الديمقراطي الحقيقي هو الفاعل الحقيقي للديمقراطية وليس من يتمناها في برجه العالي

محمد نور الدين أفاية في «النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»

الديمقراطي الحقيقي هو الفاعل الحقيقي للديمقراطية وليس من يتمناها في برجه العالي
TT

الديمقراطي الحقيقي هو الفاعل الحقيقي للديمقراطية وليس من يتمناها في برجه العالي

الديمقراطي الحقيقي هو الفاعل الحقيقي للديمقراطية وليس من يتمناها في برجه العالي

سأركز في هذا المقال، على دراسة بعض القضايا التي أثارها الدكتور محمد نور الدين أفاية، في القسم الثاني من كتابه الجديد: «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، الطبعة 2014. وفيه عالج «الكثافة النقدية التي تتضمنها الفلسفة وعلاقتها بأسئلة الوجود والحياة، وللأبعاد النقدية الثاوية، بل والمكونة للديمقراطية، باعتبارها نظرة إلى الإنسان وإلى المجتمع، فضلا عن كونها سياسة تنبني من المساءلة والمراقبة» (ص 13). من خلال رصد مجموع القضايا التي تجعل من الفلسفة لا مجرد تأمل نظري بحت، بل فعلا مقترنا بالواقع المعيش وباليومي، حيث يدعونا إلى إعادة النظر في طريقة وأساليب عمل الفلسفة، وربطها بالواقع اليومي المعيش، بما هي نشاط يمنحنا الحياة السعادة بالمعنى الأبيقوري. حيث يذهب إلى أن الفلسفة، كمادة فكرية وتربوية، تبقى «رغم وضعيتها المؤسسية والثقافية، مجالا للتنوير والتحفيز والاجتهاد. بل إنه من الأفضل، بجميع التقديرات، دعم الدرس الفلسفي داخل المؤسسات وترسيخه، بدلا من ترك الميدان حرًا للنزعات اللاعقلانيّة، حيث ينتعش التحجر، واللاتسامح، وإعدام التاريخ» (ص 122). وهذا ما يجعلنا نعتبر أن غايات الدرس الفلسفي تتجاوز الممارسة الفصلية، وتخترق جدران الفصل الدراسي نحو الخارج، حيث تدعو إلى قيم إنسانية نبيلة غير مستساغة لذوي النزعة اللاعقلانية، ولذوي النزوع نحو التحجر والتعصب.
ويقف كثيرًا على وضعية الدرس الفلسفي بالمغرب، ويعتبره درسا تحيط به إكراهات وضغوط تتعلق بالمناخ الثقافي العام، وبما هو مؤسسي، وبغياب الشروط المادية، حيث يقول: «يعيش الدرس الفلسفي، سواء كان جامعيا أو ثانويا، مجموعة ضغوط، منها ما هو مؤسسي وما هو رهين بالسياق المادي، ومنها ما يتصل بالوضعية النظرية التي يتحرك ضمنها، وبالمناخ الثقافي العام الذي يتفاعل معه سلبا أو إيجابا» (ص 120). وبطبيعة الحال، أمكننا تلخيص هذه الضغوط في طبيعة المجتمع المغربي، حيث تحضر السلطة التقليدية والمحافظة بقوة في القرار السياسي، ناهيك عن الثقل التاريخي الذي نحمله معنا منذ مأساة ابن رشد.
يفرض علينا النظر إلى طبيعة العلاقة بين المؤسسة التعليمية والفلسفة، افتراض أن هناك اختلافا جوهريا بين أهداف وغايات الفلسفة، وأهداف وغايات المؤسسة التربوية. ففي الوقت الذي تتجه فيه الفلسفة نحو نقد المألوف والسائد، وخلخلة الدوكسا (المعتقد الشائع)، والثابت، والآراء المسبقة حول المجتمع وثقافته وسلوكياته، تتجه المؤسسة بصفة عامة، نحو تكريس السائد، وإعادة إنتاج التقليد، والمحافظة على الآيديولوجيا المهيمنة. تبدو وظيفة المدرس حقا مختلفة عما ألفناه، في حين أنه كخبير ومختص في مادته التدريسية، فهو لا يقوم بأي شيء إبداعي أو خارق، لأنه يقوم فقط بمساعدة التلاميذ على فهم النصوص وتفكيك المضامين، وتدريبهم على الكتابة الإنشائية. وعلى الرغم من ذلك، يبقى مدرس الفلسفة بكل سلطاته التربويّة والمعرفيّة والمهنيّة، في خدمة المؤسسة التعليميّة للأسباب التي ذكرناها أعلاه. لذلك نتفق مع دريدا في أنه لا وجود لمكان محايد وطبيعي في التعليم، أي أن الأمر يتعلق باتخاذ موقف سياسي، أي موقف القبول أو رفض اللعبة: هذا هو منطق السياسة. وهو ما يرفضه سلافوي جيجيك، حينما يعتبر أن الفلسفة والسياسة مفترقتان: ففي الوقت الذي تتجه فيه السياسة صوب تدبير وتسيير وتقويم المجتمع، أي حل المشكلات، تتجه الفلسفة نحو إثارة المشكلات وعلى الأخص المشكلات الجديدة؟ وبهذا المعنى تقف الفلسفة في وجه المؤسسة لأنها تخدم أغراض السياسة.
