انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»

بين رهان «التغيير» ومطمح «مواصلة الإصلاح»

انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»
TT

انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»

انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»

يتوجه أكثر من 15 مليون ناخب مغربي، يوم الجمعة المقبل، إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم بمجلس النواب، في ثاني استحقاق تشريعي، بعد دستور 2011، والرابع من نوعه في عهد الملك محمد السادس، الذي تولى الحكم صيف عام 1999. ويتولى مجلس النواب الوظائف التشريعية ومراقبة عمل الحكومة، عن طريق سن القوانين، ومساءلة الحكومة، شفويًا أو كتابيًا، أو عن طريق لجان تقصي الحقائق أو نزع الثقة.
ويعتبر الاقتراع في المغرب، حقًا وواجبًا وطنيًا. فيما يعني الاقتراع باللائحة تقديم كل حزب جميع مرشحيه ضمن لائحة واحدة، للتصويت عليها. ومن خصائصه أنه «يقوم على التمثيل النسبي، حسب قاعدة أكبر بقية». ومن إيجابياته أنه «يقلل من السمة الفردية للانتخاب، حيث تغيب صورة الفرد ويظهر الحزب، وبغياب السمة الشخصية يبرز البرنامج»، بينما تتلخص أبرز سلبياته في أنه «يؤدي إلى (البلقنة السياسية)» و«تكوين أغلبيات غير متجانسة».
ويحدد قانون تنظيمي، يتعلق بتأليف مجلس النواب، الذي أنهى ولايته التاسعة، عدد الأعضاء في 395، ينتخبون بالاقتراع العام المباشر عن طريق الاقتراع باللائحة؛ 305 منهم على صعيد الدوائر الانتخابية، و90 على الصعيد الوطني، تهم النساء والشباب، أقل من 35 سنة. وتواصلت، منذ الساعة الأولى من يوم السبت 24 سبتمبر (أيلول) الماضي حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً من اليوم السابق لتاريخ الاقتراع، الذي تشارك فيه 27 هيئة سياسية، الحملة الانتخابية، وسط أجواء من التجاذب السياسي، بين عدد من الفاعلين السياسيين.
- تشير معطيات عممتها وزارة الداخلية المغربية، مباشرة بعد انتهاء الفترة المخصصة لإيداع التصريحات بالترشيح للانتخابات النيابية (البرلمانية) إلى أن عدد لوائح الترشيح المقدمة برسم كل الدوائر الانتخابية المحلية والدائرة الانتخابية الوطنية، قد بلغ ما يفوق 1400 لائحة، تشتمل في المجموع على نحو 7 آلاف مترشح ومترشحة، منها 1385 لائحة ترشيح تم إيداعها برسم الدوائر الانتخابية المحلية وتتضمن نحو 4800 مترشح ومترشحة، بمعدل 15 لائحة عن كل دائرة محلية. وتمكنت ثلاثة أحزاب فقط، هي حزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب العدالة والتنمية، من تغطية جميع الدوائر الانتخابية. في حين تتوزع نسبة الناخبين بين الذكور والإناث، على التوالي، ما بين 55 و45 في المائة، تمثل فيهم ساكنة الوسط الحضري نسبة 55 في المائة، وهم يتوزعون، حسب الفئة العمرية، بين 19 في المائة لأكثر من 60 سنة، و8 في المائة لمن بين 55 و59 سنة، و20 في المائة لمن بين 45 و54 سنة، و23 في المائة لما بين 35 و44 سنة، و21 في المائة لما بين 25 و34 سنة، و9 في المائة لما بين 18 و24 سنة.
* الطريق إلى 7 أكتوبر
لعل أهم ما يميز الانتخابات الحالية أنها تجري، حسب عدد من المحللين، وسط «تجاذب سياسي حاد» و«احتقان وصراع» لم يقتصر على الأحزاب السياسية المتنافسة، سواء كانت في المعارضة أو داخل التحالف الحكومي، بل امتد إلى مؤسسات الدولة.
