أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»

إعادة قراءة في كتاب «حضارة العرب» لغوستاف لوبون

أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»
TT

أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»

أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»

هل فعلاً لم تعرف الجزيرة العربية الحضارة قط، وأنه لم يكن هناك عالم لغة عربية واحد في الجزيرة العربية، وأن سكانها كانوا مجرد سراق إبل، كما ذهب د. يوسف زيدان في ندوة له في المغرب، وكذلك قسم من المؤرخين والمستشرقين؟ الرد المفحم على هذا التشكيك قدمه العالم الفرنسي الشهير جوستاف لوبون، الذي يدين له علم الاجتماع بالكثير، في كتابه «حضارة العرب» الذي صدر عام 1884. الترجمة للعربية أنجزها شيخ المترجمين العرب، الفلسطيني عادل زعيتر (1895 - 1957)، ضمن سلسلة الأعمال الفكرية التي أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2000. ولا أعلم لماذا لم يتطرق أحد له خلال ذلك الجدل الأخير، رغم أن هذا الكتاب الخطير بكل ما تعنيه الكلمة، يؤكد وجود حضارة إنسانية متكاملة قامت في شبه الجزيرة العربية. عدت للكتاب الذي أعتز به في مكتبتي ضمن أمهات الكتب التاريخية، للتعرف على رأي لوبون ومشاهداته وآراء المؤرخين في زمانه في تلك الحقبة الزمنية، وتمنيت لو استطعت نشره على أوسع نطاق، وسعدت بأن مؤسسة «هنداوي للتعليم والثقافة» قامت بنشر هذا الكتاب إلكترونيًا على موقعها مجانًا للقراء، وهو أمر يستحق الإشادة والتبجيل.
يقع الكتاب الموسوعي في 659 صفحة، ويعد دراسة سوسيولوجية وأنثروبولوجية وسياسية وطبوغرافية شاملة، وهو مقسم إلى 6 أبواب، وكل باب مقسم إلى 3 فصول، فضلاً عن أنه مزود بالصور والخرائط، بعضها التقطه لوبون بنفسه أثناء زيارته البلاد العربية، وبعضها حصل عليه من المراكز العلمية والبحثية العربية التي تردد عليها أو من المجموعات النادرة التي تحصل عليها، فهو يعتبر أيضًا من أهم الكتب التي تقوم على المشاهدات التاريخية، ولا يقل أهمية عن كتابات ابن خلدون. وقد برع المترجم في نقل رؤى ونظريات لوبون بلغة سهلة، مع تطعيم الكتاب بمعاني المفردات والتعريف بالأشخاص الذين ذكرهم لوبون، وتصويب بعض الهنات التي وقع فيها المؤلف الفرنسي. وربما لم يأخذ الكتاب حقه كمرجع هام، نظرًا لكونه ينصف الحضارة العربية ويدحض أقوال المستشرقين الخاطئة عن العرب والإسلام وتعاليمه.
في هذا الكتاب قدم لوبون، مؤلف «سيكولوجية الجماهير»، دراسة متكاملة عن ماضي وحاضر العرب، فدرس طبائعهم وعاداتهم وأسلوب حياتهم، وأثر ذلك في تقدمهم أو تأخرهم، بل تمنى لو استطاعوا الاستيلاء على أوروبا وجنبوها ظلام القرون الوسطى، ونجده يُرجع أسباب أفول حضارة العرب لاختلاط دمائهم وتزاوجهم من شعوب أخرى. يقول لوبون في مقدمته: «لم يقم عالم بوضع كتاب جامع لتأثير حضارة العرب في الأمم التي سيطرت عليها، شامل لعجائبها في إسبانيا وإفريقيا ومصر وسوريا وفارس والهند، ولم تنل يد البحث العام فنون العرب، وإن كان أكثر ما عرف من عناصر حضارتهم، وباء المؤلفون القليلون الذين أرادوا ذلك بالخيبة، فعزوا حبوط عملهم إلى نقص الآثار والأسانيد!»، ويستكمل موضحًا إشكالية أطروحته العلمية: «حقًا، إن ما ذكره المؤرخون ضعيف للغاية ولا يقف أمام سلطان النقد، وطريقة التحليل العلمي أفضل وسيلة لإيضاح شأن أمة كالأمة العربية.. والغرب وليد الشرق ولا يزال مفتاح ماضي الحوادث في الشرق، فعلى العلماء أن يبحثوا عن هذا المفتاح». (ص: 26 - 27).
