مخاوف تعتري القاهرة من برنامج الإصلاح الاقتصادي

الحكومة لمحدودي الدخل: الخوف والشك يطيلان الطريق

مجموعة من اللافتات الإعلانية في شوارع القاهرة تدعو للتقشف الاقتصادي («الشرق الأوسط»)
مجموعة من اللافتات الإعلانية في شوارع القاهرة تدعو للتقشف الاقتصادي («الشرق الأوسط»)
TT

مخاوف تعتري القاهرة من برنامج الإصلاح الاقتصادي

مجموعة من اللافتات الإعلانية في شوارع القاهرة تدعو للتقشف الاقتصادي («الشرق الأوسط»)
مجموعة من اللافتات الإعلانية في شوارع القاهرة تدعو للتقشف الاقتصادي («الشرق الأوسط»)

تبدو القاهرة قلقة من خطوات تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يتضمن إجراءات ستغير ملامح حياة الغالبية العظمى من المصريين، الذين عانوا على مدار عقود من «برامج دعم» تشجع في الأساس على زيادة نسبة الفساد في الجهاز الإداري للدولة «المتضخم» بالموظفين، أكثر منها تقلل من معاناة المواطنين، إلا أن الجيل الحالي يبدو أنه سيتحمل نتائج وأخطاء الأجيال السابقة.
«يا مصر.. بالإصلاح الجريء نقصّر الطريق»، للمرة الأولى في تاريخها يظهر في شوارع القاهرة، لوحات إعلانية تبشر بالإصلاح الاقتصادي وتحاول تهيئة المواطنين لتقبل البرنامج الذي سيطال موازنات جميع المصريين، إلا أن تأثيراته المباشرة وغير المباشرة ستلحق الضرر بالغالبية العظمى منهم.
وعلى عكس اللوحات الإعلانية التي ملأت شوارع القاهرة، يبدو أن الطريق طويل أمام القاهرة لإقناع السواد الأعظم منهم «بالإصلاح الجريء»، خاصة مع بدء تطبيق ضريبة القيمة المضافة –أول أكتوبر (تشرين الأول) الجاري - التي وافق عليها مجلس النواب مؤخرًا، والتي ستساهم في رفع الأسعار –المرتفعة أساسًا نتيجة تراجع قيمة العملة المحلية - بنسبة تتراوح بين 20 و35 في المائة. إذ تستورد مصر معظم احتياجاتها من الخارج.
وبصوت منبوح مع ابتسامة ساخرة، شكك رضا أحمد صاحب أحد الأكشاك في وسط القاهرة، في جدوى الإصلاح الاقتصادي للحكومة «رغم أهميته» على حد قوله، إلا أنه قال: «المساكين في الآخر هم اللي بيتحملوا كل البرامج الحكومية.. أشك أن الحكومة هتعمل حسابنا».
ولم تنسَ القاهرة شكوك عم أحمد –الخمسيني، السن الذي يغلب عليه الموافقة في استطلاعات الرأي حول نسب الرضا عن أداء الرئيس أو الحكومة - واستبقت تلك الشكوك بلوحات إعلانية تؤكد أن: «الخوف والشك يُطيلان الطريق».

الطريق ليس مفروشًا بالورود

صحيح أن أي إصلاحات اقتصادية ستُقابل بالكثير من الاعتراضات، إلا أن برنامجًا للدعم النقدي محكما ونزيها يلتزم بالشفافية والإفصاح يراعي محدودي الدخل، من شأنه تقليل نسب المخاطر التي ستواجهها الحكومة المصرية، وهو ما يشكك فيه بالفعل أصحاب الطبقة المتوسطة –الآخذة في الاضمحلال.
وتتمثل تداعيات برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر، في ارتفاع الأسعار وبالتالي ارتفاع التضخم وعجز الموازنة ما سيؤثر على أكثر من 40 في المائة من أكثر من 90 مليون مصري يعيشون حول خط الفقر، وهو ما فسره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أحد خطاباته، قائلاً: «بنحاول نقلل الفجوة بين الموارد والمصروفات عشان العجز ما يبقاش بالضخامة كبير.. كل ما هنقلل من الدين الداخلي كل ما هنقلل من خدمة الدين».
وارتفع الدين الداخلي في مصر إلى 2.3 تريليون جنيه من نحو 800 مليار جنيه قبل ثورة يناير (كانون الثاني) عام 2011. بنسبة 98 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وقال السيسي في وقت سابق، إنه لن يتردد في اتخاذ إجراءات إصلاح اقتصادي صعبة كان يتجنبها الرؤساء السابقون خشية اندلاع احتجاجات شعبية.
وقفز معدل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في إجمالي محافظات الجمهورية إلى 16.4 في المائة خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، مقابل 14.8 في المائة في يوليو (تموز). بينما ارتفع معدل التضخم الأساسي إلى 13.25 في المائة على أساس سنوي في أغسطس الماضي من 12.31 في المائة في يوليو.
وتوصلت مصر لاتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي على قرض قيمته 12 مليار دولار على ثلاث سنوات على أساس برنامج للإصلاح الاقتصادي يتضمن خفض عجز الموازنة العامة للدولة وخفض سعر الجنيه المصري.
ورفعت مصر في أغسطس أسعار الكهرباء بنسبة 40 في المائة، ضمن المرحلة الثالثة من خطة لرفع الدعم في البلاد؛ وبدأت في يوليو 2014 خطة لتحرير أسعار الكهرباء على خمس سنوات بداية من شهر سبتمبر (أيلول) من كل عام مالي.
وبلغت قيمة العجز المتوقع في موازنة العام المالي الجاري، 320 مليار جنيه (36 مليار دولار) بنسبة 9.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي - المقدر بنحو 3.2 تريليون جنيه (360 مليار دولار) - مقابل حجم مصروفات تقدر بنحو 936 مليار جنيه (105.4 مليار دولار).