ويرى المراقبون أن اقتراع السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، يشكل مسألة حياة أو موت بالنسبة للحزبين الأساسيين المتصارعين «العدالة والتنمية» (مرجعية إسلامية)، و«الأصالة والمعاصرة» (علماني)، بل إن بعضهم شبّه السباق بينهما بسباق «داحس والغبراء».
ويرى الحسين أعبوشي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة في جامعة «القاضي عياض» بمراكش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشهد السياسي والحزبي المغربي الحالي، يمكن قراءته، من خلال استحضار كثير من المعطيات والعناصر: أولها، الحراك الاجتماعي، الذي عرفه المغرب في 2011، وتنامي المطالب بالديمقراطية. وثانيها، الخطاب الملكي لـ9 مارس (آذار) ودستور 2011، الذي تم فيه التفاعل مع المطالب الاجتماعية والسياسية، وبالتالي، الشيء الذي غير كثيرا من المعادلات وفتح المجال لظهور قوى سياسية كثيرة، وخصوصًا التيارات الإسلامية، التي مثلها حزب العدالة والتنمية. أما المعطى الثالث فيتمثّل في تراجع تأثير وقوة أحزاب الحركة الوطنية، ممثلة في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ونسبيا (الاستقلال). وبالتالي فقد عشنا، بعد هذه المرحلة، وصول الإسلاميين إلى المشاركة في ممارسة السلطة، بعد فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية لما بعد 2011، ومن ثم قيادة ائتلاف حكومي تشكل من أربعة أحزاب، هي: العدالة والتنمية، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، قبل أن يعلن (الاستقلال) انسحابه، ويعوض بـ(التجمع الوطني للأحرار)».
ويقول أعبوشي، إن «قيادة حزب إسلامي للحكومة، أدت إلى ظهور أنماط وأشكال جديدة للصراعات الحزبية في المغرب؛ وهي صراعات يمكن أن نميز فيها الصراعات التي كانت مباشرة بين (العدالة والتنمية) و(الأصالة والمعاصرة)، الذي يقدم نفسه على أنه ينتمي إلى وسط اليسار، وعلى أنه حزب حداثي تقدمي، فضلا عن صراعات بين الأحزاب المكونة للائتلاف الحكومي، وخصوصًا بين (العدالة والتنمية) و(التجمع الوطني للأحرار)». وكان لكل هذا، كما يضيف أعبوشي: «انعكاس على المشهد الحزبي الحالي، وعلى عمل الحكومة، من جهة، وعلى الحياة السياسية في المغرب، بصفة عامة. وهو ما سيظهر، بشكل جلي، عندما دخلت هذه الأحزاب في الحملة الانتخابية الجارية، حيث أفرز لنا الوضع صراعًا ثنائيًا واضحًا بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة؛ إذ لم يعد لباقي المكونات الأخرى تأثير كبير في المشهد الحزبي، على الرغم من محاولات الدفع بـ(فيدرالية اليسار) بقيادة نبيلة منيب، وتمكين القوانين الناظمة للانتخابات الأحزاب الصغيرة من الدخول في غمار الاستحقاقات الانتخابية، من خلال تخفيض العتبة الانتخابية إلى 3 في المائة، من ضمان مقعد برلماني. وهذا ما سيساعد على (بلقنة) المشهد السياسي وتشتيت أصوات الناخبين، وبالتالي صعوبة أن يحصل حزب واحد، أو حزبان، أو حتى ثلاثة، على الأغلبية التي تمكنها من تشكيل حكومة في المستقبل».
ولاحظ أعبوشي أن «هذا كله يفسر لنا، اليوم، حدة النقاش السياسي، الذي يصل، أحيانًا، إلى درجة العنف اللفظي في الخطاب السياسي عند الفاعلين السياسيين، خلال مرحلة الانتخابات. كل هذا، من دون أن نغيّب مؤشرات، تتعلق بتنظيم ما عرف بمسيرة (مجهولة الهوية)، بالدار البيضاء، قبل أيام من بدء الحملة الانتخابية، حاملة شعار «لا لأسلمة وأخونة الدولة»؛ فضلا عن الخوض في الحياة الخاصة لرموز وقياديي عدد من الأحزاب السياسية والشخصيات القيادية، وهو ما يتنافى والقيم والأخلاق السياسية».