يبدأ الكتاب بباب «البيئة والعرق» ويناقش في مستهله جغرافيا الجزيرة العربية، ويكشف كيف أن معرفة الرومان بها كانت ضعيفة للغاية، وكذلك الأوروبيين الذين لم يعرفوا عنها إلا بعد المؤرخ نيبوهر، الذي زارها عام 1762م ووضع أول خريطة علمية عنها. ويقول: «وانقضى نصف قرن بعد نيبوهر من غير أن يقوم سائح آخر بارتياد الجزيرة العربية، فلما كانت سنة 1815، استأنف بُركهارد البحث، فجمع أنباء رائعةً عن الجزيرة العربية، ولا سيما مكة والمدينة، وما قامت به مصر نحو تلك السنة من غزو ضد الدولة السعودية الأولى كان فاتحة بحث واسع عن مختلف أقسام الجزيرة العربية، ثم جاب الجزيرة العربية سيّاح كثيرون، نذكر منهم والني (سنة 1845) وبُرتُون (سنة 1852) وبلغريف (سنة 1862) الذي زار في أواسط الجزيرة العربية، أماكن كانت مجهولة قبله تمامًا».
وفي وصفه لبلاد نجد، استعان بأقوال المؤرخ بلغريف: «من الباطل أن توصم الجزيرة العربية بالتوحش». وفي حديثه عن مكة، يشير إلى أحد أسباب نقص المعلومات عنها لدى مؤرخي أوروبا، بسبب أنه كان يمنع دخول أي أوروبي إليها، إذ كتب لوبون: «لم يكن لدينا عنها فيما مضى، غير رسوم ناقصة لا يركن إليها عند البحث الصحيح، ونستطيع، اليوم فقط، أن نتمثلها تمثلاً صحيحًا بفضل الصور الفوتوغرافية التي التقطها أحد رجال الجيش المصري، صادق بك، والتي انتهت إلينا بأوروبا في سنة 1881، فاستعنا ببعضها في هذا الكتاب».
يرد الكتاب على آراء المستشرقين الأوروبيين التي وصمت العرب في شبة الجزيرة العربية بالتخلف، أو وصفهم بـ«الرعاع» أو «الأجلاف»، ومنهم رينان الذي قال: «لا مكان لبلاد العرب في تاريخ العالم السياسي والثقافي والديني قبل ذلك الانقلاب المفاجئ الخارق للعادة الذي صار به العرب أمة فاتحة مبدعة، ولم يكن للجزيرة العربية شأن في القرون الأولى من الميلاد، حين كانت غارقة في دياجير ما قبل التاريخ، ولم يظهر بأسها وبسالتها إلا بعد القرن السادس من الميلاد».
وكتب لوبون في الفصل الثالث من كتابه ردًا على رينان تحت عنوان «الوهم في همجية الجزيرة العربية قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم)»، نافيًا أن يكون العرب قبل الإسلام من الأجلاف، وأنه لا يمكن لأمة أيًا كانت أن تظهر حضارتها بغتة، مؤكدًا أن رأي رينان فاسد، لأنه «لا يتم تطور الأشخاص والأمم والنظم والمعتقدات إلا بالتدريج.. أثبتت الآثار والوثائق التي بأيدينا وجودها، وأنها لم تكن، على ما يحتمل، دون حضارة الآشوريين وحضارة البابليين اللتين ظهر شأنهما حديثًا بفضل علم الآثار بعد أن كانتا مجهولتين. ولم ينشأ وهم الناس في همجية الجزيرة العربية قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم) عن سكوت التاريخ فقط، بل نشأ أيضًا عن عدم التفريق بين أهل البدو وأهل الحضر من العرب. والأعراب، قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) وبعده، أجلاف كأجلاف الأمم الأخرى الذين لم يكن لهم تاريخ ولا حضارة».
