الانتخابات الفلسطينية المعلقة

ضغوط إقليمية ومشكلات سياسية وقانونية وسيادية توقف أول تجربة متفق عليها منذ 10 سنوات

الانتخابات الفلسطينية المعلقة
TT

الانتخابات الفلسطينية المعلقة

الانتخابات الفلسطينية المعلقة

لم يخيب قرار المحكمة العليا الفلسطينية، بوقف الانتخابات المحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي كانت مقررة يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، توقعات كثيرين لم يصدّقوا أصلاً أنها ستجرى. وظلوا على مدار أسابيع طويلة يجاهرون في الشوارع والمجالس ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى في الوكالات الإخبارية المحلية، بقناعاتهم أن هذه الانتخابات «ستلغى». ولقد كان هؤلاء، على الأقل، يؤمنون أكثر من غيرهم أن قوة الانقسام الكبير متعمقة إلى حد لن يسمح للديمقراطية أن تنتصر، كما في مرات سابقة، وأن إجراء الانتخابات سيعمق هذا الانقسام أكثر وأكثر، مثلما أن إلغاءها سيعمقه كذلك. وهذا ما كان. وبعد أسابيع طويلة وصعبة وقاسية، أظهرت أفضل ما عند البعض وأسوأ ما عند البعض الآخر، في حرب تشكيل القوائم، لطمت محكمة العدل العليا الجميع، بقرار وقف هذه الانتخابات لأسباب بدت أنها «إجرائية»، لكنها كانت في حقيقة الأمر أكثر من ذلك، فهي سياسية وفصائلية وإقليمية وقانونية وسيادية.
ومع أن هذه الانتخابات انتخابات مجالس محلية «بحتة»، أي أنها تخص بلديات خدماتية ومجالس قروية، لكن أهميتها تكمن في أنها كانت ستكون «بروفة» لفحص شعبية الفصيلين الأكبر، فتح وحماس، في أول «مكاسرة» مباشرة لهما منذ عام 2006، كما أنها كانت تمثل لدى كثيرين أول «بارقة أمل» عملية لمغادرة الانقسام، باعتبارها خطوة أولى تمهد لإجراء انتخابات عامة لاحقة، تحدد الحزب الحاكم في كرسي الرئاسة والمجلس التشريعي الفلسطيني، وبالتالي، الحزب الذي سيحكم البلاد والعباد.
اختصر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مسألة الانتخابات المحلية برمتها، حين قال قبل أيام قليلة فقط من إعلان إلغاء الانتخابات: «صحيح أن هذه الانتخابات خدمية، لكن لها طابعًا سياسيًا، لذلك يجب علينا أن نذهب لنمارس حقنا وننتخب من يمثلنا لكي نصل إلى قرار وطني يقول نعم لفلسطين التي توحدنا. والانتخابات ستكون إشارة للجميع بأن الشعب الفلسطيني يقرر بإرادته من يمثله من دون تدخلات». وأضاف عباس: «لنتكلم كفلسطينيين بعيدا عن كل التدخلات الخارجية لتحقيق أهدافنا في الحرية والاستقلال، لتكون لنا علاقات طيبة مع كل دول العالم، لكن من دون أي تدخل في شؤوننا الداخلية التي يجب أن تحترم، كما نحن نحترم الشؤون الداخلية لكل الدول».
لكن رياح الواقع لم تجرِ بما تشتهي سفن الرئيس.
أيام قليلة فقط زادت الضغوط الخارجية العربية لإلغاء العملية برمتها. ورفع محامون قضايا لمحكمة العدل العليا ضد الانتخابات لأنها لن تجرى في القدس، ولأن مرجعيتها القضائية في غزة ستكون في محاكم تابعة لحماس، وهي نفس المحاكم التي لا يعترف بها القضاء الفلسطيني، وأسقطت على الأقل 5 قوائم لحركة فتح في 5 بلديات بقطاع غزة. وساعات قليلة فقط قبل اتخاذ قرار العدل العليا، بدت الحرب على الأبواب بين فتح وحماس مع اشتعال المعركة الكلامية حول «الانتهاكات» و«العربدة» و«إفشال الانتخابات».
