تحسبًا لـ«خيارات» أوباما.. روسيا تحذر من «تحولات مزلزلة» إذا استهدف الأسد

كيري يشي بإحباطه لاستبعاد الخيار العسكري لإنجاح الدبلوماسية.. وتيارات متصارعة في الإدارة الأميركية

عائلة سورية تزيل الأنقاض من مدخل منزلها الذي تهدم في جرابلس (غيتي)
عائلة سورية تزيل الأنقاض من مدخل منزلها الذي تهدم في جرابلس (غيتي)
TT

تحسبًا لـ«خيارات» أوباما.. روسيا تحذر من «تحولات مزلزلة» إذا استهدف الأسد

عائلة سورية تزيل الأنقاض من مدخل منزلها الذي تهدم في جرابلس (غيتي)
عائلة سورية تزيل الأنقاض من مدخل منزلها الذي تهدم في جرابلس (غيتي)

في حين ينتظر الرئيس الأميركي باراك أوباما من وكالات الأمن القومي الأميركي الخروج بـ«خيارات» للتعامل مع الوضع الإنساني المتدهور في سوريا على خلفية التصعيد من جانب النظام السوري مدعوما بروسيا، حذرت الأخيرة، أمس، من تداعيات «مزلزلة» لأي استهداف مباشر لنظام بشار الأسد أو قواته. وفي هذه الأثناء عبر وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن إحباطه؛ لأن جهوده الدبلوماسية لإنهاء النزاع في سوريا لم يتم دعمها بعمل عسكري تشنه الولايات المتحدة، في انتقاد ضمني للرئيس أوباما، حسب تسجيل نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يعود تاريخه إلى الأسبوع الماضي.
وقالت ماريا زاخاروفا، المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية، في حديث تلفزيوني، إنها لا تستطيع «التكهن بما سيحدث» إذا تدخل الأميركيون. لكنها أضافت: «في حال بدأ عدوان أميركي مباشر على دمشق والجيش السوري، فإن هذا سيحدث تحولات مزلزلة، ليس في سوريا فحسب بل في كل المنطقة». وحذرت زاخاروفا من تداعيات أي تدخل عسكري أميركي مباشر في سوريا واستهداف الولايات المتحدة قوات النظام السوري. وإذ أشارت زاخاروفا في حديث تلفزيوني، أمس، إلى أنها لا تستطيع «التكهن بما سيحدث إذا تدخل الأميركيون، وأن مهمتها عرض الأسباب التي توضح أهمية البقاء ضمن الاتفاق (الأميركي - الروسي)»، فإنها رغم ذلك تكهنت بأنه «في حال بدأ عدوان أميركي مباشر على دمشق والجيش السوري، فإن هذا سيحدث تحولات مزلزلة، وليس في سوريا فحسب بل في كل المنطقة». واستطردت المتحدثة: «تغيير النظام لن يحدث فراغ سلطة فحسب، بل فراغا سياسيا سرعان ما سيملأه (المعارضون المعتدلون)، لكنهم في الواقع ليسوا معتدلين، بل هم إرهابيون من كل الأنواع، وسيكون من المستحيل التصدي لهم»، حسب قولها. ومن ثم حذرت من أن مثل ذلك التدخل الأميركي «قد يعقد الأمور (في سوريا) ويدفعها لتجري وفق السيناريو العراقي».
من جهة أخرى، اتهمت المتحدثة باسم الخارجية الروسية من وصفته بـ«اللوبي» في الولايات المتحدة بأنه «يعكر صفو الأجواء ولا يسمح بالتوصل لاتفاقات»، معربة عن اعتقادها بأن ذلك اللوبي - الذي لم تسمه بالاسم - «لا يرى حاجة للدبلوماسية، ولا للأمم المتحدة ولا يعبأ بالاتفاقات ولا بالقانون الدولي»، وأنهم ينطلقون في قراراتهم من منطق امتلاكهم القوة ومكانة الدولة الأقوى «التي يمكن لقوانينها أن تقف فوق كل القوانين، وأن يتم دعمها بالقوة العسكرية لحل القضايا». ونبهت إلى أن «مثل هذا المنطق ينتهي بحروب واسعة، وانتشار الفوضى وهدر الدماء».
