في الوقت الذي تتزايد فيه حركة الاحتجاجات في الشارع الفنزويلي وتعاني البلاد النقص الحاد من السلع الأساسية، تأتي دعوات المعارضة الفنزويلية لإجراء استفتاء قبل نهاية هذا العام لمشروعية بقاء الرئيس في السلطة.
وتراهن المعارضة الفنزويلية التي تسيطر على البرلمان بأغلبية كبيرة على إجبار الرئيس نيكولاس مادورو على التخلي عن السلطة وتغيير مسار البلاد إلى نموذج ليبرالي يحاكي دول الجوار. وتأتي احتجاجات المعارضة وسط تلكؤ الحكومة الفنزويلية من تحديد ميعاد لإجراء الاستفتاء، كما أن السلطات القضائية في البلاد أصبحت تتدخل لرفض تشريعات البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة. وازدادت حركة الاحتجاجات أخيرا تزامنا مع احتضان فنزويلا قمة دول عدم الانحياز التي تعقد في جزيرة مارغاريتا الفنزويلية بين 13 وإلى 18 من هذا الشهر. وطبقا لمصادر في المعارضة، فإن قوات الأمن منعت المظاهرات ووصول أعضاء المعارضة إلى الجزيرة.
يأتي ذلك بعد أن خططت المعارضة إيصال صوتها إلى الدول المشاركة التي تصل إلى 120 دولة، وتطلعهم على ما يدور في البلاد. وتقول المعارضة إن حكومة مادورو تسعى لاستمداد شرعية بعقد هذه المؤتمرات داخل البلاد التي أصبحت تشهد صراعا سياسيا.
التقت «الشرق الأوسط» واحدة من بين الشخصيات المحورية التي تتزعم المسيرات والقيادات السياسية المطالبة بإحداث تغيير في السلطة في فنزويلا والعودة إلى الديمقراطية، وهي ماريا كورينا ماشادو. وخلال الحوار، أكدت ماشادو أنها ليست خائفة من التنديد بتجاوزات نظام مادورو، أو مناقشة الروابط القائمة بين الحكومة وجماعات إرهابية إيرانية ونشاطات الاتجار بالمخدرات.
* ماذا استفاد الفنزويليون من المسيرات التي جابت كاراكاس؟
- هناك الكثير من الدروس، أولها أن الفنزويليين قطعًا كسروا حاجز الخوف. كانت الأعداد التي خرجت إلى الشوارع في الأول من سبتمبر (أيلول) مثيرة للإعجاب حقًا، بل كانت استثنائية. ومع ذلك، فإن الأمر الأهم من وجهة نظري يكمن في التوجه الذي يبديه المواطنون. لقد تجولت عبر مختلف أرجاء كاراكاس ذلك اليوم، وعاينت هذا الشعور بالوعي المدني وبالحزم في صفوف المواطنين الذين عمدوا إلى اجتياز شتى أنواع العقبات: المادية والاقتصادية والنفسية كي يحتشدوا بالشوارع. إن هذه المسيرات إشارة مهمة تنبئ عن أن الفنزويليين على استعداد لمواجهة وهزيمة النظام الديكتاتوري، والمضي قدمًا بطريق الديمقراطية لإعادة بناء البلاد.
* هل نجحت مسيرات المعارضة في تحقيق أهدافها؟
ـ أعتقد أن ثمة نتائج استثنائية تحققت. لقد عاين العالم أجمع الحشود العارمة بمختلف أرجاء البلاد، وليس في كاراكاس وحدها، حيث لم يسمح للكثيرين بالوصول إلى المسيرات. لقد خرج الناس في مسيرات منظمة ومتحضرة، تبدو على النقيض تمامًا من المسيرات الرسمية التي تعج بموظفي القطاع العام الذين يجري نقلهم إلى أماكن المسيرات بالإجبار. أعتقد أن هذه صورة مخجلة، والمسيرات التي نظمناها مجرد خطوة واحدة على الطريق للتخلص من هذا الوضع. إننا الآن نعمل على زيادة الضغوط على عاتق النظام لنجبره على فهم أن الحقوق لا يمكن المساومة عليها، ومن بين حقوقنا الدعوة لإجراء استفتاء حول الإطاحة بالرئيس، وهذا أمر نرفض التفاوض بشأنه، ويجب أن يجري إجراؤه هذا العام. ويبقى هذا الاستفتاء الخط الأحمر الأخير لنظام مادورو.