* مسوغات قرار متوقع
من دون مقدمات كثيرة، أصدرت محكمة العدل العليا، الخميس الماضي، قرارها بوقف إجراء الانتخابات المحلية إلى موعد غير محدد، بسبب «استكمال النظر في قضية» رفعها المحامي نائل الحوح، يطالب فيها بوقف الانتخابات، بسبب عدم إجرائها في مدينة القدس المحتلة. وعقدت المحكمة الخميس الماضي جلسة للنظر في الدعوى المرفوعة، وقررت عقد جلسة ثانية للنظر في القضية بتاريخ 21 سبتمبر (أيلول) الجاري. وجاء في قرار هيئة المحكمة، برئاسة القاضي هشام الحتو: «بالتدقيق والمداولة قانونا، والاستماع إلى أقوال وكيل المستدعين في جلسة علنية تمهيدية علنية، والاطلاع على البيّنات المقدمة في الطلب حول وقف تنفيذ القرارات المطعون فيها، فإن المحكمة تجد من خلال ما يدور حاليا بخصوص العملية الانتخابية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحرمان مدينة القدس وضواحيها من حق المواطنين في الانتخابات، وحول قانونية القرارات التي ستصدر في قطاع غزة حول الاعتراضات المقدمة من المرشحين المستدعين، الأمر الذي يؤثر في النتيجة الانتخابية، وبما أن الأصل أن تتم الانتخابات في جميع أرجاء الوطن، بما في ذلك القدس وضواحيها، وأن يكون لكل مواطن الحرية الكاملة في الاختيار والترشح والانتخاب والاعتراض، وبما أن هناك مناطق لا تتمتع بالاعتراف القضائي والقانوني نتيجة الظروف الواقعية التي يعيشون فيها بعد الاعتراف بالقضاء وتشكيل المحاكم، وخوفا من إصدار قرارات قضائية تكون موضع جدل ونقاش، وحفاظا على السلم الأهلي والمصلحة العامة، وقانونية انتخاب المرشحين، الأمر الذي نرى معه في ظل هذه الظروف، وما يحيط بها من آثار على آراء المواطنين، وبما أن القرار الإداري لا يمكن تجزئته، فإننا نقرر، وعملا بأحكام المادتين 286 و287 من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية رقم 2 لسنة 2001، دعوة المستدعى ضدهم لبيان الأسباب الموجبة لإصدار القرار المطعون فيه، أو المانعة من إلغائه حتى إذا كانوا يعارضون في إصدار قرار قطعي عليهم تقديم لائحة جوابية خلال 15 يوما من تاريخ تبليغهم لائحة الدعوى، ووقف قرار مجلس الوزراء رقم (03-108-17-م. و-ر.ح) لعام 2016 بإجراء الانتخابات، مؤقتا، لحين البت في الدعوى، على أن يتقدم المستدعون بكفالة عدلية قدرها مائة ألف دينار أردني تتضمن للمستدعى ضدهم أي عطل وضرر قد يلحق بهم، وتعيين جلسة ليوم الأربعاء 21-9-2016 لنظر الدعوى».