ويبدو واضحا، حسب مراقبين، أن روسيا لا تستبعد احتمال التدخل الأميركي المباشر في سوريا، وهو ما دفعها بل جعلها تتعمد، وفق المراقبين، تسريب معلومات حول تعزيز قواتها الجوية في سوريا، في إشارة تحذيرية للولايات المتحدة من مغبة التصادم ولو بالخطأ بين قوات البلدين في سوريا. وتتبع روسيا بهذا الشكل العقلية السوفياتية ذاتها التي كانت تحذر من احتمال نشوب نزاع بين البلدين بسبب خطأ ناجم عن كثافة التواجد العسكري لقواتهما في المنطقة ذاتها.
في غضون ذلك، لا يمكن استبعاد لجوء روسيا إلى خيارات عسكرية أخرى للتعويض عن فشل محاولاتها بإطلاق تعاون مع الولايات المتحدة في سوريا، وبغية إيجاد مركز قوة يخفف من تأثير واشنطن على الوضع هناك. وفي هذا السياق قال مصدر مطلع في العاصمة الروسية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك خيارات عدة متاحة أمام روسيا، وهي وإن كانت لا تشكل بأي حال من الأحوال بديلا مناسبا عن التعاون مع الولايات المتحدة، فإنها قد تساهم في تفادي السيناريو الأسوأ». ثم أوضح أن «موسكو تدرس كل الخيارات الإضافية بما في ذلك توسيع التعاون مع تركيا، الذي وضع رئيس أركان القوات الروسية أسسه مع نظيره التركي خلال زيارته مؤخرًا إلى أنقرة».
وأعرب المصدر عن اعتقاده بأن كل العوامل الضرورية لإطلاق تعاون أوسع بين البلدين متوفرة؛ «إذ أثبتت تركيا وقوات المعارضة التي تدعمها قدرة مميزة على التصدي للمجموعات الإرهابية»، فضلا عن ذلك، فإن «تلك القوات تخوض معارك في ريف محافظة حلب، أي ليس بعيدا عن المنطقة التي شكل الوضع فيها سببا رئيسيا للخلافات الأميركية - الروسية». وأشار المصدر من موسكو كذلك إلى «حقيقة مهمة، هي أن قوات المعارضة السورية التي تقاتل بدعم من القوات التركية أصبحت (كافرة) بموجب فتوى من إرهابيي (النصرة)»، وعليه، لا يستبعد المصدر أن تلعب تلك القوات «دورا مفصليا» في الفرز ما بين قوات المعارضة والمجموعات الإرهابية. أما العامل الإيجابي الأهم الذي يدفع إلى الاعتقاد بتوسيع التعاون بين موسكو وأنقرة فهو، حسب المصدر من موسكو، «إظهار القيادتين الروسية والتركية جدية وصدقا في الرغبة بإطلاق تعاون نوعي بينهما في شتى المجالات، بما في ذلك الشأن السوري».
هذا، وتناولت وسائل إعلام روسية، بينها وكالة «ريا نوفوستي» الحكومية، الخيارات المتاحة الآن أمام روسيا، وانطلاقا من عرضها وجهات نظر خبراء، بينهم مسؤولون عسكريون أتراك سابقون روجت الوكالة فكرة تشكيل تحالف «روسي - تركي - إيراني» في سوريا، بما في ذلك إطلاق تعاون بين أنقرة والنظام السوري. ولدعم تلك الفكرة نقلت «ريا نوفوستي» عن الجنرال إسماعيل حقي، المدير السابق للاستخبارات التركية، - المعروف بتأييده بشار الأسد - قوله إنه «على تركيا الآن أن تتعاون مع النظام السوري. وفي حال وحدت تركيا وسوريا وروسيا وإيران قواهم فسيتمكنون من إبعاد الولايات المتحدة». إلى ذلك، عبر وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن إحباطه لأن جهوده الدبلوماسية لإنهاء النزاع في سوريا لم يتم دعمها بعمل عسكري تشنه الولايات المتحدة، في انتقاد ضمني للرئيس أوباما. وحسب تسجيل نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يعود تاريخه إلى الأسبوع الماضي، قال كيري أمام منظمة مؤلفة من مدنيين سوريين إن دعوته إلى التحرك عسكريا ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد لم تلق آذانا صاغية. وأوضح كيري: «دافعت عن استخدام القوة (...) لكن الأمور تطورت بشكل مختلف».
