بعد أكثر من نصف قرن.. قصيدة النثر إلى أين؟

الناقد المغربي محمد الصالحي يبحث في التباساتها وضبابية حدودها

محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»
محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»
TT

بعد أكثر من نصف قرن.. قصيدة النثر إلى أين؟

محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»
محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»

بعد مرور أزيد من نصف قرن على دخول قصيدة النثر العربية دائرة الممارسة الإبداعية والجدل النقدي، ما زال الجدل مستمرًا، بخصوصها، مكرسًا حالة من الانقسام الحاد والاصطفاف، معها أو ضدها، إذ فيما يرى البعض أن التعبير بالنثر شعريًا اكتسب «مشروعية نهائية»، أصبحت معها قصيدة النثر واقعًا شعريًا مكرسًا، مع النظر إليها باعتبارها «شكلاً متمردًا ومتمنعًا وملتبسًا»، يشدد آخرون على أن «منطق تاريخ الأمم لا يعترف بما هو غريب عن سياقه منفي عن سيرورته»، وأنه «لا سبيل إلى إقناعنا بشرعية (قصيدة النثر)، إلا أن تنقد نفسها بادئة من اسمها».
ضمن هذا السياق، يأتي مؤلف الناقد والشاعر المغربي محمد الصالحي، الذي أعطاه عنوان «شيخوخة الخليل.. بحثًا عن شكل لقصيدة النثر العربية»، حاملاً، كما نقرأ في مقدمته، «هم السعي، ما أمكن، نحو تبديل موقع وآليات النظر إلى الموضوع، لأجل الاقتراب من ممكنات الصياغة العلمية الملائمة للواقع الشعري لقصيدة النثر، بدل الإبقاء على ترجيع الشعارات التنظيرية التي رَسَّبها هذا التراكم الهائل».
ورغم أن الكاتب سبق أن نشر كتابه في طبعة مغربية، فإنه يعتبر الطبعة الثانية، التي نشرتها أخيرًا «دار الهلال» بمصر، «طبعة أولى»، مشددًا، في حوار مع «الشرق الأوسط»، على أن الطبعة المصرية «ستمنح القارئ العربي إمكان الدنو من الكتاب أكثر»، حيث يقول: «صدرت الطبعة الأولى من الكتاب مطلع الألفية، لكن الجهة الناشرة كدأبها لم توزع الكتاب. الحق أنها الطبعة الصفر لا الأولى. لقد كنت الكاتب والموزع معًا. أوصلت نسخ الكتاب بطرقي الخاصة إلى أصقاع بعيدة، كما وزعته على المهتمين هنا في المغرب. الطبعة الحالية إذن هي الطبعة الأولى الحق من الشيخوخة».
وعن اختيار «شيخوخة الخليل» عنوانًا رئيسيًا للمؤلف، ودلالات العنوان الفرعي «بحثًا عن شكل لقصيدة النثر العربية»، قال الصالحي: «الكثيرون تسرعوا في تأويل وفهم العنوان. رأوا في الشيخوخة موقفا سلبيًا من العروض الخليلي. والحق أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك. لقد ذيلت كلمة الغلاف بجملة تلخص أطروحة الكتاب لكن قل من انتبه إليها: ولد الخليل شيخًا وهو لن يموت. فأنت ترى إذن أن المراد لم يكن قتل الخليل بل وضعه في مكانه اللائق: العروض الخليلي جزء بسيط من مكونات أخرى ينهض عليها الإيقاع الشعري. ثم إن العروض ليس هو الوزن وهنا تكمن المعضلة. فالدارس العربي قلما يميز بين العروض والوزن. الوزن مدى مفتوح على اللانهائي والمحتمل والصدفة، في حين أن العروض جزء يسير من قارة الوزن. ليس هذا مكان التفاصيل. وسيصدر لي بعد أشهر من الآن قسم ثانٍ من الكتاب يزيد هذه الأمور تفصيلاً. أما العنوان الفرعي فيقود القارئ إلى المراد من الكتاب: هل من واقع شكلي وحقيقة جمالية تخضع لها بوضوح هذه التلال من النصوص التي نسميها باطمئنان كسول قصائد نثر؟ إنه الإشكال الأكبر. فكل كلام يدعي مدبجه أنه قصيدة نثر يتلقفه النقد ويتناوله بصفته كذلك. والحق أن النقد هو من يتحمل مسؤولية هذا الإخلال. فما قصيدة النثر؟ هل كل كلام يجافي العروض الخليلي نسميه قصيدة نثر؟ إنها الأزمة».
