بعد أكثر من نصف قرن.. قصيدة النثر إلى أين؟

الناقد المغربي محمد الصالحي يبحث في التباساتها وضبابية حدودها

محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»
محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»
TT

بعد أكثر من نصف قرن.. قصيدة النثر إلى أين؟

محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»
محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»

بعد مرور أزيد من نصف قرن على دخول قصيدة النثر العربية دائرة الممارسة الإبداعية والجدل النقدي، ما زال الجدل مستمرًا، بخصوصها، مكرسًا حالة من الانقسام الحاد والاصطفاف، معها أو ضدها، إذ فيما يرى البعض أن التعبير بالنثر شعريًا اكتسب «مشروعية نهائية»، أصبحت معها قصيدة النثر واقعًا شعريًا مكرسًا، مع النظر إليها باعتبارها «شكلاً متمردًا ومتمنعًا وملتبسًا»، يشدد آخرون على أن «منطق تاريخ الأمم لا يعترف بما هو غريب عن سياقه منفي عن سيرورته»، وأنه «لا سبيل إلى إقناعنا بشرعية (قصيدة النثر)، إلا أن تنقد نفسها بادئة من اسمها».
ضمن هذا السياق، يأتي مؤلف الناقد والشاعر المغربي محمد الصالحي، الذي أعطاه عنوان «شيخوخة الخليل.. بحثًا عن شكل لقصيدة النثر العربية»، حاملاً، كما نقرأ في مقدمته، «هم السعي، ما أمكن، نحو تبديل موقع وآليات النظر إلى الموضوع، لأجل الاقتراب من ممكنات الصياغة العلمية الملائمة للواقع الشعري لقصيدة النثر، بدل الإبقاء على ترجيع الشعارات التنظيرية التي رَسَّبها هذا التراكم الهائل».
ورغم أن الكاتب سبق أن نشر كتابه في طبعة مغربية، فإنه يعتبر الطبعة الثانية، التي نشرتها أخيرًا «دار الهلال» بمصر، «طبعة أولى»، مشددًا، في حوار مع «الشرق الأوسط»، على أن الطبعة المصرية «ستمنح القارئ العربي إمكان الدنو من الكتاب أكثر»، حيث يقول: «صدرت الطبعة الأولى من الكتاب مطلع الألفية، لكن الجهة الناشرة كدأبها لم توزع الكتاب. الحق أنها الطبعة الصفر لا الأولى. لقد كنت الكاتب والموزع معًا. أوصلت نسخ الكتاب بطرقي الخاصة إلى أصقاع بعيدة، كما وزعته على المهتمين هنا في المغرب. الطبعة الحالية إذن هي الطبعة الأولى الحق من الشيخوخة».
وعن اختيار «شيخوخة الخليل» عنوانًا رئيسيًا للمؤلف، ودلالات العنوان الفرعي «بحثًا عن شكل لقصيدة النثر العربية»، قال الصالحي: «الكثيرون تسرعوا في تأويل وفهم العنوان. رأوا في الشيخوخة موقفا سلبيًا من العروض الخليلي. والحق أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك. لقد ذيلت كلمة الغلاف بجملة تلخص أطروحة الكتاب لكن قل من انتبه إليها: ولد الخليل شيخًا وهو لن يموت. فأنت ترى إذن أن المراد لم يكن قتل الخليل بل وضعه في مكانه اللائق: العروض الخليلي جزء بسيط من مكونات أخرى ينهض عليها الإيقاع الشعري. ثم إن العروض ليس هو الوزن وهنا تكمن المعضلة. فالدارس العربي قلما يميز بين العروض والوزن. الوزن مدى مفتوح على اللانهائي والمحتمل والصدفة، في حين أن العروض جزء يسير من قارة الوزن. ليس هذا مكان التفاصيل. وسيصدر لي بعد أشهر من الآن قسم ثانٍ من الكتاب يزيد هذه الأمور تفصيلاً. أما العنوان الفرعي فيقود القارئ إلى المراد من الكتاب: هل من واقع شكلي وحقيقة جمالية تخضع لها بوضوح هذه التلال من النصوص التي نسميها باطمئنان كسول قصائد نثر؟ إنه الإشكال الأكبر. فكل كلام يدعي مدبجه أنه قصيدة نثر يتلقفه النقد ويتناوله بصفته كذلك. والحق أن النقد هو من يتحمل مسؤولية هذا الإخلال. فما قصيدة النثر؟ هل كل كلام يجافي العروض الخليلي نسميه قصيدة نثر؟ إنها الأزمة».