يجب أن نوضح تمامًا أن مسألة استفتاء حول الرئيس عام 2016 أمر ملح وعاجل، ويرتبط ذلك ببعد أخلاقي يتمثل في حقيقة أن أبناء فنزويلا يموتون كل يوم ـ يموتون بالمستشفيات ويموت الأطفال من نقص الدواء أو الطعام، ويقتل الشباب في الشوارع. وعليه، أصبح هذا الاستفتاء ضرورة ملحة. ويتمثل بعد آخر للأمر في أنه حال عدم إجراء الاستفتاء هذا العام وحل عام 2017، فإن الدستور ينص في هذه الحالة على أنه حال غياب الرئيس لن تعقد انتخابات جديدة، وإنما سيكمل نائب الرئيس الفترة الرئاسية. ويعني ذلك رحيل مادورو وبقاء المافيا في السلطة.
* بعد المسيرات الحاشدة التي نظمتها المعارضة، هل تعتقدين أن المجلس الوطني الانتخابي الحكومي سيضطلع بمهمته المتمثلة في الدعوة لعقد استفتاء حول إسقاط الرئيس؟
ـ أعتقد أنه سيحاول فعل كل ما بوسعه كي لا يلتزم بهذا الواجب. وأعتقد أنه من الواضح أن مسؤوليه تلقوا تعليمات شديدة الحزم من مادورو والنظام لسد هذا الطريق. اللافت أن المرحلة الأولى من العملية التي ينبغي أن تستغرق 41 يومًا استغرقت بالفعل 145 يومًا. والواضح أن مهمتهم الآن تتمثل في الاستمرار في وضع العقبات واختراع إجراءات بهدف دفع موعد عقد الاستفتاء إلى عام 2017 عندما يفقد أي معنى حقيقي له. وعليه، من الواضح تمامًا ماهية التعليمات الصادرة إلى المجلس الوطني الانتخابي الحكومي. ومع ذلك، يبقى الأمر المهم هنا ما يمكن للمواطنين عمله لاقتناص حقهم الدستوري المتمثل في عقد الاستفتاء.
* هل فكرت في مسار بديل حال عدم اضطلاع المجلس الوطني الانتخابي التابع للدولة بواجبه المتعلق بالدعوة للاستفتاء؟
ـ يتضمن الدستور الفنزويلي آليات متنوعة للإطاحة بالرئيس بصورة دستورية، من بينها تقدم الشخص الذي يتولى منصب الرئاسة باستقالته.
ودائمًا ما جاءت اللحظات التي يضطر خلالها رئيس ما إلى الاستقالة، سواء كان ديمقراطيًا أو استبداديا، وليدة لظروف معينة تشكل مزيجًا من أوضاع داخلية وضغوط خارجية. وينبغي أن يعي مادورو من جانبه أن مسألة الدعوة لعقد استفتاء حول بقائه في السلطة من عدمه خط أحمر، وأنه ليس هناك استعداد لدى فنزويلا أو العالم للتساهل حيال عدم احترام هذه السيادة الشعبية للمواطنين. من الواضح للعيان أن فنزويلا شهدت انقلابًا، بجانب افتقارها إلى الفصل الحقيقي بين السلطات، مع إذعان السلطة القضائية للأخرى التنفيذية. وعندما لا يعترف نظام في بلد ما بسلطة البرلمان فإن ذلك لا يحمل سوى اسم واحد في أي مكان بالعالم.
* سبق وأن قلت إن المقربين من الرئيس مادورو يرغبون في استقالته، لماذا؟
ـ يومًا بعد آخر، يتضح للجميع أن النظام الحالي ينمي روابطه على نحو متزايد مع عصابات الجريمة المنظمة الدولية وغسل الأموال والاتجار بالمخدرات، بل وله صلات بجماعات إرهابية متطرفة من مختلف أرجاء العالم. ومن الواضح كذلك وجود صلات بينه وبين العصابات المسلحة وشبه العسكرية وعصابات الاتجار بالمخدرات، هذا أمر يزداد وضوحًا أمام الرأي العام العالمي مع كل يوم يمر، أمر عاينته حكومات هذا النصف من الكرة الأرضية وكذلك حكومات أوروبا منذ وقت طويل مضى. إن ما عايشته بلادنا يمكن إيجازه في تشكل عصابة مافيا داخل النظام. وبدأنا بالفعل نعاين كيف يختلقون الاتهامات، ليس على الصعيد المحلي فحسب، وإنما كذلك ضد الولايات المتحدة وغيرها من الدول التي تجري تحقيقات جنائية حول طبيعة نشاطات المؤسسة العسكرية الفنزويلية وكبار المسؤولين الحكوميين من المدنيين.