وأثارت مسيرة الدار البيضاء كثيرًا من ردود الفعل السلبية، الغاضبة والمستهجنة، إلى درجة لم يتجرأ معها أحد على تبنيها، لتشتهر بين المغاربة بـ«المسيرة المجهولة»، ولقد كشفت عن صراع بين وزارتين تشرفان على الانتخابات، هما الداخلية والعدل، بعدما خرج مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، المنتمي للعدالة والتنمية، إلى الرأي العام بـ«إعلان عام» عبر صفحته على «فيسبوك»، قال فيه إنه «لا يستشار ولا يقرر» في كل ما يتعلق بالشأن الانتخابي. وأنه «على بعد ثلاثة أسابيع من انتخابات 7 أكتوبر تقع عجائب وغرائب». ثم أعلن أن «أي رداءة أو نكوص أو تجاوز أو انحراف لا يمكن أن يكون مسؤولا عنها»؛ ليسارع محمد حصاد، وزير الداخلية، بالرد عليه عبر موقع إلكتروني، معتبرًا الأمر مجرد «سوء فهم».
ومن جانبه، رأى إدريس لشكر، الأمين العام للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض، في خلاف الرميد وحصاد، تعبيرًا عن «غياب التجانس في الحكومة»، حيث علق ساخرًا: «أصبحوا يتواصلون فقط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهم غير قادرين حتى على عقد اجتماع».
في حين قال محند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، المشارك في الائتلاف الحكومي الحالي، إنه «كان يجب على وزيري العدل والداخلية، الجلوس إلى الطاولة لحل المشكل الذي عبر عنه الرميد، لا اللجوء إلى التدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي». وأبرز العنصر أن الرميد وحصاد «لم يجر اختيارهما اعتباطيًا للإشراف على الانتخابات، بل في منظومة واضحة وبتعيين من الملك».
* لافتات «ارحل»
والواقع، لم يكن الترخيص لمسيرة «مجهولة»، رفعت خلالها لافتات «ارحل» ضد رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، قبل أيام من الاقتراع، الخلاف الوحيد بين العدالة والتنمية ووزارة الداخلية، التي منعت، قبل ذلك، الشيخ السلفي حماد القباج من الترشح باسم العدالة والتنمية. لذلك، تحدث ابن كيران عن مناورات، تعرض لها حزبه «من اليمين ومن الشمال»، إلى أن «أراد الله أن يفضحهم فنظموا المسيرة المعلومة»، التي رأى أنها «ليست حدثًا ومر، بل هي علامة فارقة، بخصوص ماذا يريد المغاربة. هل يريدون ناسًا معقولين، يقولون لهم الحقيقة، ويبينون لهم كيفية إصلاح أمور البلاد بتدرج، أم يريدون من يبيعهم الأوهام؟».
وأثار ترشيح ومنع القباج جدلاً كبيرًا، بين مرحب ومعارض. وذهب العماري، أمين عام حزب الأصالة والمعاصرة، إلى القول بأن حزبه كان يرغب في ترشيح مغربي يهودي الديانة في مدينة مراكش، لمواجهة القباج. سوى أن هذا الأخير منع من الترشح، كما أن المرشح الذي كان ينوي حزبه ترشيحه اعتذر لأسباب شخصية. ثم استدرك قائلا: «أنا ضد المنع. وترشيح مغربي يهودي للانتخابات التشريعية كنا نريده تعبيرًا عن مغرب نريده متعددًا».