وفورا قالت لجنة الانتخابات المركزية، إنها تلقت قرار محكمة العدل العليا في رام الله، وأعلنت بناء عليه أنها أوقفت جميع إجراءاتها المتعلقة بالانتخابات المحلية بشكل فوري، بعدما عملت اللجنة على مدى أكثر من شهرين لإيجاد بيئة صالحة للانتخابات. وقالت لجنة الانتخابات: «إنها إذ تحترم قرار محكمة العدل العليا، فإنها تأمل ألا يطول الوقت حتى تتمكن من استئناف العملية وإجراء الانتخابات، وتعود الديمقراطية إلى فلسطين، عودة يفتخر بها الشعب الفلسطيني أينما كان». ومثل لجنة الانتخابات فعلت الحكومة الفلسطينية المسؤولة عن إجراء الانتخابات، وقالت إنها تحترم قرار المحكمة الفلسطينية. وقال وزير الحكم المحلي حسين الأعرج، إن وزارته ستلتزم بشكل تام بقرار المحكمة العليا بوقف إجراء الانتخابات المحلية. وأكد الأعرج أن الهيئات المحلية المستقيلة، ستستمر كهيئات تسيير أعمال. لكن ذلك لم يكن مقبولا عند الفصيل الكبير حماس وآخرين كذلك.
* تبادل اتهامات متصاعد
فورا بعد صدور القرار، هاجمت حركة حماس قرار المحكمة مؤكدة رفضها للقرار. إذ قال سامي أبو زهري، الناطق باسم حماس، إن «قرار المحكمة العليا في رام الله هو قرار مسيس جاء لإنقاذ حركة فتح بعد سقوط قوائمها في عدد من المواقع الانتخابية»، مضيفا أنه «قرار مرفوض». كذلك عدّت الكتلة البرلمانية لحركة حماس قرار المحكمة العليا بوقف إجراء انتخابات البلديات، هروبا لحركة فتح من المشهد السياسي الانتخابي. لكن فتح ردت بالقول إن حماس هي التي أفشلت الانتخابات. وارتكزت فتح إلى قرارات القضاء التابع لحماس في غزة، الذي كان قد أسقط قبل قرار محكمة العدل العليا، عدة قوائم انتخابية تابعة لحركة فتح هناك، وهو ما وصفته الحركة بمجزرة ترتكب بحق قوائمها. وقال فايز أبو عيطة، المتحدث باسم حركة فتح، إن «حماس أفشلت وعطلت الانتخابات لأنها ذهبت إلى محاكم تابعة لها بطعون واهية». وكانت محكمة بداية خان يونس قررت إلغاء 5 قوائم تابعة لفتح، لمخالفتها القانون وعدم استيفاء الشروط اللازمة.
وقال أبو عيطة: «إن قوائم فتح تتعرض لمجزرة في محاكم حماس، ونحن لم نتوجه إلى محاكم حماس في غزة؛ لأننا كنا نعرف النتيجة سلفا»، مضيفا: «الغرض الأساسي من هذه الطعون والأحكام هو إفشال الانتخابات وإعفاء حركة حماس من هذا الاستحقاق الديمقراطي». ووصف أبو عيطة قرار العدل العليا «بالحل الأمثل لمواجهة غطرسة محاكم حماس التي تعمل على إفشال الانتخابات من خلال القبول بطعون غير بريئة، هدفها إسقاط قوائم فتح، وليس إسقاط أشخاص مرشحين من خلال تلك القوائم».
وهذه الحرب الكلامية لا يتوقع أن تتوقف خلال أيام وأسابيع على صعد مختلفة، بيانات وناطقين وناشطين ومواقع إخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي.
* إلى متى؟
لا أحد يملك إجابة حول الوقت الذي يمكن فيه الاتفاق مجددًا على انتخابات جديدة، وخصوصا أن فشل هذه الانتخابات، التي كانت ستجرى للمرة الأولى بمشاركة حماس منذ سيطرت على قطاع غزة في 2007، أظهر تعقيدات الوضع محليًا وإقليميًا.
ومنذ 2007 لم تجر في الأراضي الفلسطيني أي انتخابات رئاسية أو تشريعية بسبب الانقسام، وفشلت 3 محاولات لإجراء انتخابات محلية كذلك قبل أن تنجح بشكل جزئي ومبتور في عام 2012، عندما أجريت في الضفة الغربية فقط من دون مشاركة حماس التي اشترطت آنذاك التوصل إلى اتفاق مصالحة قبل إجراء الانتخابات المحلية، وقالت إن الانتخابات المحلية هي ثمرة للمصالحة وليس العكس.