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن كيري قال، خلال اجتماع مع عدد صغير من المدنيين السوريين وشخصيات أخرى، إنه فقد الحجة داخل إدارة الرئيس باراك أوباما لدعم الجهود الدبلوماسية لإنهاء إراقة الدماء في سوريا؛ بسبب التهديد باستخدام القوة العسكرية. وأضافت الصحيفة أنها حصلت على تسجيل صوتي للاجتماع الذي استمر 40 دقيقة في مقر البعثة الهولندية بالأمم المتحدة في 22 سبتمبر (أيلول). وقالت إنه كان من بين المشاركين الذين بلغ عددهم نحو 20 شخصا ممثلين لأربع جماعات سورية توفر خدمات التعليم والإنقاذ والإسعافات الطبية في المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة المسلحة، ومعهم دبلوماسيون من ثلاث أو أربع دول.
وعُقد الاجتماع بعد أيام من انهيار هدنة كان كيري قد تفاوض عليها مع روسيا، وتعرض مناطق تسيطر عليها قوات المعارضة بمدينة حلب السورية لغارات جوية عنيفة في الوقت الذي رفضت فيه موسكو وحكومة الرئيس بشار الأسد نداء أميركيا لوقف الغارات. وقالت الصحيفة إن كيري شكا مرارا من أن جهوده الدبلوماسية لا تحظى بدعم بسبب تهديد خطير باستخدام القوة العسكرية. وقال كيري في تسجيل صوتي، بُث على موقع الصحيفة على الإنترنت: «أعتقد أنكم تنظرون إلى ثلاثة أشخاص أو أربعة أشخاص في الإدارة يدافعون كلهم عن استخدام القوة وقد فقدت الحجة.. إننا نحاول انتهاج الدبلوماسية وأعرف أنه أمر محبط. لن تجدوا أحدا أكثر شعورا بالإحباط منا».
وقال مصدر، في وزارة الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن الوزارة تشهد «تيارات متعارضة تشبه تلك التي في سوريا، مع الفرق في المحتوى»، مضيفا أن «الغموض» في الخارجية الأميركية يشبه «غموض الوضع في سوريا». وأشار المصدر إلى أن دبلوماسيين في الخارجية ظلوا يعيشون في إطار هذا الغموض، وهذه التيارات المتعارضة، منذ كانت هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية حتى قبل 4 سنوات، وأن التوتر كان سبب مغادرة عدد من كبار الدبلوماسيين وزارة الخارجية أو الإدارة، وتفصيلهم مناصب السفراء، وتابع أن سبب التوتر كان، منذ البداية، رفض الرئيس باراك أوباما رأي كلينتون بالتدخل العسكري الأميركي المبكر ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، مؤكدا أن أوباما لا يزال يرفض هذا الرأي - أي التدخل - الذي يميل نحوه وزير الخارجية جون كيري.
وأضاف المصدر أن «مشكلة المشكلات هي أن أوباما رفض التدخل عندما كان التدخل سهلا، فكيف يمكن أن يقبله وقد تعقد الوضع كثيرا؟!»، وأن الرأي العام الأميركي «ربما كان سيقبل التدخل» في عهد هيلاري كلينتون، لكن ليس في عهد كيري، واستطرد قائلاً إن كيري «يتمزق من الداخل.. ليس فقط لأن الروس صاروا يسيطرون على الوضع في سوريا، ولكن أيضا لأن الروس كانوا غائبين عن الساحة عندما كان التدخل العسكري الأميركي سهلا».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».