من جهته، لم يفوّت ابن كيران الفرصة لينتقد قرار منع القباج، حيث قال: «وماذا به حماد القباج؟ ما هي مشكلته؟ قالوا عنه إنه سلفي. وماذا بعد؟.. هو سلفي متنور. يحب بلده وملكه، كما ساهم في حملة التصويت لصالح الدستور. فكيف نتنكر له هو وأمثاله ممن يجعلون من التيار السلفي تيارًا إيجابيًا مشاركًا في المجتمع، يقف في وجه الإرهاب والتطرف والتشدد؟».
وفي غمار التحضير للانتخابات، أصدر الديوان الملكي، في 13 سبتمبر الماضي، بيانًا تضمن انتقادات قوية لنبيل بن عبد الله، وزير السكنى وسياسة المدينة، وأمين عام حزب التقدم والاشتراكية (يسار)، وذلك على خلفية تصريحات وصفها القصر بالـ«خطيرة»، تتعلق بفؤاد عالي الهمة، مستشار العاهل المغربي ومؤسس حزب الأصالة والمعاصرة المعارض، قبل أن يصبح مستشارًا ملكيًا. ووصف البيان تلك التصريحات بأنها «ليست إلا وسيلة للتضليل السياسي في فترة انتخابية تقتضي الإحجام عن إطلاق تصريحات لا أساس لها من الصحة». وكان ابن عبد الله، قد قال، في حوار إن مشكلة حزبه ليست مع حزب الأصالة والمعاصرة، بل مع من أسسه، وهو من يجسد التحكم، ليرد الحزب، بعد ذلك، بأن «الموضوع في الأصل يتعلق بنزاعات حزبية محضة لم يكن أبدا في نية حزب التقدم والاشتراكية وأمينه العام إقحام المؤسسة الملكية فيها بأي شكل من الأشكال».
* حسابات الأحزاب
بدا ابن كيران، في تجمعاته الخطابية، منسجمًا مع شعار «صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح»، الذي رفعه حزبه، في الانتخابات الجارية، ولذلك تعهد بمواصلة الإصلاح إذا فاز حزبه بولاية ثانية. وتحدث عن حصيلة حكومته، فقال إنه «كان لا بد من الإصلاح لإنقاذ المركب من الغرق، ولم يكن هناك مفر من الإصلاح، على الرغم من أني كنت أعرف أنه يمكن للناس أن يخرجوا إلى الشارع». وزاد ابن كيران مخاطبا أعضاء حزبه: «نحن واثقون بأننا سنستمر في هذا الطريق؛ لأن أمن البلاد واستقرارها لا يباع ولا يشترى».
على خلاف العدالة والتنمية، المتشبث بـ«مواصلة الإصلاح»، رفع الأصالة والمعاصرة، شعار «التغيير، الآن». بل إن أمينه العام، إلياس العماري، قال إن الحكومة المقبلة، التي ستتمخض عن اقتراع 7 أكتوبر المقبل، ستكون ملزمة، بغض النظر عن مكوناتها، باتخاذ جملة من الإجراءات والتدابير، من قبيل رفع نسبة النمو، وتقليص المديونية، ورفع نسبة الاستثمار، وخلق فرص الشغل، ورقمنة الإدارة، ومحاربة الفساد، وإصلاح صندوق المقاصة (صندوق دعم المواد الأساسية) والتدبير الجيد لإصلاح أنظمة التقاعد، وإلا فـ«إننا سنباع في المزاد العلني»، حسب تعبيره. وفيما يتعلق بخريطة التحالفات، التي يمكن أن تتمخض عنها نتائج الاقتراع، استبعد أي إمكانية للتحالف مع العدالة والتنمية، حيث قال: «من المستحيل أن يكون هناك تحالف بين الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، لأننا ننتمي لمشروعين مجتمعيين متناقضين تمامًا».
وهكذا، وبينما تشتد الخصومة بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، ترفض باقي الأحزاب، وبخاصة الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، حصر التنافس الانتخابي في البلاد بين هذين الحزبين، فقط. وذهب لشكر أبعد، في تشريحه حالة التجاذب التي تميز المشهد الحزبي المغربي، فقال إن الصراع «أصبح محصورًا بين مشروعين، الأول ديمقراطي حداثي والثاني محافظ رجعي»، مبرزًا أن تحالفاته لا يمكن أن تخرج عن الأحزاب التي تشاركه المشروع الحداثي الديمقراطي.