وكانت آخر انتخابات قد أجريت بشكل مشترك بين الضفة وغزة، في عامي 2004 و2005، على 3 مراحل، ثم أعلنت السلطة أنها تريد إجراء الانتخابات 3 مرات عامي 2010 و2011 من دون أن تجريها فعلا. ويتوقع أن يعلن عباس لاحقا قرارا رئاسيا بشأن الانتخابات الحالية المعلقة.
* الأسباب غير المعلنة
بغض النظر عما أعلنته العدل العليا، وما يرى كثيرون أنه متعلق بعدم رغبة فتح وحماس أصلاً خوض التجربة، ثمة أسباب كثيرة أخرى غير معلنة. ويقول الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري: «قرار إلغاء الانتخابات سيئ لكنه متوقع.. ابتدأنا برفض فتح إجراء الانتخابات ووصلنا إلى أن حماس ندمت على الموافقة عليها، وانتهينا إلى وضع أن فتح وحماس تخشيان منها، وأصبحت كفة التأجيل ترجح أكثر وأكثر، وخصوصا بعد ضغط الرباعية العربية لإلغائها. والسؤال أصبح كيف؟ ومَن سيتحمل المسؤولية عن هذا القرار؟ أخذت محكمة العدل العليا القرار ولكن لو لم تتخذه يمكن أن نشهد ما هو أعظم.. فلن تسمح حماس بفوز فتح وخصوصًا في غزة، ولن تسمح فتح بفوز حماس وخصوصًا في الضفة. الانتخابات من دون وفاق وطني وتحت الاحتلال وفي ظل الانقسام قفزة بالمجهول». ويضيف: «على الرغم من أن فتح وحماس تنفيان أنهما سعتا إلى تجنب الانتخابات، فإن كثيرين يصدقون أنهما في ظل إسقاط قوائم كثيرة للأولى في غزة، وفشل الثانية في تشكيل قوائم منافسة في الضفة، كانتا على الأقل يأملان بنهاية مماثلة».
هذه أسباب قد يتفق عليها البعض أو يعارضها، لكن الضغوط العربية التي أشار إليها المصري لا يعرف عنها الشارع كثيرا. وتقول مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسبابًا متداخلة تقف وراء إلغاء الانتخابات، ولا يمكن إرجاع الأمر لسبب بعينه»، مستطردة: «من بينها الضغوط العربية من أجل مصالحة داخلية في فتح تضمن عودة محمد دحلان، ومن ثم مصالحة مع حماس قبل إجراء أي انتخابات... إضافة إلى ضغوط داخلية من أجل عدم تعميق الانقسام كما يعتد مسؤولون».
* دحلان.. الضغوط
وتركز جهات عربية في ضغطها على عباس إلى ضرورة أن تكون فتح قوية وجاهزة للمواجهة الديمقراطية، وبالتالي تحقيق الفوز في الانتخابات المحلية، والأكثر أهمية لاحقًا التشريعية والرئاسية. أما عباس فلا يرى أبدًا أن فتح ضعيفة بغياب دحلان أو قوية بوجوده. ولا يزال عباس يرفض عودة دحلان، لكنه كذلك لا يريد خسارة «الأشقاء» العرب. ولم يكن تسريب مقطع فيديو لعباس وهو يقول: «فكّونا من العواصم» من دون أن يسميها، عبثيا أو بالصدفة، لكنه مدروس إلى حد كبير في رسالة واضحة: «سنلم الشمل وفق ما نراه وليس ما تراه العواصم».
