.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن السلطات الصينية تحاول تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي ومنع تراكم المخاطر المالية، خصوصاً في ظل مستويات الدين المرتفعة لدى الحكومات المحلية والشركات.

• خاتمة

تعكس الإجراءات الأخيرة لبكين توجهاً مزدوجاً يجمع بين تشديد الرقابة على الدعم الحكومي المحلي وتعزيز أدوات التحفيز الاقتصادي على المستوى الوطني. وبينما تسعى الصين إلى الحفاظ على استقرار سوقها الداخلية وتحفيز الطلب، يبقى نجاح هذه السياسات مرهوناً بقدرتها على إعادة الثقة إلى المستهلكين والشركات في مرحلة حساسة من مسار الاقتصاد الصيني.


تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
TT

تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)

أظهرت بيانات صادرة عن «يوروستات» انخفاضاً غير متوقع في الإنتاج الصناعي بمنطقة اليورو خلال يناير (كانون الثاني)، حيث سجَّلت غالبية الدول الكبرى في المنطقة تراجعاً، ما يثير المخاوف حول تعافي القطاع الذي طال انتظاره، في ظلِّ استمرار زيادة تكاليف الطاقة التي تضيف أعباء جديدة على قطاع يعاني منذ سنوات.

وأفادت البيانات بأنَّ الإنتاج في الدول الـ21 التي تشترك في عملة اليورو انخفض بنسبة 1.5 في المائة خلال الشهر، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 0.6 في المائة، مع تسجيل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا انخفاضات كبيرة.

وعلى أساس سنوي، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة مقارنة بالعام السابق، مقابل توقعات بنمو 1.4 في المائة وفق استطلاع أجرته «رويترز» لآراء الاقتصاديين، وهو تراجع تفاقم بعد قيام «يوروستات» بمراجعة أرقام ديسمبر (كانون الأول). ويشهد قطاع الصناعة في منطقة اليورو ركوداً ممتداً، حيث يقل الإنتاج حالياً بنسبة 3 في المائة عن مستويات عام 2021، متأثراً بعوامل عدة، منها ارتفاع تكاليف الطاقة، والمنافسة الشديدة من الصين، والتعريفات الأميركية، وضعف نمو الإنتاجية، وانخفاض الطلب العالمي على السيارات الأوروبية.

وكان صناع السياسات يأملون أن يشهد عام 2026 بداية انتعاش اقتصادي جزئي، بفضل الجهود المستمرة لدعم الإنتاجية، إلا أنَّ أرقام يناير والارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية يشيران إلى احتمال استمرار الاضطرابات.

وقال بيرت كولين، الخبير الاقتصادي في بنك «آي إن جي»: «يتلاشى التفاؤل في قطاع التصنيع بمنطقة اليورو مع انخفاض الإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوى له منذ عام 2024 في يناير، وقد أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى تجدُّد مخاطر الإنتاج، خصوصاً في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة».

ويُلقي الانكماش في آيرلندا بظلاله على المنطقة، حيث سجَّل إنتاج الطاقة ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالشهر السابق، بينما تراجع إنتاج السلع المعمرة وغير المعمرة والسلع الوسيطة بشكل حاد؛ بسبب وجود عدد كبير من الشركات متعددة الجنسيات التي تؤثر على تقلبات الأرقام بشكل كبير.

وكانت ألمانيا، أكبر دولة في منطقة اليورو وصانعة السيارات المهيمنة، من بين الأكثر تضرراً، حيث انخفض إنتاجها بنسبة 9 في المائة عن مستويات عام 2021، وتشير أرقام الطلبات الضعيفة إلى استمرار الوضع دون تحسن قريب. ويشهد الإنتاج الألماني تراجعاً مستمراً منذ سنوات، ما أسهم في ركود الاقتصاد الألماني خلال السنوات الثلاث الماضية، رغم توقع حدوث انتعاش جزئي هذا العام بفضل الإنفاق الحكومي الكبير على الدفاع والبنية التحتية.

ومع ذلك، يُهدِّد الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة أي انتعاش محتمل، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو الثلثين منذ بداية العام، وارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 80 في المائة؛ نتيجة الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في إيران، ما يُشكِّل ضربةً مزدوجةً للصناعة من خلال رفع التكاليف وتقليل القدرة الشرائية.

وقال دييغو إسكارو من شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «يعتمد القطاع الصناعي الأوروبي بشكل كبير على النفط والغاز المستورَدين، وهو معرض أيضاً لاضطرابات سلاسل التوريد الناجمة عن الصراع».

وتُعدُّ أوروبا مستورداً صافياً للطاقة، ما يجعل صناعتها حساسة بشكل خاص لصدمات أسعار السلع الأساسية نظراً لمحدودية مواردها الطبيعية نسبياً.


