حفتر يقلب الطاولة

تحالف القبائل والجيش يربك المشهد الليبي

حفتر يقلب الطاولة
TT

حفتر يقلب الطاولة

حفتر يقلب الطاولة

قَلَبَ الجنرال الليبي خليفة حفتر الطاولة على خصومه. فعلَ مثلما فعل أسلافه ممن وصلوا إلى حكم البلاد، خلال عشرات السنين الماضية، انطلاقًا من الشرق، أو مما يُعرف بـ«إقليم برقة». ليس شرطًا أن يتولى حفتر مسؤولية إدارة البلاد، لكن، على الأقل، يمكنه أن يمهد لمرحلة جديدة عقب سيطرته، قبل أيام، على نحو ستين في المائة من مصادر النفط وموانئ تصديره. وللعلم، يضم الشرق قبائل لها أصول منتشرة في عموم ليبيا. وأدى هذا إلى ظهور مقولات أصبحت شائعة منها أن مَن يسيطر على الإقليم يمكنه، بكل سهولة، أن يُخضع باقي البلاد لسلطته. وتوجد توقعات بتحرك جنرال الجيش لتحرير مناطق جديدة قرب العاصمة من «الميليشيات».
يقول الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، الدكتور محمد الزبيدي، لـ«الشرق الأوسط»، لدى سؤاله عن مستجدات الوضع في ليبيا: «توقعوا مفاجآت جديدة من القوات المسلحة العربية الليبية». والواقع أن الجيش بقيادة خليفة حفتر أربك العالم بتحركه في الهلال النفطي، رغم أنه محروم من العتاد، بقرار دولي منذ 2011. ولكن يوجد مؤيدون لعمل الجيش، مثل الدكتور الزبيدي، والمحلل السياسي الليبي، ابن برقة، عبد العزيز الرواف، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» من مدينة طبرق، إن «الجيش بقيادته المحترفة وبأفراده المدربين، استطاع أن يفاجئ العالم». لكن هناك في طرابلس ومصراتة، من يخشون من تزايد قوة حفتر. ومن بين هؤلاء مَن كان يعوِّل منذ البداية على المجلس الرئاسي، المدعوم من الأمم المتحدة ومن دول غربية أخرى، في توحيد البلاد، من خلال حكومة وفاق وطني.
ويحلو لمتحدثين في منتديات ليبية في القاهرة تناول موضوع بلادهم ببساطة شديدة.. أي باعتباره منافسة محمومة بين شرق البلاد وغربها. وعلى هذا القياس تبدو فرضية انتصار الغرب ضعيفة، حتى لو كانت الميليشيات التي لديه، بما فيها قوات «البنيان المرصوص»، مدججة بالأسلحة وتتلقى مساعدات في الخفاء من دول كبيرة ومقتدرة.
* البداية
بدأت المعضلة بين شرق ليبيا ذي الطابع القبلي وغربها الأقل تمسكا بتقاليد القبائل منذ انتخابات البرلمان في 2014. في الجانب الغربي من البلاد يعد اللاعب الرئيسي هما مدينتي طرابلس ومصراتة. طرابلس لها ميليشيات ومصراتة لها ميليشيات. شكلا وحدة واحدة عرفت باسم «فجر ليبيا» وبدأت الحرب ضد البرلمان الجديد، مما اضطره إلى نقل جلساته للانعقاد في طبرق، في أقصى الشرق، وسط قبائل القطعان والمنفة والحبون وغيرها بالإضافة إلى قبيلة العبيدات التي ينتمي إليها رئيس البرلمان المستشار عقيلة صالح.
وبدأ زعماء من إقليم برقة يشعرون بأنهم في حالة عداء مع قادة من إقليم طرابلس. وزاد الطين بلة قيام كثير من ميليشيات الغرب بدعم معظم ميليشيات مدينتي بنغازي ودرنة لقتل رجال الجيش والشرطة، ولمحاربة البرلمان وحكومته برئاسة عبد الله الثني. والثني الذي يدير وزارته من الشرق، من أبناء مدينة غدامس الواقعة جنوب غربي طرابلس. وعلى هذا استمر البرلمان والجيش والحكومة في العمل على أساس أنهم يمثلون ليبيا وليس الشطر الشرقي من البلاد فقط، كما كان يشيع قادة في طرابلس ومصراتة.