* خيار ثالث
في هذه الأثناء، تميّزت الاستعدادات للانتخابات الجارية بالحديث عما سمي بـ«التيار الثالث»، الذي تمثله، بالأساس «فيدرالية اليسار الديمقراطي» التي تسعى إلى تكوين توجه سياسي يخالف توجه قطبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة.
ويرى أعبوشي أنه «في سياق التقاطب السياسي الحزبي الثنائي بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، ظهرت دعوات إلى المراهنة على (خيار ثالث)، من أجل تحقيق التوازن بين هذين الحزبين الغريمين، وذلك من خلال دفع بعض قوى اليسار، بقيادة نبيلة منيب، من أجل لعب دور وتقديم البديل الموضوعي الذي يفرز إجابات على الطلبات الاجتماعية في سياق آخر». وباستخدام عبارة «الخط» أو «الطريق» أو «الخيار» الثالث، تريد فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن تتميز من جهة، عن الإسلاميين في العدالة والتنمية، ومن جهة أخرى، عن الأصالة والمعاصرة الداعي إلى التغيير، والذي يقدم نفسه حزبًا حداثيًا تقدميًا.
وترى منيب، الأستاذة الجامعية، البالغة من العمر 56 سنة، والمرأة الوحيدة التي تقود حزبا سياسيا في المغرب، أن «الجزء الذي يوصف بالمحافظ (أي الإسلاميين) أثبت أنه يتبنى من وجهة النظر الاقتصادية النيو - ليبرالية، بكل آثارها المضرّة. أما القطب الآخر، الذي يسمى حداثويًا جزافًا، فلم يتحدث يومًا عن الحداثة». وتذهب القيادية اليسارية إلى القول بأن «الطرفين لا يلبّيان تطلعات المغاربة، أي إرساء ديمقراطية حقيقية»، قبل أن تقدم اختيارات وقناعات حزبها، قائلة: «نحن نقف بينهما، ونقترح خطًا، هو طريق إصلاح سياسي حقيقي، عبر فصل بين السلطات».
* شعار لكل حزب
لقد رفعت الأحزاب المغربية المشاركة في الاستحقاق الانتخابي شعارات مختلفة، جاءت، إلى حد ما، معبرة عن تموقع كل واحد منها، خلال الولاية التشريعية السابقة، إما في المعارضة أو باعتباره حزبا مشاركا في الحكومة، والاستراتيجيات التي رسمتها لنفسها، خلال المرحلة المقبلة. لذلك رفع التقدم والاشتراكية شعار «المعقول لمواصلة الإصلاح»، والأصالة والمعاصرة شعار «التغيير، الآن»، والاستقلال شعار «تعاقد من أجل الكرامة». وفي حين اختار العدالة والتنمية شعار «صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح»، اختار التجمع الوطني للأحرار «جميعًا من أجل تحرير الطاقات، وتعزيز التضامن»، وفيدرالية اليسار الديمقراطي «معنا؛ مغرب آخر ممكن.. مغرب الديمقراطية.. مغرب المواطنة»، والحركة الشعبية «التزام من أجل المغرب»، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية «55 كفى.. 555 تدبيرًا».
* التعددية الحزبية خيارًا
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال إدريس لكريني، أستاذ القانون العام، بجامعة «القاضي عياض»، في سياق تناوله للتفاوت الحاصل في شعارات الأحزاب، إن «المغرب اعتمد، منذ أول دستور له بعد الاستقلال، التعددية الحزبية خيارا استراتيجيا؛ على اعتبار أن المجتمع المغربي هو غني بتنوعه؛ واعتبارًا لكون الديمقراطية هي آلية لتدبير هذا التنوع والاختلاف بشكل سليم وسلمي». وأردف أن «الانتخابات التشريعية تشكل إحدى المناسبات التي يفترض أن تعكس هذا التنوع والاختلاف من حيث الأولويات والتحالفات وطبيعة البرامج والشعارات».