عجز الموازنة

توقعت وكالة موديز للتصنيف الائتماني اتساع العجز في الموازنة العامة لمصر إلى 12 في المائة خلال العام المالي الجاري مقابل 9.9 في المائة متوقعة من الحكومة.
وقالت موديز، في تقرير لها أواخر الشهر الماضي، إنها لا تتوقع أن تنجح الحكومة في جمع الإيرادات المتوقعة خلال العام المالي الجاري، خاصة بعد تخفيض سعر ضريبة القيمة المضافة، التي أقرها البرلمان مؤخرًا، إلى 13 في المائة بدلاً من 14 في المائة كانت قد اقترحتها الحكومة في مشروع القانون.
وتشير موديز إلى أن توقعاتها للعجز تأتي أيضًا في ظل صعوبات محتملة في زيادة الإيرادات الحكومية خلال العام المالي الجاري الذي تتوقع ألا يزيد فيه معدل النمو الاقتصادي على 3.5 في المائة، في حين تتوقع الحكومة ارتفاع النمو إلى 5.2 في المائة خلال العام المالي الجاري. وفي المقابل ترى موديز أن صدور قانون ضريبة القيمة المضافة «الذي طال انتظاره» خطوة هامة لمصر من شأنها أن تدعم تصنيفها الائتماني، كما أنها ستساهم تدريجيا في زيادة عائدات الضرائب المنخفضة في مصر، بالإضافة إلى دعم جهود الحكومة في ضبط أوضاعها المالية.
السياحة الغائبة

في وقت تنتظر فيه مصر عودة حركة السياحة من روسيا وبريطانيا –الداعم الرئيسي للسياحة في منتجعي شرم الشيخ والغردقة - استقبل أمس السبت مطار شرم الشيخ الدولي أول رحلة قادمة من مدينة فرانكفورت الألمانية - بعد توقف دام نحو عام - وعلى متنها 170 راكبًا.
وانكمش قطاع السياحة في مصر بنسبة 34 في المائة خلال الربع الثالث من العام المالي الماضي، يناير - مارس (آذار) 2016، مقابل انكماش بنحو 9.3 في المائة خلال نفس الربع من العام السابق، بحسب ما أظهرته بيانات تقرير «مؤشرات الأداء الاقتصادي خلال الربع الثالث والتسعة أشهر الأولى من 2015 - 2016». وتأثر قطاع السياحة –مورد رئيسي للدولار في البلاد - نتيجة حادثة سقوط طائرة تابعة للخطوط الروسية الجوية، ومقتل نحو 224 راكبا كانوا على متنها، في أكتوبر العام الماضي.