في هذه الأثناء كان الجيش يرتب أوضاعه، لكي يؤسس له مقرات وارتكازات عسكرية في الجنوب والغرب. وشعرت عدة ميليشيات من جماعة الإخوان ومن الجماعة الليبية المقاتلة، بخطر المنظومة الجديدة للقوات المسلحة، بقيادة حفتر. هنا ظهرت مقترحات البعثة الأممية بضرورة إجراء حوار بين الأطراف المتحاربة والمتخاصمة. وعلى ذلك وافق قادة البرلمان، ورئيسه صالح الذي يعد، وفقًا للإعلان الدستوري، أعلى سلطة في البلاد، وبمثابة رئيس للدولة، على الانخراط في الحوار برعاية الأمم المتحدة، لكنها كانت فيما يبدو موافقة تنقصها الحماسة.
* مساعي الأمم المتحدة
رغم كل شيء بدأت مفاوضات البعثة الأممية بين عدة أطراف ليبية في بلدة الصخيرات بالمغرب، واستمرت أكثر من سنة، إلى أن انتهت بمولد مجلس السراج مع وجود رائحة عن ميل المنظمة الدولية لقادة طرابلس ومصراتة.. لقد كان قادة الشرق يخشون، منذ البداية، من التهميش، ومن إعادة نظام حكم الميليشيات مرة أخرى. لا يملك البرلمان قوة يؤكد بها شرعيته إلا قوة الجيش وقائده حفتر ومساندة القبائل له.
وفي المقابل.. ولكي يتمكن السراج من العمل، كان لا بد من إجراءات يتخذها له البرلمان، مثل تضمين اتفاق الصخيرات في الإعلان الدستوري المعمول به كدستور مؤقت للبلاد، وحل مشكلة البند الوارد في الاتفاق، الخاص بتحكم المجلس الرئاسي في شؤون الجيش والمخابرات، ومنح حكومة التوافق الثقة. وظل البرلمان يماطل.
وعلى هذا أخذت قيادات في غرب البلاد تتهم قبائل في الشرق والجيش الوطني بأنها اختطف البرلمان وتمنعه من التصديق على حكومة السراج التي ظلت، حتى الآن، دون غطاء شرعي. وفي الوقت نفسه مطلوب من السراج أن يحل المشكلات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وكلها مشكلات كبيرة تراكمت وتضخمت في السنوات التي أعقبت سقوط نظام القذافي.
من جانبه لم يشأ السراج أن يقف مكتوف الأيدي. قام بجولات واستشارات مع مَن يدعمونه في غرب البلاد وفي الخارج. وأخيرا، اتخذ الرجل مجموعة قرارات، أيدها المبعوث الأممي لليبيا، مارتن كوبلر، للخروج من المأزق، لكنها تسببت على ما يبدو في تعقيد المشكلة مع قادة الشرق، خصوصًا البرلمان والجيش، بالإضافة إلى قبائل أخرى.
إغراء قبائل في شرق البلاد لتأييد السراج، كان رهانا محفوفا بالمخاطر. فإحدى هذه القبائل ينتمي إليها قائد الميليشيا المتحكمة في موانئ تصدير البترول في منطقة الهلال النفطي. والأخرى ينتمي إليها وزير الدفاع الذي اختاره السراج في حكومة الوفاق. لكن تحرك حفتر أطاح بكل الخطط.
من طرابلس يقول طارق القزيري، الرئيس السابق للمركز الليبي للدراسات، وأحد مستشاري الحوار والاتفاق السياسي الذي أنتج المجلس الرئاسي، إن المجلس، بعد التطورات الأخيرة، أي بعد دخول الجيش إلى منطقة الهلال النفطي، وبعد عراقيل مختلفة، أصبح موقفه «ليس على ما يرام». ويضيف موضحا أن المجلس الرئاسي «بات الآن في مهب الريح.. سواء من حيث الأداء، أو قوة المناهضين له، بالإضافة إلى عجز الغرب عن تقديم دعم فعلي. كل هذا جعل الحديث عن مصير (المجلس) الرئاسي، منطقيا وغير مستهجن حتى عند أقرب مؤيديه».