وعن توقفه عند «الأوهام» التي «رسخت تسمية قصيدة النثر في الحركة الشعرية العربية الحديثة، بعيدًا عن أي اجتهاد نقدي علمي قد يقارب، قليلاً أو كثيرًا، هذه القصيدة محاولاً القبض على قوانينها الإيقاعية الظاهرة والخفية»، أشار الصالحي إلى أن «العمل يتوقف على فرضيتين أساسيتين ستوجهان كل الأسئلة المتشعبة التي سيطرحها: أولاها أن الشعر العربي نسق كلي يستوعب عددًا لانهائيًا من الأشكال الشعرية، بما فيها قصيدة النثر التي ليست سوى إمكان إلى جانب عدد من الإمكانات الإيقاعية الأخرى المتحققة والمحتملة. وثانيها أن معالجة المسألة الأجناسية عليها (إبستيمولوجيا) أن تؤول إلى تمييز وضبط حدود النثري والشعري، وليس إلى الخلط بينهما كما هو حاصل الآن، ما دام هذا الخلط لا يحل مشكل قصيدة النثر بل هو نوع من الهروب إلى الأمام. فالواقع يؤكد أن المبدع والقارئ معًا مجبران على الانتظام داخل نسق نوعي كلي أشكل من التيار والمدرسة والاتجاه، أي داخل جنس معين للكتابة يعين الواقع الشكلي والفيزيائي للقصيدة». لذلك شدد شاعر «أحفر بئرًا في سمائي» و«أتعثر بالذهب»، على أن كتابه النقدي «لا يدعي ما ليس فيه»، مشيرًا إلى أن «البحث في قصيدة النثر يقتضي مساءلة النص الشعري العربي منذ أن تخلق واستوى لتحديد البنية الإيقاعية فيه رغم تنافر الأشكال ظاهريا. فما الجامع بين النابغة الذبياني وبدر شاكر السياب وسركون بولص؟ ثم تنثال الأسئلة الموجعة»، قبل أن يضيف: «حسبُ هذا الكتاب أن يكون إشارة إلى منبع الحرائق، وحسبه أنه فتح عيني على غنى البحث في الإيقاع وأذاقني لذاذة المساءلة».
وعن مسؤولية النقد الشعري العربي في ضبط «الحقيقة الشكلية» لقصيدة النثر، رأى الصالحي أن «السؤال الذي تغافلت عنه الدراسات الشعرية العربية حول قصيدة النثر هو ذاته السؤال الذي واجه الشعرية الغربية الحديثة: كيف نحدد قصيدة نثر من قصيدة غير نثرية؟ وبالتالي: ما الجامع بين هذه الأشكال التي ندرجها جميعًا تحت اليافطة نفسها: قصيدة النثر؟ أفضى ذلك إلى التباس المصطلح وضبابية حدود الجنس ولا محدودية السمات الشكلية والإيقاعية لقصيدة النثر، وجعل الدراسات التي تتناولها تنتهي إلى مجرد تأملات خارجية ترصد الثيمات على حدة أو الخصائص اللغوية على حدة، ساكتة عن معنى الشكل وشكل المعنى. غياب كل ذلك وغياب تناول قصيدة النثر كشكل له ما للشكل الشعري عامة من مكونات وخصائص مع اختلاف في استراتيجية الإيقاع جعل هذه الأشكال المتنافرة واللانهائية التي تسمى قصائد نثر مستحيلاً، والحق أن سبب الاستحالة يعود، أصلاً، إلى هذا التعدد والتشتت وإلى قصور النقد عن إيجاد الرابط الإيقاعي لا إلى طبيعة في قصيدة النثر».