ويستطرد قائلاً: «كان للعرب قبل ظهور مُحمد (صلى الله عليه وسلم) آداب ناضجة ولغة راقية، وأنهم كانوا ذوي صلات تجارية بأرقى أمم العالم القديم، فاستطاعوا في أقل من مائة سنة أن يقيموا حضارة من أنضر الحضارات التي عرفها التاريخ».
ويعتبر هذا الفصل ردًا مفصلاً على كل من ينكر حقيقة تاريخ العرب قبل ظهور الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ويقول: «للعرب ما قبل تاريخهم مثل ما للأمم الأخرى.. وعثر علماء الآثار القديمة في الجزيرة العربية وأوروبا وأميركا وفي كل مكان على آثار لذلك العصر الحجري.. ولا ترجع أقدم روايات الجزيرة العربية إلى ما قبل إبراهيم، ولكن علم اللغات يثبت أن أممًا ذات لغة واحدة كانت تسكن البقاع الواقعة بين القفقاس وجنوب الجزيرة العربية، وإن لم يكن عرق هذه الأمم واحدًا، ودل درس اللغات السامية على أن لغات تلك الأمم، وهي (العبرية والفينيقية والسريانية والآشورية والكلدانية والعربية)، وثيقة القربى متحدة الأصل». (ص: 89).
ويشير لوبون إلى أن مصادر تاريخ العرب قبل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، هي كتب العبريين وروايات العرب والنصوص القليلة التي وردت في كتب بعض مؤرخي اليونان واللاتينيين، وما جاء في الخطوط الآشورية، وما أسفرت عنه الاكتشافات التي تمت في موقع الصفا القريب من دمشق، لافتًا إلى أن كتب العبريين تؤكد أن للعرب حضارة أقدم منهم، ويؤكد أن ما ورد في مؤلفات اليونانيين يثبت أن الإسكندر عزم على غزو الجزيرة العربية لما عرف عنها من غنى سكانها قبل الميلاد بأربعة قرون، وأنها نجت من غزوه بسبب موته. وحين قسمت دولة الإسكندر كانت الجزيرة من نصيب بطليموس، حيث نصر الأنباط بطليموس على أنتيغون سيد سوريا وفينيقيا، ثم أباد الأنباط بعد ذلك جيش أنتيغون. وتحت عنوان «حضارة الجزيرة العربية قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم)» يكشف لوبون ما قصه بنو إسرائيل عن تجارة العرب ومدنهم، ويذكر هنا ما رواه المؤرخان هيرودتس واسترابون من وصف لمعالم الثراء والحضارة في بلاد العرب ويتطرق بالتفصيل لما ذكراه عن مملكة سبأ وسد مأرب (ص: 100).
يفرق لوبون بين أقوام العرب الذين وصفهم بأنهم على قدر كبير من الذكاء، وبين برابرة القرون الوسطى الذين وصفهم بـ«الأمم المنحطة»، وبين «أجلاف الترك والمغول»، ويشير إلى أن العرب أبدعوا بعد استعانتهم بحضارة اليونان والرومان والفرس «حضارة جديدة أفضل من الحضارات التي جاءت قبلها». وأفرد الباب الثاني (مصادر قوة العرب) للحديث عن سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) منذ ولادته ورسالته السماوية، وحياته وأخلاقه، ثم تحدث عن القرآن الكريم واستشهد بعدد من الآيات من سور مختلفة منه، وتطرق بعدها لفلسفة القرآن وانتشاره في العالم، مقرًا بأن سهولة الدين الإسلامي ووضوحه سبب قوته، وما أمر به من العدل والإحسان كان سببًا في اعتناق كثير من الشعوب له.
