اللقاءات الثقافية العربية.. تفاعل حقيقي أم مناسبات اجتماعية؟

يرى البعض أن المثقفين يتبادلون فيها الابتسامات أكثر من الأنشطة

اللقاءات الثقافية العربية.. تفاعل حقيقي أم مناسبات اجتماعية؟
TT

اللقاءات الثقافية العربية.. تفاعل حقيقي أم مناسبات اجتماعية؟

اللقاءات الثقافية العربية.. تفاعل حقيقي أم مناسبات اجتماعية؟

في المهرجانات الثقافية، يتبادل المثقفون الابتسامات، والإهداءات، وقد يتناولون معًا فنجان قهوة في بهو الفندق، ثم يمضي كل واحد منهم إلى بلده. فهل يتواصلون من جديد لتثمر هذه اللقاءات عن تعاونات في المجالات الإبداعية؟
وماذا عن الاتحادات والروابط الجمعيات الأدبية؟ هل تمد فيما بينها جسور التعاون وتعقد الاتفاقات الفاعلة التي تسفر عن أعمال عربية مشتركة لها وزنها الثقافي؟ أم يقتصر الأمر على مذكرات تفاهم بروتوكولية يظهر فيها رؤساء هذه المؤسسات الثقافية في صورة إعلامية جنبًا إلى جنب كلٌّ منهم ممسك بقلم ومنكب على الورقة يوقع على بنود المذكرة، ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد؟
هذه التساؤلات تتولد في الذهن وأنت ترى قوائم المدعوين إلى بعض المهرجانات العربية وهي تضم ربما مئات الأسماء، كثير منهم تجده في «لوبي» الفندق، والقليل في قاعة المحاضرات أو الندوات والأمسيات، فهل تثمر لقاءات الهاربين من المحاضرات عن اتفاقات جانبية على التواصل والتعاون الشخصي مستقبلاً؟ أم أن التعاون لا يتعدى المدة التي يقتضيها تناول القهوة التي في الفنجان. ثم يلتقي القائمون على المؤسسات الثقافية في غرف جانبية، يحملون ويطمحون إلى أعمال كبيرة، وقد يكتبونها على ورق «التفاهم»، ولكن ما يلبث هذا الورق أن ينتهي بيد السكرتارية ليأخذ رقمًا في الصادر أو الوارد، ثم يغفو أبد الدهر في ملف أنيق؟
هنا قسم من المثقفين العرب يدلون بآرائهم حول غياب أو ضعف التفاعل الثقافي الحقيقي بين بعضهم بعضًا، وبين المؤسسات والاتحاد الثقافية، الرسمية والخاصة.