وعن النقاش المتواصل بصدد تجربة قصيدة النثر العربية، ووجهات النظر التي ترى أن هذه القصيدة قد فرضت مصطلحها، شرعيتها وشعريتها في سياق «حرب» بين الأشكال الشعرية انتهت إلى «هدنة» و«تعايش» بين الإخوة - الأعداء، قال الصالحي: «ليس ما تسمعه من حشرجة نقعا يثار. وحتى إن كان كذلك فهو ليس غبار حرب بين أشكال. إنها حشرجات استراتيجية إيقاعية تحتضر. استراتيجية في لحظة النزع الأخير، تسلم الروح. المحتضر هنا ليس هو الوزن أو القافية أو البلاغة، بل هو الطريقة التي ارتضاها الشعر منذ زمن للانبناء والإعلان عن كينونته. إن ما يتغير من فترة شعرية إلى أخرى ليس هو الجوهر الذي هو شعرية النص، بل استراتيجية الاشتغال، فيخال لكثير من النقد حتى الأكاديمي منه، للأسف، أن النص الشعري تخلى عن بعض مكوناته واستبدل بها أخرى، في حين أن مكونات النص هي ذاتها وإنما أعيد انتشارها فتوارت قليلاً مكونات وطفت إلى السطح مكونات، فيما يظل النص الشعري نصا شعريا موزونا شئنا أم أبينا لأن الوزن هو نحو الشعر، كما أن الإيقاع هو نحو الإلقاء والتلقي، في حين أن العروض هو ذلك الجزء اليسير من الوزن الذي استطاعت النظرية تأطيره ووضعه في قالب في فترة أدبية ما. من هنا فالنظرية القائمة تعادي عادة الأشكال الجديدة لأنها مجبرة على استبدال أدواتها في الاشتغال. لقد استنفدت القصيدة ذات الشطرين إمكاناتها الإيقاعية وستعود بعد دورة إيقاعية كاملة. فما المراد بالشرعية؟ إن اللقاءات والندوات والأماسي وتخصيص أعداد من المجلات والدوريات لقصيدة النثر إنما يزيد الأمر التباسا، في غياب السؤال الإيقاعي الأكبر».
وعن الكيفية التي يمكن بها لقصيدة النثر، اليوم، أن تتخلص من أخطاء البدايات، أو من البداية الخاطئة، أقر الصالحي بأننا «ما زلنا نلوك أخطاء البدايات»، وأن «التخلص من الزلات تلك يقتضي طرح السؤال الأكبر الذي ينأى النقد السائد بنفسه عنه: ما هذا الذي ظل عالقًا بالنص الشعري الذي يسمي نفسه قصيدة نثر ويجعله شعرًا رغم إسقاطه ظاهريًا لكثير من المكونات التي نُظر إليها مكونات لازمة للنص الشعري. من هنا تنبثق الأسئلة ثم لا تنتهي. الاجتهادات التي حاولت وتحاول ربط قصيدة النثر بأجناس أدبية قديمة كالمقامة والكتابات النثرية المفتوحة كما عند المتصوفة اجتهادات لا تفضي إلا إلى مزيد من التعمية و(المتاه). فشجرة نسب قصيدة النثر هي ذاتها شجرة نسب الشعر العربي منذ أن قصدت القصائد إلى اليوم. يا أهل النقد تعالوا إلى إيقاع سواء بيننا. إننا نجترّ سيلاً من الأوهام نظنها دعامات لهذا النص، وعلى رأسها ما حددته سوزان برنار، وهو ما توقفت عنده في الكتاب لأثبت أنه يفتقر إلى المسوغ الإجرائي العلمي الواضح لتحديد قصيدة النثر».
وعن الكيفية التي يمكن أن «نسائل بها نوايا الشاعر ونوايا النص معًا»، رأى الصالحي أن «تجنيسية النص ليست موكولة لصاحبه. فللنص شجرة نسبه وهي الكفيلة بإثبات كونه فرعا منها. القارئ لا يقرأ بعين الشاعر ولا حتى بعينه هو بل بعين الجنس. يقودك النص الشعري منذ البدء ويضعك في المسار السالك والموصل، وأنت القارئ لحظتئذ تتوكأ على عصاك وتتقدم في دروب الشعر الشائكة الموخزة. النقد الشعري العربي الحديث أخل بواجبه حيال هذه المسألة، فهو بدل أن يبحث عن الثوابت الجنسية للنص صار يسقط عليه ما يراه كفيلا باعتباره شعرًا. أي إنه يسائل نيات الشاعر بدل نيات النص».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.