في الفصل الثالث (فتوح العرب) يتحدث المؤلف عن حال العالم في زمن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويورد الفتوحات التي قاموا بها حتى نهاية دولة العرب، كما أطلق عليها بعد أن استولى فرديناند على عاصمة العرب الأخيرة غرناطة سنة 1492م، أي في القرن التاسع من الهجرة.
ويخوض الباب الثالث (دولة العرب) وهو أطول أقسام الكتاب، في تفاصيل تأثير العرب على الأمم التي عاشروها، باحثًا في أثرهم في كل بلد فتحوه، حيث أورد أحوال هذه البلاد قبل وبعد الفتح العربي، وفصوله هي: «العرب في سوريا»، و«العرب في بغداد»، و«العرب في بلاد فارس والهند»، و«العرب في مصر»، و«العرب في أفريقيا الشمالية»، و«العرب في إسبانيا» و«العرب في صقلية وإيطاليا وفرنسا» و«اصطراع النصرانية والإسلام.. الحروب الصليبية».
والحق لم يترك لوبون مقولة تاريخية ضد العرب أو المسلمين بشكل عام إلا ورد عليها، نافيًا عنهم مثلاً حرق مكتبة الإسكندرية: «وأما إحراق مكتبة الإسكندرية المزعوم، فمن الأعمال الهمجية التي يأباها العرب، والتي تجعل المرء يسأل كيف جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمنًا طويلاً؟ وهذه القصة دحضت في زماننا.. إن النصارى هم الذين أحرقوا كتب المشركين في الإسكندرية قبل الفتح العربي بعناية كالتي هدموا بها التماثيل ولم يبق منها ما يحرق». (ص: 213).
ويشير في الباب الرابع (طبائع العرب ونظمهم) إلى أن العرب أقل تحولاً من الأوروبيين لارتباطهم بالعادات والتقاليد، وأيضًا لالتزامهم بالقرآن كدستور ديني وسياسي ومدني، مشيرًا إلى أهم صفات أهل البدو من العرب، ألا وهي عشقهم للحرية. ثم يتحدث عن أسلوب معيشتهم ومنازلهم وطعامهم وشرابهم، كما تطرق لمسألة تعدد الزوجات، مشيرًا إلى أن الزوجات هن من يدفعن أزواجهن لذلك. وأشار لكرم ضيافتهم، كما أتى على ذكر أنواع الطعام على الموائد العربية التي بها «ما تجهله الموائد الأوروبية». (ص: 355).
ويقدم لوبون شهادته عن طبائع عرب المدن، مقدمًا وصفًا تفصيليًا للأسواق والبيوت والأعياد والاحتفالات والحمامات الشعبية والمقاهي. ويتناول فن القص كأحد أهم وسائل التسلية عند العرب: «يقص القاصون القصص ارتجالاً في بعض الأحيان، ويقتصرون في الغالب على إنشاد قصيدة أو تلاوة قصة من رواية ألف ليلة وليلة، ولا أزال أذكر أنني زرت حيًا من أحياء يافا الشعبية ذات ليلة، فشاهدت فيه جمعًا عربيًا من الحمالين والنواتي والأجراء... إلخ، يستمعون على نور مصباح إلى قصة عنترة بعناية، فتراني أشك في نيل قاص مثل ذلك النجاح لو أنشد جماعة من فلاحي فرنسا ما تيسر من شعر لامارتين أو شاتوبريان». (ص: 373).
وفي دراسته لـ«الرق في الشرق» يقول لوبون: «الرق عند المسلمين غيره عند النصارى فيما مضى، وحال الأرقاء في الشرق أفضل من حال الخدم في أوروبا، فالأرقاء في الشرق يؤلفون جزءًا من الأسر».
ويقدم لوبون شرحًا مفصلاً لنظم العرب السياسية والاجتماعية، قائلاً: «العرب، وهم أعقل من كثير من أقطاب السياسة المعاصرين، كانوا يعلمون جيدًا أن النظم الواحدة لا تلائم جميع الشعوب، فكان من سياستهم أن يتركوا الأمم المغلوبة حرة في المحافظة على قوانينها وعاداتها ومعتقداتها». (ص: 382).