ولاحظ لكريني أن «اعتماد الشعارات المختصرة في الانتخابات له وقع كبير على الناخب بمختلف توجهاته ومستواه الفكري والتعليمي؛ ذلك أن الأمر يسمح بإيصال إشارات رسائل غالبًا ما تكون بسيطة وواضحة في مضمونها تتعلق بأولويات وانتظارات مفتقدة أو نادرة، تطمح لها فئات واسعة من المواطنين، كما هو الشأن بالنسبة لـ(المعقول) الذي يحيل إلى اعتماد الجدية في الأداء؛ أو (التغيير) أو (الكرامة) أو (الإصلاح)، أو (التضامن) أو (المواطنة)». غير أن مواكبة أجواء الحملة الانتخابية، يختم الكريني، تظهر أن «بعض الأحزاب تركز على أسلوب القذف والشتم والإساءة لخصومها من الأحزاب سبيلاً للتنافس، أكثر من تركيزها على مضامين برامجها وشعاراتها؛ وهو ما تكون له تبعات سلبية على مستوى التصويت لصالحها أو من حيث التأثير في نسبة مشاركة الناخبين بشكل عام».
* الصورة بألف كلمة
وحقًا، أثار «اتفاق» أغلب قادة الأحزاب المغربية على «النزول» إلى الأسواق الأسبوعية، بالبوادي أو الأسواق والأحياء الشعبية بالمدن، بالموازاة مع حرصهم على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة «فيسبوك»، للتواصل مع الناخبين، في محاولة لاستمالتهم للتصويت على مرشحيهم، انتباه وفضول المغاربة، متتبعين للشأن العام أو مواطنين عاديين.
ولاحظ لكريني، في هذا السياق، أن «هناك توجهًا من قبل الأحزاب إلى تطوير سبل تواصلها مع الناخبين»، مشيرًا إلى أن «الشعبوية» التي ميزت النقاش السياسي، في السنوات الأخيرة، دفعت الأحزاب إلى «نوع من الاجتهاد في إبداع أدوات تواصلية جديدة مبنية على التفاعل المباشر من خلال زيارة الأسواق الشعبية والتماهي مع المواطنين في بعض السلوكيات، من أكل وشرب».
وإضافة إلى الحملات الانتخابية والمنافسة التي تجري بين مختلف الأحزاب في المدن والقرى، يضيف لكريني: «نتابع حملات تجري أطوارها، بشكل قوي، في العالم الافتراضي، من خلال المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، اعتمادًا على النصوص المكتوبة والصور ومقاطع الفيديو».
* توقعات ما بعد 7 أكتوبر
يتوقع أعبوشي أن تفرز استحقاقات 7 أكتوبر عدة معطيات: أولاها، ستكون على مستوى النتائج، حيث «لن يخرج المتصدر عن ثلاثة أحزاب، هي، من دون ترتيب محدد أو مسبق، العدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، مع التشديد على أن الفرق بين المتصدر والحزبين الباقيين لن يكون كبيرًا، كما كان عليه الحال في الانتخابات التشريعية السابقة، التي تصدرها العدالة والتنمية». ثانيها، أن «هناك مراهنة، من طرف المسؤولين، في المغرب، على أن تكون نسبة المشاركة مرتفعة، وأن تتجاوز 50 في المائة. وكل ضعف أو عزوف عن المشاركة سيطرح نقاشًا حول مشروعية الفائز، ومن خلاله مصداقية عمل الحكومة المقبلة»؛ فيما يشير المعطى الثالث إلى أنه «كيفما كانت النتائج، فستكون هناك صعوبة في تشكيل ائتلاف حكومي منسجم. وهناك توقع، بالنظر إلى هذه المعطيات وإلى الصراعات بين الأحزاب، أن يجد الحزب الفائز صعوبة في تشكيل ائتلاف حكومي».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.