وبدأت فتح إجراءات يمكن وصفها بإجراءات لم الشمل فعلا، لكنها أيضا لسد الأبواب في الوقت نفسه. وعقدت محكمة الحركة جلسات من أجل بحث عودة المفصولين في خطوة يتوقع أن تنتج عنها إعادة البعض، ورفض إعادة البعض الآخر من دون أن يشمل ذلك دحلان. وتريد فتح بحسب المصادر إغلاق هذا الملف بإجراءات أخرى قانونية. وأعلن أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، اللواء جبريل الرجوب، إنه سيعقد اجتماعًا موسعًا للحركة برئاسة عباس، بعد عودته من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر الجاري، وسيشارك في هذا الاجتماع أعضاء اللجنة المركزية وأعضاء المجلسين الثوري والاستشاري وأمناء سر أقاليم حركة فتح. وأضاف الرجوب أن الاجتماع سيبحث سبل مواجهة التحديات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وإقرار آليات عمل تنظيمية لعقد المؤتمر السابع للحركة قبل نهاية العام الجاري، مع تحديد الزمان والمكان، وذلك في إطار تجديد الشرعيات. ويفترض أن يفرز المؤتمر السابع لجنة مركزية جديدة للحركة ومجلسا ثوريا كذلك. فإذا نجحت الضغوط قد يكون من بينهم دحلان، وإذا فشلت فلن يكون لوقت طويل. لكن يبدو من السخف اختزال المسألة بمصالحة فتحاوية فتحاوية أو فتحاوية حمساوية، إذ أعلن قبل ذلك عن سلسلة مصالحات وسلسلة قرارات بالانتخابات وفشلت كلها.
ثمة انقسام كما يحلو للبعض أن يصفه في العقول والقلوب يؤذي الحالة الفلسطينية كلها ويمنعها من التقدم. وهنا يعلق الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم: «الانتخابات المحلية تعرينا أكثر، وتكشف هشاشة مناعتنا الوطنية وانقسامنا العميق. ومع مجزرة الطعون لقوائم فتح وما سبقها من تهديد ووعيد وإرهاب للناس في الضفة، ماذا كنتم تنتظرون؟ وخلال عقد من الزمن والنظام السياسي الفلسطيني وعلى رأسه القيادة قاموا بحسن نية أحيانا وبتنبلة أحيانا كثيرة بتجريف الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية. تراجع على جميع المستويات وغياب الحريات ومنظومة القيم والتكافل بين الناس وكسر روح الشعب والمقاومة الوطنية الجامعة. هناك هجوم عربي قبل أن يكون إسرائيلي، ولا نزال ننتظر وندافع عن أنفسنا بتبرير أقوالنا وأفعالنا. الحكمة تقتضي العودة لروح الشعب وترميم ما قام به النظام السياسي من تجريف لحياتنا، هي فرصة جديدة كي نقول لأنفسنا وللجميع إننا نستطيع مواجهة وصاية العرب قبل العجم ومواجهة فرض سياسة الإذعان والإملاءات، قبل أن تحرق الفوضى ما تبقى منا».
* لكن ماذا لو أجريت الانتخابات؟
هل كانت ستضمن فعلا فوزا واضحا لأحد الفصيلين الأكبر فتح وحماس؟ وهل ساهمت سطوة العائلات في إفقاد هذه الانتخابات الحمى اللازمة؟
مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية «المرصد» يقول إن أكثر من 860 قائمة ترشحت لتلك الانتخابات مقابل 670 قائمة في انتخابات عام 2012. ويشير إلى أن الواقع الميداني فرض على كل الأطراف من اليسار واليمين والمستقلين التنافس على مجالس في بعض الهيئات الانتخابية والتحالف في هيئات أخرى، وكان هذا جلي في قوائم المستقلين، إضافة إلى قوائم الائتلاف (تحالفات حزبية)، كما في قوائم التحالف الديمقراطي، ما يعني صعوبة إعلان طرف من الأطراف اكتساح نتائج الانتخابات المحلية، علما بأن هناك 182 قائمة أغلبها لفتح ستفوز بالتزكية (136 فتح، و23 قائمة مستقلة، و22 ائتلاف بين أكثر من حزب، وقائمة واحدة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين). وحسب المرصد «فإن العائلات طغت بالأهمية والحضور في الانتخابات المحلية بصورة كبيرة، وجرى التقسيم بالغالب على أساس الانتماء العائلي حتى في القوائم الحزبية. وفي كثير من المناطق شكلت العائلات قوائمها الخاصة، وهذا سبب آخر لعدم القدرة على تسويق منتصر واحد من قبل الأطراف السياسية».