ليست تأملات الدكتور بنوع التأملات الفارغة من المعنى، ولا بنوع الشعارات الرنانة التي تعودنا سماعها في النقاشات الجارية، بل هي نابعة من عمق غيرته على الدرس الفلسفي، في بعده المنهجي والمعرفي أيضا، لأن «التفلسف معناه أن تفكر فيما تعرف وما تعيش وما تريد» (ص 101)، وهو بذلك يخترق جدارا يعرف جيدا أنه ليس بهين: فكيف لنا أن نفكر فيما نعرف وما نعيش وما نريد؟ إن الدعوة إلى تأمل المعيش والتساؤل عن البديهيات والأحكام المسبقة، لهي مغامرة حقيقية، من دونها لا يمكن الحديث عن تفلسف حقيقي. فهذا الأخير «ليس مجرد ادعاء أو مغامرة، بل هو عمل وجهد لا يحصل من دون قراءات وأدوات بل معاناة»، إن التفلسف يفيد في نظر الدكتور: «نقد للمسبقات والأوهام وللآيديولوجيات... إنه عمل وكفاح سلاحه العقل وأعداؤه تعبيرات البلاهة والتعصب والانغلاق وحلفاؤه مختلف العلوم، وهدفه الحكمة والسعادة» (102)، وهنا تتضح بجلاء عمق النزعة الأبيقورية التي يستحضرها ويستشهد بها غير مرة: «الفلسفة نشاط يمنحنا الحياة السعيدة من خلال الخطاب والبرهنة».
يؤمن الدكتور إيمانًا عميقًا بقدرة الفلسفة على القيام بوظيفتها النقديّة، فعلى الرغم من الصورة السلبيّة التي يرسمها الجميع عن درس الفلسفة، و«على الرغم من كل العوائق التي لا تزال تحيط بالدرس الفلسفي في المغرب وفي العالم العربي ككل، فإن هناك بصيص أمل، هناك من لا يزال يجتهد داخل الحقل الفلسفي، ولا تزال أنوية شابة تعمل على توصيل السؤال وتبليغ الهم الفكري».
ينطلق الدكتور لبحث العلاقة الشائكة بين الفلسفة والديمقراطية، من التساؤلات التالية: هل يمكن تصور دور ما للفلسفة في ظل التحولات الجارفة الجارية على الصعيد الدولي؟ هل يحتمل منطق العولمة، بانكساراتها وأزماتها وحساباتها، إمكانية إدخال هامش من التأمل والتفكير؟ ما هو دور الفلسفة في المجال الديمقراطي؟ كيف يمكن للفلسفة، وللديمقراطية معها، أن تساهم في تكوين المواطنين؟ وما هي وسائلها ومقاصدها؟
تمثل تغيرات السيّاسة في عالم اليوم، الهاجس الأكبر للدكتور في اختياره لموضوعة الديمقراطيّة، ناهيك عن محيطنا الثقافي والسيّاسي والاجتماعي، أي الطبيعة المركبة لمجتمعنا المغربي. بحيث يدعو إلى تدقيق النظر في العلاقة بين الفلسفة والديمقراطية من خلال رصد الموقفين المتعارضين حول دور الفلسفة اتجاه الديمقراطية، لأنه «يصعب تصور تسخير الأولى قصد تحقيق الثانية» (117)، وسيكون من الخطأ «اعتبار الفلسفة دعامة للديمقراطية بالضرورة، وسنكون واهمين إذا عملنا على تنمية تدريس الفلسفة وانتظرنا، من خلال ذلك، نتائج تخدم وتنشر القيم الديمقراطية بكيفية آلية ونفعية». هكذا يرى «إنه من الصعب الاستنتاج بأن أي فيلسوف أو من اكتسب معرفة فلسفية، إنسان ديمقراطي بالضرورة، ويشهد تاريخ الفكر الفلسفي على هذا التعارض الصارخ بين الفلسفة وسؤال الديمقراطية، بحيث إن السياق يفرض نفسه: ألم يدافع توماس هوبز عن الحكم الملكي المطلق في وجه الجمهوريين باسم المصلحة العامة؟ فالديمقراطي الحقيقي في نظره هو الفاعل الحقيقي للديمقراطية، وليس ذلك الذي يتمنى الديمقراطية في برجه العالي وكأنها قدر ستأتي يوما لا محالة». غير أن الديمقراطية لا تفيد في نظره مجرد أسطورة أو حكاية بل هي ممارسة لا تخلو من سلبيات، وتقبل التطور والتغير، من هنا يستحضر النقاش المعاصر الذي دشنه الفيلسوف الألماني المعاصر هابرماس إلى جانب رواد الليبرالية السياسية الأميركية: جون راولز وتشارلز تايلور حول الديمقراطية التمثيلية والتي تعيش أزمة حقيقية في عصر العولمة.