بينما يقول الدكتور خليل المجعي، ابن مدينة مصراتة، وهو أستاذ للقانون ومستشار وناشط سياسي معروف، إن سيطرة حفتر على الموانئ النفطية «هو أمر تختص به حكومة الوفاق الوطني. هي وحدها الحكومة الليبية الشرعية في البلاد. ويجب أن تنظر إلى الأمر وتدرسه في إطار المصلحة العليا للوطن».
* نظرة جغرافية وأنثربولوجية
وأيا ما كان الأمر فإن الشرق الليبي يعد مفتاح التغيير السياسي والعسكري في ليبيا. وقد يرجع السبب لمدينة بنغازي التي تعد ثاني أكبر المدن، وتضم خليطا من عشرات القبائل التي تعود أصولها إلى مناطق ليبية مختلفة. أي أن ما يمكن أن يتفق عليه القادة في عاصمة الشرق، من السهل أن يسري في النهاية على ليبيا ككل.. ينظر كثير من شيوخ العشائر إلى بنغازي التي يتخذ منها الجيش مركزا لعملياته في عموم البلاد، بوصفها «ليبيا مُصغَّرة». ويقول أحد القادة العسكريين من مقر العمليات إن المدينة تاريخيًا هي مفتاح الحل والربط، ومن يسيطر عليها يحكم ليبيا.
ومما يُذكر في هذا السياق أن الجيش الذي حرّر ليبيا من الاستعمار، في بداية أربعينات القرن الماضي، تحرك انطلاقا من الشرق. كما أن خطاب الاستقلال الذي ألقاه الملك من شرفة القصر، في مطلع الخمسينات، كان من الشرق أيضا. حتى الضابط الشاب معمر القذافي، حين أراد أن يعلن عن حركته التي أوصلته إلى الحكم عام 1969، اختار الشرق. كما أن «ثورة 17 فبراير» التي قضت على حكمه في 2011، انطلقت شرارتها الأولى، كذلك، من شرق البلاد.
ويعيش في الشرق الليبي، أكثر من ثلث سكان البلاد. ويحد المنطقة من الغرب، إقليم طرابلس الذي تشكلت فيه دويلة صغيرة مع نهاية العهد العثماني في ليبيا، قبل أكثر من مائة سنة، لكن هذه الدويلة لم تتمكن من الحياة والبقاء إلا بعد أن تحالف قادتها مع زعماء الشرق في «ليبيا موحدة».
ويحد المنطقة من ناحية الجنوب الغربي إقليم فزان الصحراوي الشاسع، والغني بالواحات والتمور والثروات المعدنية. وتطل معظم مدن إقليم برقة على ساحل البحر المتوسط، مثل درنة وطبرق وبنغازي، لكن الأغلبية من السكان لديها نزوع للتأقلم مع حياة الصحراء ورعي الأغنام وتربية الإبل أكثر من حياة البحر وصيد السمك والسياحة الشاطئية. كما تضفي مروج الجبل الأخضر مسحة شاعرية على الثقافة العامة. ومن مدن الشرق خرجت رموز في الفنون والثقافة وخرج كتاب ومطربون وموسيقيون، رغم أن بعض هذه المدن تحولت لملاذ للميلشيات المتطرفة بعد سقوط نظام القذافي، إلى أن تصدى لها الجنرال حفتر أخير.
وما زالت توجد بيوت قديمة تقع على اللسان البحري لمدينة طبرق وفي ضواحي بنغازي، تخص قادة عسكريين آخرين من قبائل الشرق والوسط والغرب والجنوب كانوا يعملون مع القذافي، بينهم من ينتمي لقبيلة الفرجان (قبيلة خليفة حفتر)، وقبيلة العواقير وقبائل القطعان والمنفة والورفلة والمقارحة والقذاذفة والمغاربة، وغيرها من القبائل.
وفي الخطوة الأخيرة التي أربكت المشهد، انتزع حفتر موانئ تصدير النفط، وهي موانئ يعتمد عليها الشعب الليبي في تمويل مأكله ومشربه. لك أن تتخيل حالة الفقر وارتفاع الأسعار وتأخر صرف الرواتب، إذا علمت أن كمية صادرات النفط لم تكن تزيد طوال الفترة الأخيرة، في المتوسط، عن ربع مليون برميل يوميًا، بعد أن كانت لا تقل، في السابق، عن مليون ونصف المليون برميل يوميًا.