الين الياباني يترقب ضربة جديدة مع صعوبة «التدخل الحكومي»

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الين الياباني مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الين الياباني مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

الين الياباني يترقب ضربة جديدة مع صعوبة «التدخل الحكومي»

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الين الياباني مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الين الياباني مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

من المرجح أن يكون لدى اليابان مجال أقل للتدخل في سوق العملات مقارنةً بالماضي، حتى مع دفع الصراع في الشرق الأوسط للين نحو مستوى 160 يناً للدولار، وهو المستوى الذي كان يُعتبر سابقاً عتبةً لتدخل السلطات. ويقول بعض المحللين إن التردد الأخير من جانب المسؤولين في الترويج للعملة قد يدفع الين إلى الانخفاض إلى 165 يناً للدولار، وهي خطوة من شأنها أن تزيد من تكاليف الاستيراد والتضخم بشكل عام، في وقتٍ تُساهم فيه الحرب الإيرانية في رفع أسعار النفط الخام. وعلى عكس عامَي 2022 و2024، حين تدخلت طوكيو لمواجهة بيع الين المرتبط بعمليات المضاربة على فروق أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان، فإن انخفاض قيمة العملة مؤخراً إلى ما دون 159 يناً مدفوعٌ بشكل أكبر بالطلب على الدولار كملاذ آمن، والمخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى الإضرار بالاقتصاد الياباني. ويقول صنّاع السياسة اليابانيون في أحاديث خاصة إن التدخل لدعم الين الآن قد يكون عديم الجدوى؛ إذ قد تضعف هذه الإجراءات بفعل تدفق الطلب على الدولار الذي سيزداد حدةً في حال استمرار الحرب. وقال مسؤول: «علينا أن نرى كيف ستؤول الحرب، وإلى متى ستظل طرق الشحن عبر مضيق هرمز معطلة. المسألة هنا تتعلق بشراء الدولار، لا ببيع الين».

الوضع مختلف

ويُقال في الأوساط الاقتصادية اليابانية إن التدخل في سوق العملات يكون أكثر فاعلية عند استخدامه لتصفية مراكز المضاربة الضخمة، كما حدث عندما تدخلت طوكيو لدعم الين في عامَي 2022 و2024. والآن، تتراجع مؤشرات تزايد ضغوط المضاربة في سوق العملات. فقد بلغ صافي مراكز البيع على الين 16.575 عقداً في أوائل مارس (آذار)، وفقاً لبيانات لجنة تداول السلع الآجلة الأميركية. وهذا أقل بكثير من نحو 180.000 عقد في يوليو (تموز) 2024، عندما قامت اليابان بآخر تدخل ضخم لشراء الين. وبينما شددت السلطات في طوكيو تحذيراتها مع اقتراب الين من مستوى 160 المهم نفسياً، فقد تجنبت الإشارة المعتادة إلى بيع الين للمضاربة؛ وهو تبرير تقليدي للتدخل في السوق. وعند سؤالها يوم الجمعة عن إمكانية التدخل، تجنبت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما الإجابة المباشرة، قائلةً إن الحكومة على أهبة الاستعداد للتحرك في أي وقت، «إدراكاً منها لتأثير تحركات العملة على معيشة الناس».

وضع مربك

وقال شوتا ريو، استراتيجي العملات الأجنبية في شركة «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي» للأوراق المالية: «إذا تدخلت اليابان الآن، فلن يكون تدخلها فعالاً؛ إذ من المرجح أن يستمر شراء الدولار كملاذ آمن، ما لم يستقر الوضع في الشرق الأوسط». وأضاف: «قد يُشجع التدخل المضاربين على بيع الين مجدداً بمجرد انتعاشه». وتبرر اليابان تدخلها استناداً إلى اتفاقية بين اقتصادات «مجموعة السبع» المتقدمة، والتي تسمح للسلطات بالتدخل لمكافحة التقلبات المفرطة الناجمة عن المضاربات التي تنحرف عن الأسس الاقتصادية. وإذا كانت الانخفاضات الأخيرة في الين مدفوعةً بالأسس الاقتصادية، فلا يمكن لليابان الاعتماد على دعم «مجموعة السبع» للتدخل منفردةً. ودفع هذا طوكيو إلى التركيز على الانضمام إلى الجهود الدولية الرامية إلى استقرار أسعار النفط، والتي تُعتبر السبب الجذري لتقلبات السوق الأوسع نطاقاً.

وصرحت كاتاياما أمام البرلمان هذا الأسبوع بأن اليابان «حثت بشدة» نظيراتها في «مجموعة السبع» على عقد اجتماع لمناقشة خطوات معالجة ارتفاع أسعار النفط، في إشارة إلى المحادثات التي أفضت إلى اتفاق بشأن إمكانية الإفراج عن مخزونات النفط الاحتياطية الطارئة. وكانت اليابان أيضاً أول دولة كبرى تُفرج عن جزء من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، مما خلق زخماً لجهود تقودها وكالة الطاقة الدولية. ومع ذلك، إذا فشل التنسيق العالمي أو التدخل اللفظي في وقف انخفاض الين، فقد لا يكون أمام اليابان خيار سوى رفع أسعار الفائدة وتقليص الفارق في أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة، التي يُنظر إليها على أنها وراء الانخفاضات المستمرة في قيمة الين، وفقاً لبعض المحللين. وقال أكيرا موروغا، كبير استراتيجيي السوق في بنك أوزورا: «شخصياً، من وجهة نظر أساسية، لا يزال رفع سعر الفائدة في يوليو يبدو التوقيت الأنسب». وأضاف: «لكن إذا اشتدّ الضغط الهبوطي على الين، فلن يكون من المستغرب أن نشهد تقديم موعد صرف الين إلى أبريل (نيسان)، خشية أن يؤدي انخفاض قيمة الين إلى ارتفاع الأسعار، حتى وإن لم يُصرّح بنك اليابان بذلك صراحةً».