وعن توقفه عند «الأوهام» التي «رسخت تسمية قصيدة النثر في الحركة الشعرية العربية الحديثة، بعيدًا عن أي اجتهاد نقدي علمي قد يقارب، قليلاً أو كثيرًا، هذه القصيدة محاولاً القبض على قوانينها الإيقاعية الظاهرة والخفية»، أشار الصالحي إلى أن «العمل يتوقف على فرضيتين أساسيتين ستوجهان كل الأسئلة المتشعبة التي سيطرحها: أولاها أن الشعر العربي نسق كلي يستوعب عددًا لانهائيًا من الأشكال الشعرية، بما فيها قصيدة النثر التي ليست سوى إمكان إلى جانب عدد من الإمكانات الإيقاعية الأخرى المتحققة والمحتملة. وثانيها أن معالجة المسألة الأجناسية عليها (إبستيمولوجيا) أن تؤول إلى تمييز وضبط حدود النثري والشعري، وليس إلى الخلط بينهما كما هو حاصل الآن، ما دام هذا الخلط لا يحل مشكل قصيدة النثر بل هو نوع من الهروب إلى الأمام. فالواقع يؤكد أن المبدع والقارئ معًا مجبران على الانتظام داخل نسق نوعي كلي أشكل من التيار والمدرسة والاتجاه، أي داخل جنس معين للكتابة يعين الواقع الشكلي والفيزيائي للقصيدة». لذلك شدد شاعر «أحفر بئرًا في سمائي» و«أتعثر بالذهب»، على أن كتابه النقدي «لا يدعي ما ليس فيه»، مشيرًا إلى أن «البحث في قصيدة النثر يقتضي مساءلة النص الشعري العربي منذ أن تخلق واستوى لتحديد البنية الإيقاعية فيه رغم تنافر الأشكال ظاهريا. فما الجامع بين النابغة الذبياني وبدر شاكر السياب وسركون بولص؟ ثم تنثال الأسئلة الموجعة»، قبل أن يضيف: «حسبُ هذا الكتاب أن يكون إشارة إلى منبع الحرائق، وحسبه أنه فتح عيني على غنى البحث في الإيقاع وأذاقني لذاذة المساءلة».
وعن مسؤولية النقد الشعري العربي في ضبط «الحقيقة الشكلية» لقصيدة النثر، رأى الصالحي أن «السؤال الذي تغافلت عنه الدراسات الشعرية العربية حول قصيدة النثر هو ذاته السؤال الذي واجه الشعرية الغربية الحديثة: كيف نحدد قصيدة نثر من قصيدة غير نثرية؟ وبالتالي: ما الجامع بين هذه الأشكال التي ندرجها جميعًا تحت اليافطة نفسها: قصيدة النثر؟ أفضى ذلك إلى التباس المصطلح وضبابية حدود الجنس ولا محدودية السمات الشكلية والإيقاعية لقصيدة النثر، وجعل الدراسات التي تتناولها تنتهي إلى مجرد تأملات خارجية ترصد الثيمات على حدة أو الخصائص اللغوية على حدة، ساكتة عن معنى الشكل وشكل المعنى. غياب كل ذلك وغياب تناول قصيدة النثر كشكل له ما للشكل الشعري عامة من مكونات وخصائص مع اختلاف في استراتيجية الإيقاع جعل هذه الأشكال المتنافرة واللانهائية التي تسمى قصائد نثر مستحيلاً، والحق أن سبب الاستحالة يعود، أصلاً، إلى هذا التعدد والتشتت وإلى قصور النقد عن إيجاد الرابط الإيقاعي لا إلى طبيعة في قصيدة النثر».