هناك وقائع تاريخية ينبغي عدم تجاهلها في ليبيا، منها أهمية التحالف بين القبائل والجيش. ويقول الدكتور الزبيدي، وهو من قبيلة ورفلّة، ومن أبناء مدينة بني وليد شمال غربي سرت، إن القبائل كان لها دور مهم في استعادة الجيش لموانئ التصدير و«قوت الشعب». ويبدو أن الأمم المتحدة لم تضع هذين الفريقين في الحسبان، منذ بدأت في جمع بعض الليبيين حول مائدة الصخيرات.
حين جاء السراج إلى طرابلس، أواخر مارس (آذار) الماضي، لم تستقبله رموز القبائل الكبيرة ولا الجنرال حفتر، ولكنه وصل إلى شاطئ طرابلس في مركب تحت جنح الظلام. واستقبلته ميليشيات مسلحة من الغرب الليبي لحمايته على أمل أن تحصل على غطاء رسمي لعملها الموازي لعمل الجيش والشرطة. السراج ابن طرابلس. لا ينتمي إلى قبيلة كبيرة تُذكر مثل القبائل الرئيسية الأخرى. ومع ذلك كانت أطراف داخلية وإقليمية ودولية تضغط عليه لكي يسير بالمركب إلى بر الأمان.
وفي هذا الإطار اضطر أخيرًا لأن يلقي بكل ما معه من أوراق على الطاولة.. الورقة الأولى حشد بها ما تيسر من ميليشيات لمحاربة «داعش» في سرت. ونصَّب نفسه لهذا الغرض قائدًا أعلى للجيش الليبي. الورقة الثانية العمل على استقطاب قبائل الشرق. وساعد كلّ من كوبلر، وأطراف دولية أخرى، منها بريطانيا والولايات المتحدة، في هذا الاتجاه. كان الأمل حشد التأييد للسراج والثناء على نجاحه في «لمّ شمل الليبيين» قبل الاجتماع السنوي للأمم المتحدة. لكن البرلمان والقبائل وحفتر، أفسدوا الأمر برمته.
* دور مناصري القذافي
ويشير الدكتور الزبيدي إلى اشتراك قادة عسكريين كبار من الموالين لنظام القذافي ومن الموالين لـ«ثورة 17 فبراير » التي أطاحت به، في «تحرير الموانئ النفطية في المنطقة الشرقية والوسطى من سطوة الميليشيات، ويستعدون للتحرك في الجنوب والغرب أيضا». ويضيف أن المستغرب هو دعوة كوبلر للجيش بالانسحاب من موانئ التصدير، وكأنه يريد أن يحدد له أماكن تمركزه.
ويقول إنه رغم ذلك أثبت الجيش وطنيته بأن دعا المؤسسة الوطنية للنفط (تابعة لحكومة السراج) للحضور والإشراف على تصدير النفط وبيعه والتصرف فيه، وهذه الخطوة أدت إلى «إفراغ المجلس الرئاسي من محتواه»، لأن هذا المجلس نفسه كان وقتها يدعو الميليشيات إلى التوجه للموانئ النفطية ومواجهة الجيش وإشعال الحرب فيها، بينما المؤسسة الوطنية للنفط رأت فيما قام به الجيش «عملاً وطنيًا بامتياز».
ويضيف أن الجيش الليبي بتحريره موانئ النفط قطع الطريق بشكل نهائي على موضوع تقسيم ليبيا، وأفشله. وقضى على أفكار الفيدرالية.. «كل ذلك أدى أيضًا إلى تراجع السراج عن تصريحاته العنترية، وبدأ يتحدث طالبًا الحوار وعدم الاقتتال».
يبدو أن موقف المجلس الرئاسي أصبح معقدًا، لأن تحرك حفتر لم يكن فرديًا. يقول الرواف إن تحرك الجيش سبقه عمل سياسي واجتماعي قادته عدة أسماء سياسية واجتماعية منهم برلمانيون، وأيضًا شيوخ وعمد قبائل ليبية، في مقدمتهم شيخ مشايخ قبيلة المغاربة التي تمتد على مساحة شاسعة في ليبيا، ويعتبر قائد الميليشيات التي كانت تحتل موانئ النفط، إبراهيم الجضران، أحد أفرادها، لكن القبيلة آثرت الوطن ومصلحته.