ثريا البقصمي، كاتبة قصة ورواية كويتية وقبل ذلك هي فنانة تشكيلية، حضرت كثيرًا من المهرجانات المحلية والعربية والدولية، وكان لها «غاليري» خاص بها تستضيف به الفنانين التشكيليين من كل أنحاء العالم، سألتها عن التعاون بين المثقفين فقالت إنها لا تشعر بأي تعاون، بل تعتقد أن المثقفين خارج هذا الجو، وإن «التواصل نادر جدًا وإذا تم فهو من خلال الملتقيات والمؤتمرات، وهو لقاء وقتي ينتهي بانتهاء الحدث». وتستدرك ثريا البقصمي بقولها: «نحن ككتاب عرب نتواصل فقط من خلال الاطلاع على النتاج الأدبي للآخرين ونتفاعل معه سلبًا أو إيجابًا. وأيضًا يحصل ذلك من خلال معارض الكتب، حيث نعطي أنفسنا فرصة للتعرف على الآخرين من خلال نتاجهم، فنقرأهم من دون أن نعرفهم. وقد نعجب بكاتب ما من خلال كتاباته، ولكن تجده على أرض الواقع شيئًا آخر».
تروي ثريا البقصمي تجربة خاصة بها تود من خلالها الإشارة إلى التعامل النرجسي بين المثقفين الذي يحول دون هذا التعاون، فتقول: «التقيت يومًا إحدى الكاتبات في أحد المهرجانات، فنظرت إلي شزرًا وقالت لي: من أنت؟ أنا لا أعرفك، فأجبتها: وأنا أيضًا لا أعرفك، فردت بقولها: أنا معروفة في بلدي»، فأجابتها البقصمي: «وأنا أيضًا معروفة في بلدي». وتتابع: «ولكن خلال الأربعة الأيام مدة المهرجان تعارفنا وأصبحنا أصدقاء، ثم حين افترقنا لم نلتقِ ولم نتواصل، وقد قرأت لها فأعجبتني، ولا أدري إن أعجبها إنتاجي أو لا».
وترى ثريا البقصمي أن التعاون بالنسبة لاتحادات الكتاب يكون على مستوى أعضاء مجالس الإدارات بشكل رسمي، وليست هناك أنشطة مشتركة واسعة، وتعزو ذلك إلى ضعف الميزانيات المخصصة للثقافة، ربما «بسبب الأحوال الاقتصادية لكثير من الدول التي أصبحت تتقشف في الإنفاق على الثقافة».
* لقاءات وقتية
أما الأديبة الكويتية منى الشافعي، فلا يبتعد رأيها كثيرًا عن رأي زميلتها ثريا البقصمي، رغم أن كلاً منهما حصلت على رأيها بشكل منفصل، وهي تجد في الملتقيات الثقافية الأدبية فرصة جيدة وسانحة للتعاون والتعارف والتواصل الذي باستمراره يمكن أن يكسر الحواجز بين الكتاب والأدباء بشكل عام، وكذلك التعرف على ثقافات جديدة ومختلفة، ولكن كل ذلك حسب رأي منى الشافعي لا يستثمر بشكل جيد. تقول: «على مدى سنوات ومن واقع تجربتي الشخصية، فإن أغلب هذه الملتقيات وقتية تنتهي في اليوم الأخير لها. لا ننكر هنا أنها الخطوة الأولى للتقارب والتمازج الفكري والأدبي مع الآخر، ولكن الخطوات الأخرى تعتبر شخصية تعتمد على الكاتب نفسه وكيفية بناء صداقات جديدة مع الآخرين، بحيث تمتد لتثمر أعمالاً أدبية جديدة بعد ذلك». وتختم رأيها بالقول: «في السنوات الأخيرة ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على تفعيل وتقارب هذه الصداقات والعلاقات الأدبية الثقافية، كأنها قامت بدور إيجابي نيابة عن الملتقيات على كثرتها وعلى تنوعها».
* توصيات غير مجدية
الكاتبة الكويتية أمل الرندي، معروف عنها تواصلها الثقافي، ولكن لديها تساؤلات تعبر من خلالها عن جدوى أو عدم جدوى هذه اللقاءات الثقافية، فتقول:
«مما لا شك فيه أن اللقاءات الأدبية والثقافية من خلال المؤتمرات والندوات والصالونات الأدبية من الأمور الهامة لتفعيل الحراك الثقافي. بل هي من الظواهر الحيوية لصحة المجتمع الثقافية. لكن أحيانًا كثيرة تنتهي هذه اللقاءات عند لحظة الوداع وانفراط عقد الاجتماعات واللقاءات وتكون الفائدة فقط محصورة بالنقاش والعصف الذهني للأفكار خلال الندوات أو الأمسيات. ولكن ماذا بعد ذلك؟ هذا هو الأهم، أو الحلقة التي يمكن أن تكون مفقودة».
وتتابع أمل الرندي: «هناك مؤتمرات كثيرة تخرج بتوصيات، ويتم تنفيذها فعلاً ومتابعتها، لأن الجهات التي تقيمها تكون جادة ولديها إمكانيات التنفيذ. هنا تكون الفائدة، وتعود على المجتمع بأثره. وبذلك يكون هناك دور إيجابي للمثقف وفعال.. لكن هناك مؤتمرات تقام بهدف الاستعراض وتسجيل مواقف، فلا تكون منتجة أبدًا حتى لو خرجت بتوصيات». وتعتقد أمل الرندي أنه لا يمكن أن يكون هناك تقدم نوعي في الثقافة وتطوير للأنشطة إلا عبر تلك المؤتمرات التي توظف نشاطها وجهدها في سبيل التطوير والتجديد والتقدم.
أما على مستوى التعاون بين المثقفين في المجال المحلي أو خارجه، فتقول عن نفسها: «بالنسبة لي فإن ذلك من الأمور التي تسعدني، لأن لكل كاتب أسلوبه ومذاقه وبصمته التي تضيف للعمل جمالية ما. وفعلاً قمت بأكثر من مبادرة مع بعض زملائي في مجال أدب الطفل لعمل مجموعة قصصية لتعزز روح المواطنة والانتماء، فهي تعود بالفائدة على أطفال الوطن، لأن التعاون يمنح قوة وفائدة أكبر بالتأكيد على مستوى الأفراد والمؤسسات.. ليتنا ندركها وننفذها حقًا! صحيح أن الكتابة عمل فردي، لكن التعاون لا يكون في كتابة النص الواحد، إنما في المشاريع المشتركة، فيمكن مثلاً الاشتراك في أعمال أدبية هادفة، ضمن مشروع تثقيفي، وهذا أمر مهم علينا أن نسعى لتحقيقه».
* رأي شبابي متفائل
آثرت أن يكون للأدباء الشباب رأي في هذا الموضوع، فهل يشعرون بهذا التعاون أم أنهم مهمشون عنه منذ بداية الطريق، فسألت الشاعر الكويتي الشاب فالح بن طفلة، الذي بدا متفائلاً أكثر من الأدباء الذين سبقوه:
«في أزمنة سابقة كان التواصل بين الأدباء والشعراء لا يتم إلا بشكل نادر ومحدود، كما أن شخصية الأديب كانت شخصية مغمورة في المجتمع، وكان الإعلام في الدول العربية بشكل عام لا يسلط أضواءه إلا على أسماء معينة فقط فيفرض بذلك ذوقه على المتلقي. أما اليوم ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي فقد أصبح التواصل بين الأدباء والشعراء يتم بشكل دائم ومستمر، بل تطور هذا التواصل فتشكل عن طريقه كثير من الملتقيات والمنتديات الأدبية، مثل منتدى المبدعين الذي تقام فعالياته كل أسبوع في رابطة الأدباء الكويتية وغيره من المنتديات التي تعتبر ثمرة من ثمار هذا التواصل المستمر بين الأدباء خصوصًا فئة الشباب». ويرى فالح بن طفلة أن «لوسائل التواصل الاجتماعي كذلك الفضل في تواصل الأدباء مع أقرانهم في الدول العربية وإقامة نشاطات أدبية مشتركة بينهم. ولا ننكر كذلك النشاط الأدبي للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الذي يقيم سنويًا كثيرًا من الأمسيات لشعراء من الكويت وخارجها، وكذلك الجهود المشكورة التي تقوم بها مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للشعر العربي، فدورها رائد في مجال الشعر والأدب بشكل عام فتحرص على إقامة المنتديات الأدبية البحثية النافعة، هذا بالإضافة إلى مهرجان ربيع الشعر الذي يجمع الشعراء من مختلف أقطار العالم العربي والإسلامي».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.