وكان من شأن ذلك تفاقم الضغوط داخل أروقة المافيا بدرجة كبيرة. وإذا أضفنا لذلك تراجع شعبية مادورو الحادة، نجد أننا بصدد حالة تبرؤ وطني من مادورو والنظام. وعليه، هناك قطاعات داخل الحزب الحاكم تفضل التضحية بمادورو وتحميله وزر جميع الخطايا القائمة، مقابل الحفاظ على توجهات وفكر الرئيس الأسبق تشافيز.
* هل يساورك قلق إزاء علاقات فنزويلا بإيران التي ترعى الإرهاب بالعالم، بما في ذلك أميركا اللاتينية؟
ـ لقد نددت مرارًا بهذا الأمر، بما في ذلك الفترة التي قضيتها داخل المجلس الوطني.
في الواقع أعتقد أنني النائبة صاحبة العمر الأقصر بالبرلمان في تاريخ فنزويلا بسبب تنديدي بالعصابات المسلحة ونشاطات الاتجار بالمخدرات داخل أراضي فنزويلا.
وبالتأكيد نددت كذلك بصلات أفراد معينين من النظام بجماعات إرهابية متطرفة، بما في ذلك أسلوب معارضتهم داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للقرارات الصادرة ضد إيران وكوريا الشمالية، ما يعني أن النظام الفنزويلي ليس فاشلاً فحسب، وإنما أيضًا خارج على القانون ويقيم صلات بأنظمة غير ديمقراطية ينبذها المجتمع الدولي الديمقراطي. ومع هذا، يتعاون معهم النظام الفنزويلي في تنفيذ عمليات مالية، وكذلك الترويج لتوجهات آيديولوجية بعينها. عندما كنت نائبة بالمجلس الوطني، طلبت إجراء تحقيقات على أساس وجود مؤشرات مثيرة للقلق وبالغة الخطورة بشأن تعامل فنزويلا مع إيران، وكان من بين المسائل التي طلبت تحقيقًا بشأنها إقرار وتفعيل بعض الخلايا الإرهابية على الأراضي الفنزويلية.
* هل تعتقدين أن المجتمع الدولي يدرك الآن على نحو أفضل حقيقة ما يجري داخل فنزويلا؟
هناك بالفعل تغييرًا كبيرًا نحو الأفضل. لقد بدأت في التجوال عبر العالم وطرق الأبواب، ولم يكن من السهل دفع الآخرين للإنصات إلي. كانت تلك الفترة التي كان للثراء النفطي الفنزويلي تأثيره الساحر، وشهد هذا النصف من الكرة الأرضية نوعا من التحالف الآيديولوجي وإقامة مشروعات مشتركة.
إلا أن ثمة تغييرات مهمة وقعت خلال الشهور والسنوات الأخيرة، منها بطبيعة الحال الدمار الذي ألحقه نظاما تشافيز ومادورو بالبلاد، وبالتالي لم تعد هناك أموال لتوزيعها على حلفاء النظام. إضافة إلى ذلك، وقعت تغييرات كبرى بدول مهمة، مثل البرازيل والأرجنتين وبيرو. كما كان من شأن انضمام لويس ألماغرو إلى منظمة الدول الأميركية دفع المنظمة إلى اتخاذ موقف صارم للغاية حيال الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ووصف الأمور بأسمائها الحقيقية في فنزويلا.
نائبة فنزويلية: دفاع نظام مادورو عن إيران في المحافل الدولية دليل على فشله
كورينا قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها ليست خائفة من التنديد بتجاوزات النظام
ماريا كورينا ماتشادو
نائبة فنزويلية: دفاع نظام مادورو عن إيران في المحافل الدولية دليل على فشله
ماريا كورينا ماتشادو
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