على الجبهة الأخرى، وقبل أسابيع، كان يوجد اعتقاد بأن السراج لو تمكن من دحر «داعش» في سرت، سيحصل بكل سهولة على ثقة البرلمان. ولهذا وقف معه المجتمع الدولي في هذه الحرب. لكن البرلمان لم يعطه مراده. لو كان البرلمان صادَقَ على حكومته لكان في مقدوره الحصول على 67 مليار دولار من الأموال الليبية المجمدة في الخارج، ولأنعش بها السوق ولشعر عامة الناس بفاعليته.
أما ملف الشرق القبلي، فقد فتحه السراج أيضًا قبل ثلاثة شهور من أجل تفتيت التكتل المناوئ له، وذلك من خلال ما اعتقدَ أنه النجاح في استقطاب اثنتين من القبائل المعتبرة. هاتان القبيلتان هما قبيلة المغاربة التي ينتمي إليها الجضران، وقبيلة العواقير التي ينتسب لها وزير الدفاع في حكومة المجلس الرئاسي، مهدي البرغثي، وهو ضابط كان يعمل مع حفتر في بنغازي. لكن هذا كله اتضح أنه لم يكن يعني شيئًا، بعد طرد حفتر للجضران من الموانئ، وظهور الجيش متماسكًا حتى بعد موالاة البرغثي للسراج.
* النفط والتحديات الأخرى
ويقول القزيري إن «تحركات الجيش التابع للبرلمان كانت تستهدف بالأساس إقصاء أو تهميش خصوم خليفة حفتر في المنطقة الشرقية خاصة الجضران والبرغثي، لكي يتمكن بذلك من تأمين جبهته الداخلية عبر إتمام تحشيد قبائل المغاربة والعواقير». ويضيف أن خطوط التماس الآن باتت «واضحة جغرافيا»، و«إذا لم تحدث تفاهمات وصفقات سياسية منتجة وقابلة للحياة، فقد نشهد تصعيدا في الجنوب وفي تخوم العاصمة طرابلس».
ويتساءل القزيري عما إذا كان الحديث سيكون، بعد التطورات الأخيرة، عن «ما بعد (المجلس) الرئاسي؟ أم ما بعد الاتفاق السياسي؟»، ويقول إنه «ما لم تحدث تغيرات دراماتيكية سيكون السؤال: أي شكل جديد للمجلس الرئاسي؟ الذي لن يكون تُساعيًا (يضم تسعة أعضاء حاليا) ولا موسعًا، بلا أدنى شك».
وعلى كل حال فإن ما يهم الليبيين هو تصدير النفط. وهذا محور اهتمام عدة دول لديها شركات تعمل في هذا المجال.. هل ستذهب حصيلة النفط إلى الشرق أم إلى الغرب؟ ويقول القزيري إنه من الواضح أن تحرك حفتر في موانئ التصدير لم يحسب حساب ردود الفعل الدولية، في البداية، لكن حين ظهرت الضغوط «ترتب عليها تسليم الموانئ النفطية، واحتواء غضب الدول الغربية ومجلس الأمن الدولي، ليكون بيع النفط لصالح المجلس الرئاسي وبنك ليبيا في طرابلس».
ومن جانبه، يوضح الدكتور المجعي قائلا من مصراتة إن ليبيا اليوم أمام تحديات جسيمة، منها تحديات أمنية واقتصادية ملحة. واستمرار أزماتها قد يعصف بوحدة الوطن واستقراره. ويضيف أن «هذه الأزمة هي جزء من أزمة كبرى وهي الانقسام السياسي. انعكس هذا في تشظي المؤسسات العامة بالدولة، خصوصًا مؤسسة الجيش والشرطة. وهذه الأزمة لن تحل إلا بالحوار السياسي بين كل الأطراف. وهدا الحوار يجب أن ينطلق من حيث انتهت آخر نتائجه». أما إذا لم يكن هناك حوار، فيرى المجعي أن ليبيا «لن تنعم باستقرار أو أمان بل المزيد من الانهيار الأمني والاقتصادي الذي يمكن أن تمتد آثاره إلى خارج البلاد».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.