الاستثمارات الأجنبية

ارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر 7.2 في المائة في السنة المالية المنتهية في يونيو (حزيران) الماضي، وذلك وفقًا لأحدث التقارير الصادرة عن البنك المركزي. ووفقًا لبيان لوزارة الاستثمار المصرية أواخر الشهر الماضي، بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في 2015 - 2016 نحو 6.84 مليار دولار ارتفاعا من 6.38 مليار دولار في السنة السابقة.
وأوضحت وزيرة الاستثمار داليا خورشيد أن هذه الزيادة «جاءت بشكل أساسي بسبب ارتفاع صافي الاستثمارات الواردة لتأسيس شركات وزيادة رؤوس أموالها خلال هذا العام المالي حيث بلغت نحو 4.5 مليار دولار مقارنة مع 3.8 مليار دولار خلال العام المالي السابق محققة نسبة ارتفاع قدرها 18 في المائة».
وأشار تقرير البنك المركزي إلى أن صافي التدفقات الواردة في قطاع البترول بلغ نحو 1.6 مليار دولار في السنة المالية 2015 - 2016.
وعلى صعيد متصل بالقطاع الاستثماري، أعلنت شركة سعودية ضخ نحو 8 مليارات جنيه (نحو 90 مليون دولار) استثمارات في مصر من خلال إنشاء أكبر مدينة طبية في البلاد. وأكد محمد خضير الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في بيان صحافي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن «إنشاء مدينة طبية بهذا الحجم في مصر باستثمارات سعودية ضخمة تصل إلى 8 مليارات جنيه يؤكد أهمية مصر على خريطة الاقتصاد العالمي، خاصة أنها تمتلك الكثير من الإمكانيات التي تجعلها جاذبة للاستثمار، كما يعكس نجاح خطط الحكومة في استعادة ثقة المستثمرين والشركات الأجنبية في جاذبية السوق المصرية على المستويين الإقليمي والدولي».
وأعلنت شركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية (المستشفى السعودي الألماني) أول من أمس عن توقيع اتفاقية الإشراف الإداري على مدينة البترجي الطبية في منطقة (إليكس ويست) في مدينة الإسكندرية التي بموجبها ستدار المدينة الطبية تحت العلامة التجارية (المستشفى السعودي الألماني). وأعرب المهندس صبحي بترجي – المؤسس والرئيس التنفيذي لمستشفيات السعودي الألماني – عن سعادته بوضع حجر الأساس لمدينة البترجي الطبية والتي تعد أكبر مدينة طبية متكاملة في مصر، وأضاف: «لدينا ثقة كبيرة في القطاع الطبي المصري ونسعى دائمًا لتقديم خدمة طبية متميزة، ونؤمن أنه لدينا مسؤولية تجاه برامج الرعاية المجتمعية». ومن المتوقع أن يكتمل العمل في مشروع المستشفى التابع لمدينة البترجي الطبية في مدينة الإسكندرية بنهاية العام 2019.
وشركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية أكبر شركة مساهمة طبية في العالم العربي بقيمة سوقية تفوق ملياري دولار، تقوم بالإشراف الإداري على المستشفيات التي تمتلكها شركة بيت البترجي الطبية خارج المملكة العربية السعودية.



محافظ «المركزي المصري» من «العلا»: خفّضنا التضخم من 40 % إلى 12 %

محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

محافظ «المركزي المصري» من «العلا»: خفّضنا التضخم من 40 % إلى 12 %

محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

قال محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، إن التركيز على التضخم أسهم في خفض نسبة معدلاته من نحو 40 في المائة إلى قرابة 12 في المائة، ما عزز الثقة بالاقتصاد الكلي.

وأشار عبد الله، في الوقت نفسه إلى العمل المكثف على بناء هوامش أمان؛ حيث ارتفعت الاحتياطيات مع صعود صافي الأصول الأجنبية، مؤكداً أهمية «بناء الاحتياطيات في هذا العالم المضطرب».

وخلال جلسة حوارية ضمن «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، المنعقد في العلا، الأحد، أوضح عبد الله أنه منذ 24 مارس (آذار) جرى التحول إلى استهداف التضخم، مع تطبيق نظام سعر صرف مرن للمرة الأولى في تاريخ مصر يستجيب لقوى العرض والطلب، مؤكداً أن دور محافظ البنك المركزي ليس السعي إلى عملة أقوى أو أضعف بل توفير إطار تتحرك فيه العملة، بما يعكس التسعير الصحيح.

وأضاف أن مصر تمضي في مسار إصلاح السياسة النقدية منذ نحو 18 شهراً، مشيراً إلى الفترة التي مرت بها البلاد قبل تطبيق نظام سعر صرف مرن، التي وصفها بـ«الصعبة»، والتي ظهرت فيها «اختناقات مالية حادة وسوق موازية».

وشدد عبد الله على أن بناء الهوامش الوقائية يجب أن يتم في أوقات الرخاء لا انتظار الأزمات، داعياً إلى تعزيز خطوط التواصل بين البنوك المركزية، خصوصاً بين الاقتصادات الناشئة والمتقدمة، وإلى إجراء تحليلات السيناريوهات، ووضع خطط طوارئ للقطاع المصرفي. كما دعا المؤسسات المالية متعددة الأطراف إلى توفير تسهيلات طارئة تفعل فور وقوع الأزمات.

وأوضح أن البنك المركزي المصري يعمل على تطوير أدواته التحليلية من خلال إنشاء إدارة لعلوم البيانات وبناء مؤشرات استباقية بدلاً من الاعتماد على المؤشرات المتأخرة إلى جانب إدارة التوقعات.

وعن الوضع الاقتصادي الحالي في مصر، قال عبد الله إن احتمالات التحسن باتت أكبر مع بدء تعافي الموارد مثل قناة السويس، وبلوغ السياحة مستويات قياسية من حيث الأعداد والإنفاق، إضافة إلى تحسن نشاط القطاع الخاص.

وختم بالقول إن الاقتصاد المصري يتمتع بفرص صعود تفوق المخاطر الهبوطية، باستثناء الصدمات الخارجية التي تخضع لها جميع الدول.


محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».