* طرائف الانتخابات
على الرغم من وجود أكثر من 860 قائمة انتخابية متنافسة، فإن رئاسة هذه القوائم كانت حكرًا على الرجال بنسبة 99.1 في المائة مقابل 0.9 في المائة للنساء، وهذا قاسم مشترك لكل القوائم المتنافسة (التحالف الديمقراطي وفتح والائتلاف والمستقلون). ولقد تعالت الانتقادات على إخفاء صور وأسماء النساء في بعض المواقع من القوائم الانتخابية، لكن ما يضاف إلى ذلك هو التمثيل المتدني للنساء. ويمكن القول إن ما ضمن وجود النساء في كثير من القوائم الحزبية والعائلية هو نظام «الكوتا» (الحصص) الخاصة بتمثيل النساء، مقابل إخفاق برامج التمكين السياسي للنساء، حيث قبلت أيضًا النساء بالمواقع المخصصة لهن ضمن «الكوتا»، وفي أكثر من 70 في المائة من القوائم لم يزد عدد النساء عن مرشحتين فقط.
* مسلسل طويل.. ومستمر
أجريت أول انتخابات عامة في فلسطين في عام 1996، لانتخاب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني. أما الانتخابات الرئاسية الثانية فعقدت في 25 يناير (كانون الثاني) 2005، في حين أجريت الانتخابات التشريعية الثانية بتاريخ 9 يناير 2006 طبقا لقانون رقم 9 لعام 2005، تحت إشراف لجنة الانتخابات المركزية. وفيما يخص الانتخابات المحلية الأولى، فإنها أجريت على عدة مراحل تحت إشراف اللجنة العليا للانتخابات المحلية التي يرأسها وزير الحكم المحلي، وقامت بتنفيذ 4 مراحل من الانتخابات المحلية بين عامي 2004 و2005. وفيما بعد نقلت صلاحيات تنظيم الانتخابات المحلية إلى لجنة الانتخابات المركزية، ودعي إلى الانتخابات المحلية الثانية خلال 2010 و2011، إلا أنها أجلت لسنتين على التوالي.
وفي 10 يوليو (تموز) 2012، أصدر مجلس الوزراء قرارًا لإجراء الانتخابات المحلية في كل محافظات الضفة الغربية بتاريخ 20 أكتوبر 2012. وشارك في هذه الانتخابات 272 هيئة محلية من أصل 353. ولذلك أصدر مجلس الوزراء قرارًا آخر لاستكمال العملية الانتخابية بانتخابات تكميلية عقدت في 22 ديسمبر (كانون الأول) 2012، وشارك فيها 81 هيئة محلية، وبطبيعة الحال لم تجر في غزة.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، أصدر مجلس الوزراء قرارًا يدعو لإجراء انتخابات لجميع مجالس الهيئات المحلية في يوم واحد، بحيث يكون الاقتراع يوم 8 أكتوبر 2016. ومثل إعلانات أخرى كثيرة لن تجرى هذه الانتخابات في موعدها. وفي مرات كثيرة أخرى أعلن عن الاتفاق عن انتخابات رئاسية وتشريعية خلال فترة محددة، ومثل كل مرة وكل شيء آخر يعلن عنه الطرفان، لم تنفذ.



سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».