وذهب لوبون إلى أن نظام العرب السياسي كان ديمقراطيًا، قائلاً: «لا شيء أكثر بساطة من بساطة نظم العرب السياسية، فقد قامت على مساواة الجميع التامة تحت سيد واحد، أي تحت وكيل الله في الأرض، الذي كان الصاحب الوحيد لكل سلطة مدنية ودينية وحربية، والذي لم يكن في الدولة سلطة غير سلطته أو سلطة مندوبيه، ولم يعرف العرب قط نظام الإقطاع والأرستقراطية والوظائف الإدارية». (ص: 392).
وتطرق لوبون لتأثير الإسلام على حياة المرأة قائلاً: «الإسلام حسن حال المرأة كثيرًا، وهو أول دين رفع شأنها، والمرأة في الشرق أكثر احترامًا وثقافة وسعادة منها في أوروبا على العموم»، كما أنه اعتبر تعدد الزوجات في الشرق أفضل من الزنا والخيانة الزوجية في الغرب.
لم يغفل لوبون دراسة الأخلاق والقيم عند العرب والمسلمين، ثم يقدم مبحثًا عن مناهج العرب العلمية والكتب التي ألفوها وساهموا بها في نشر العلم في أوروبا. وفي مبحث آخر يتناول اللغة العربية، مفيدًا بأن الشعر العربي ظهر قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم بقرن واحد، وأن لهجة قبيلة النبي هي أفصح لهجات العرب، ثم يستشهد لوبون بما ذكره المؤرخ سيديو بأن اللغة العربية ذات أثر عميق في اللغات اللاتينية، وتحديدًا الفرنسية، ويقدم بعض الكلمات التي اقتبست من العربية أو اشتقت منها.
وفي حديثه عن «الأدب العربي»، يؤكد لوبون أن أمر الأدب القديم في اليمن وفي مختلف أجزاء الجزيرة العربية مجهول تمامًا، وأن ما عرف منه ما قيل بعد ظهور المسيح. وينتقل بعدها للتأكيد على فضل العرب في علوم الفلك والرياضيات والعلوم الجغرافية والفيزياء والميكانيكا والكيمياء والعلوم الطبية والعلوم التطبيقية واختراعهم البارود والأسلحة النارية، على عكس ما أشيع بأن الصينيين هم من اخترعوه، وأشار إلى أنهم أول من استخدموا البوصلة في الملاحة البحرية، مقدمًا أدله من مخطوطات قديمة.
وخصص لوبون فصلاً عن الفنون العربية والرسم والحفر، ويشير إلى أن العرب والإغريق والرومان والفينيقيين والعبريين وكل أمة أخرى استفادت من مجهودات الماضي، وأن فنون العرب تشير إلى أن تميزهم فيها لم يظهر فجأة، بل كانت له أسس في الماضي السحيق لم تتكشف للعلماء.
كما خصص فصلاً آخر عن فنون العمارة عند العرب وإبداعهم المآذن والمساجد والزخارف، مشيرًا إلى أن الطراز العربي قبل ظهور النبي لا يزال مجهولاً، «خلا ما يستشف من بقايا مباني اليمن القديمة، ومن بقايا المباني التي أقيمت في الممالك العربية السورية القديمة، كمملكة الغساسنة مثلاً».
ولم يغفل لوبون دراسة صلات العرب بالعالم من حولهم عبر التجارة، فكتب عن صلات العرب بالهند، وبالصين، وأفريقيا، وأوروبا. ثم انتقل لتأثير العرب في أصقاع العالم من حولهم، مشيرًا إلى أنهم تركوا أثرًا في كل البلدان التي دخلوها، بل وأثروا في مصر التي يقال عنها إنها أصعب أقطار العالم إذعانًا للمؤثرات الأجنبية، وإنها تخلت عن حضارتها التي دامت 7 آلاف سنة بعد أقل من قرن واحد منذ دخول عمرو بن العاص، فاعتنقت مصر دينًا جديدًا ولغة جديدة وفنًا جديدًا اعتناقًا متينًا.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.