لقد أبانت العولمة عن حدود الديمقراطية التمثيلية، من جهة ظهور مؤسسات عالمية تدير حكما سياسيا دوليا، وهي مؤسسات تمارس سلطتها على مجموع الكوكب من دون حاجة إلى أي شرعية انتخابية أو شعبية، من قبيل مجموعات الدول الثماني الكبار أو مجموعة العشرين، التي تضع مصير مواطني العالم بين أيدي الشركات المتعددة الجنسية. ولنأخذ كمثال على ذلك، اتفاقية (الاتفاقية متعددة الاستثمار)، التي تمنح الحق للشركات للاعتراض على قرارات دولة ما، تمس بمصالح الشركة. لقد صار قرار الدولة بسيادتها ومؤسساتها وعمليتها السياسية ككل، موضع سؤال، وتعاظم دور الاقتصاد أمام دور الدول.
يقترح أفاية، توليفة متأنية وعميقة للدور المفترض للفلسفة تجاه الديمقراطية، لأن «ممارسة التأمل الفلسفي لا تفهم بوصفها مقاربة لتاريخ الأفكار، بمقدار ما يفترض فيها المساعدة على تكوين المواطن وتطوير حسه النقدي التحليلي، وتقديره لتنوع الحجج واختلافها ووعيه بنسبية الأمور. وتمثل المساهمة في تنمية القدرة على الحكم معطى أساسيًا في الحياة الديمقراطية، خصوصًا إذا ما حصل تجاوز الإطار الضيق للاختصاص، وتلاه الانفتاح الملائم على وسائط الاتصال الجديدة، لمحاربة الأمية الفكرية ونشر الفكر العقلاني» (120)، بحيث إن ما يقرب الفلسفة من الديمقراطية، في نظره، هو القدرة على النقد الذاتي، أي قدرة الفلسفة على إعادة النظر في أساسياتها وقدرة الديمقراطية على تطور مؤسساتها في خدمة المواطنين.
لا تسير الفلسفة مع الديمقراطية دوما في اتجاه واحد، كما أن حضور الفلسفة في بلد ما من البلدان لا يقترن بالضرورة بالديمقراطية، بل يرتبط الأمر بالإرادة السياسية وبمرونة القرار السياسي، وأن التاريخ الثقافي والفكري لبلد ما قد لا يساير تاريخه السياسي. فهناك: «بلدان ديمقراطية لا تعير الفلسفة أي اهتمام، ولا تدمجها في نظامها التربوي، أو تستدعيها في حياتها الثقافية، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية». وبهذه الإشارة، فإن رهان مؤسسة اليونيسكو أن تحقق الفلسفة وتعزز الديمقراطية في بلدان مستبدة أو أوثوقراطية، هو رهان يقبل النقض. وعلى العكس من ذلك، نجد الفلسفة حاضرة بقوة في بلدان غير ديمقراطية، ما يطرح السؤال حول أطروحة اليونيسكو. يحدد الدكتور التقاء الفلسفة والديمقراطية في أربعة مستويات: الشك: بحيث إن البحث عن الحق والمناقشة حول العدالة يتطلب: خلخلة اليقينيات، ومساءلة الثابت، والانتقال من الأجوبة إلى الأسئلة؛ الكلام، أي ضرورة المناقشة والنقد ومواجهة حجج الآخرين، سواء في مجال الفكر الفلسفي أو في معترك السياسة؛ المساواة: لأن المساهمة في الحوار والمناقشة لا يتطلب أي ترخيص أو أي سلطة أو صفة، بل القدرة على الكلام والإقناع والحجاج؛ التأسيس الذاتي: بحيث إن «الفلسفة والديمقراطية تستمدان قوتهما من ذاتيهما، ولا تخضعان لأي قوة عير منبعثة منهما».
تمثل هذه المستويات بحق مجالات اشتغال الفلسفة السيّاسيّة والعلوم السيّاسيّة معًا، مع افتراض التمايز الممكن بين الخطاب الفلسفي وبين الخطاب السيّاسي، ففي الوقت الذي يتجه هذا الأخير، نحو غايات نفعيّة ولحظيّة تهدف إلى تدبير الشأن العام، فإن الخطاب الفلسفي يهدف إلى مساءلة الخطاب السياسي برمته، وإلى إثارة المشكلات لا كما يراها السيّاسي ذو النظرة الضيقة – ولربما لأنها تتعارض ومصلحته الخاصة – وإنما كما يراه منطق العقل في تاريخيته وفي بعده الكوسموبوليتي. وبموجب هذا، يقر «إن الفلسفة في الأول والأخير، اختيار فكري وتربوي وسياسي، نجد من يعتبره وسيلة لتعزيز العملية الديمقراطية، وتحفيز التفكير الحر، ونلقى، في المقابل، من يرى أن هناك أولويات اقتصادية واجتماعية يتعين توفيرها، أولا، قبل الانشغال بقضايا الفلسفة وبأمور تدريسها»، وعلى الرغم من ذلك، فالقرار السياسي يستحضر البعد الديمقراطي للفلسفة، لأن مهمة الفلسفة هي «تكوين المواطن، وتطوير حسه التحليلي، وتقديره لتنوع الحجج واختلافها، ووعيه بنسبية الأمور».



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.