وعن النقاش المتواصل بصدد تجربة قصيدة النثر العربية، ووجهات النظر التي ترى أن هذه القصيدة قد فرضت مصطلحها، شرعيتها وشعريتها في سياق «حرب» بين الأشكال الشعرية انتهت إلى «هدنة» و«تعايش» بين الإخوة - الأعداء، قال الصالحي: «ليس ما تسمعه من حشرجة نقعا يثار. وحتى إن كان كذلك فهو ليس غبار حرب بين أشكال. إنها حشرجات استراتيجية إيقاعية تحتضر. استراتيجية في لحظة النزع الأخير، تسلم الروح. المحتضر هنا ليس هو الوزن أو القافية أو البلاغة، بل هو الطريقة التي ارتضاها الشعر منذ زمن للانبناء والإعلان عن كينونته. إن ما يتغير من فترة شعرية إلى أخرى ليس هو الجوهر الذي هو شعرية النص، بل استراتيجية الاشتغال، فيخال لكثير من النقد حتى الأكاديمي منه، للأسف، أن النص الشعري تخلى عن بعض مكوناته واستبدل بها أخرى، في حين أن مكونات النص هي ذاتها وإنما أعيد انتشارها فتوارت قليلاً مكونات وطفت إلى السطح مكونات، فيما يظل النص الشعري نصا شعريا موزونا شئنا أم أبينا لأن الوزن هو نحو الشعر، كما أن الإيقاع هو نحو الإلقاء والتلقي، في حين أن العروض هو ذلك الجزء اليسير من الوزن الذي استطاعت النظرية تأطيره ووضعه في قالب في فترة أدبية ما. من هنا فالنظرية القائمة تعادي عادة الأشكال الجديدة لأنها مجبرة على استبدال أدواتها في الاشتغال. لقد استنفدت القصيدة ذات الشطرين إمكاناتها الإيقاعية وستعود بعد دورة إيقاعية كاملة. فما المراد بالشرعية؟ إن اللقاءات والندوات والأماسي وتخصيص أعداد من المجلات والدوريات لقصيدة النثر إنما يزيد الأمر التباسا، في غياب السؤال الإيقاعي الأكبر».
وعن الكيفية التي يمكن بها لقصيدة النثر، اليوم، أن تتخلص من أخطاء البدايات، أو من البداية الخاطئة، أقر الصالحي بأننا «ما زلنا نلوك أخطاء البدايات»، وأن «التخلص من الزلات تلك يقتضي طرح السؤال الأكبر الذي ينأى النقد السائد بنفسه عنه: ما هذا الذي ظل عالقًا بالنص الشعري الذي يسمي نفسه قصيدة نثر ويجعله شعرًا رغم إسقاطه ظاهريًا لكثير من المكونات التي نُظر إليها مكونات لازمة للنص الشعري. من هنا تنبثق الأسئلة ثم لا تنتهي. الاجتهادات التي حاولت وتحاول ربط قصيدة النثر بأجناس أدبية قديمة كالمقامة والكتابات النثرية المفتوحة كما عند المتصوفة اجتهادات لا تفضي إلا إلى مزيد من التعمية و(المتاه). فشجرة نسب قصيدة النثر هي ذاتها شجرة نسب الشعر العربي منذ أن قصدت القصائد إلى اليوم. يا أهل النقد تعالوا إلى إيقاع سواء بيننا. إننا نجترّ سيلاً من الأوهام نظنها دعامات لهذا النص، وعلى رأسها ما حددته سوزان برنار، وهو ما توقفت عنده في الكتاب لأثبت أنه يفتقر إلى المسوغ الإجرائي العلمي الواضح لتحديد قصيدة النثر».
وعن الكيفية التي يمكن أن «نسائل بها نوايا الشاعر ونوايا النص معًا»، رأى الصالحي أن «تجنيسية النص ليست موكولة لصاحبه. فللنص شجرة نسبه وهي الكفيلة بإثبات كونه فرعا منها. القارئ لا يقرأ بعين الشاعر ولا حتى بعينه هو بل بعين الجنس. يقودك النص الشعري منذ البدء ويضعك في المسار السالك والموصل، وأنت القارئ لحظتئذ تتوكأ على عصاك وتتقدم في دروب الشعر الشائكة الموخزة. النقد الشعري العربي الحديث أخل بواجبه حيال هذه المسألة، فهو بدل أن يبحث عن الثوابت الجنسية للنص صار يسقط عليه ما يراه كفيلا باعتباره شعرًا. أي إنه يسائل نيات الشاعر بدل نيات النص».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».