في «لحظة تاريخية».. الرياض وموسكو تشكلان مجموعة عمل استراتيجية لمراقبة سوق النفط

اتفاق تعاون بين السعودية وروسيا.. وحصة إيران وتجميد الإنتاج «محل خلاف»

في «لحظة تاريخية».. الرياض وموسكو تشكلان مجموعة عمل استراتيجية لمراقبة سوق النفط
في «لحظة تاريخية».. الرياض وموسكو تشكلان مجموعة عمل استراتيجية لمراقبة سوق النفط
TT

في «لحظة تاريخية».. الرياض وموسكو تشكلان مجموعة عمل استراتيجية لمراقبة سوق النفط

في «لحظة تاريخية».. الرياض وموسكو تشكلان مجموعة عمل استراتيجية لمراقبة سوق النفط
في «لحظة تاريخية».. الرياض وموسكو تشكلان مجموعة عمل استراتيجية لمراقبة سوق النفط

ارتفعت أسعار النفط بالأمس بعد أن وقعت السعودية وروسيا اتفاقًا مبدئيًا لبحث السبل الممكنة لدعم استقرار أسواق النفط، وهو الاتفاق الذي وجد الإعلان عنه ترحيبًا واسعًا من الدول المنتجة للنفط؛ إلا أن أكبر بلدين منتجين للنفط في العالم لم يعلنا عن التوصل إلى شكل نهائي للتعاون، في ظل وجود اختلاف في وجهات النظر حول أمور مثل حصة إيران في السوق، وما إذا كان تجميد إنتاج النفط بين الدول المنتجة هو الخيار الوحيد والأفضل لإعادة الاستقرار للسوق.
وقفز سعر خام القياس العالمي مزيج برنت أمس أكثر من 4.7 في المائة، متجاوزًا 49 دولارًا للبرميل، قبل أن يعاود الهبوط والتذبذب، حيث لا تزال هناك الكثير من المباحثات التي ستجري بين المنتجين قبل الوصول إلى اتفاق نهائي.
وسيبدأ البلدان التباحث حول كل الأمور المتعلقة بإعادة الاستقرار للسوق في الأيام القادمة التي تسبق الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي، والذي سيعقد في الجزائر، والذي من المحتمل أن يشهد اتفاقًا بين المنتجين في دول منظمة البلدان المصدرة للبترول وخارجها بما فيها روسيا. وبحسب البيان المشترك بين البلدين، والتصريحات الصادرة من وزيري الطاقة السعودي والروسي بالأمس، فإن وزارة الطاقة الروسية تقول إن وزيرا الطاقة في البلدين سيلتقيان في الجزائر الشهر الحالي، ثم في فيينا في نوفمبر (تشرين الثاني) . ووقع الاتفاق وزيرا الطاقة السعودية والروسي في الصين على هامش قمة مجموعة العشرين، بعد اجتماع بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
وأي اتفاق بين «أوبك» وروسيا، غير العضو في المنظمة، سيكون الأول من نوعه في 15 عامًا منذ أن اتفقت موسكو على خفض الإنتاج مع المنظمة في بداية الألفية، لكن روسيا لم تلتزم أبدًا بوعودها.
وقال وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، إن تجميد مستويات إنتاج النفط ليس «ضروريًا» في الوقت الحالي، وذلك في أعقاب توقيع الاتفاق. وأوضح في تصريحات تلفزيونية عقب المؤتمر الصحافي مع نظيره الروسي: «لا يوجد حاجة الآن لتجميد الإنتاج. لدينا الوقت لاتخاذ هذا القرار. التجميد هو من الاحتمالات المفضلة؛ ولكن ليس ضروريًا اليوم تحديدًا». وتابع: «وضع السوق يتحسن يومًا بيوم، ولاحظنا الأسعار تبين ذلك».
أما وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك فقد قال في بيان إن بلاده والمملكة تناقشان حاليا معايير محددة لاتفاق تثبيت إنتاج النفط.
وقال نوفاك: «لقد اتفقنا مع وزير الطاقة السعودي على إجراءات مشتركة تهدف إلى تحقيق استقرار في وضع سوق النفط. نعتبر تثبيت الإنتاج الأداة الأكثر فاعلية، وهناك معايير محددة يجري مناقشتها في الوقت الراهن».
ويقول نوفاك إنه يجب إعطاء إيران الحق في الوصول بإنتاج النفط لمستوى ما قبل العقوبات، حسبما نقلت عنه وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء.
وذكر نوفاك في تصريحات أن هناك خلافًا في «أوبك» ما إذا كانت إيران وصلت بالفعل لمستويات إنتاج ما قبل العقوبات، وأن السعودية وروسيا لا تزالان على اختلاف حول ما هو حجم الحصة التي كانت لإيران قبل أن تقع عليها العقوبات، والتي أعلنت إيران أنها تعمل جاهدة لاستعادتها. وأوضح نوفاك في تصريحات نقلتها وكالة «تاس» الروسية أن كل الخيارات سيتم بحثها مع السعودية، بما في ذلك خفض الإنتاج أو تجميده أو وضع سقف للمنتجين. وستتم مناقشة تلك القضايا في الجزائر.
* دعم روسي لإيران
وتقول إيران إنها تحتاج لاستعادة حصتها السوقية التي فقدتها خلال سنوات العقوبات الغربية التي رفعت عنها في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالأمس في الصين إنه يرى أنه «من العدل أن تضخ إيران النفط بالقدر الذي كانت تضخه قبل فرض العقوبات الدولية عليها»، لكنه أضاف أنه لا يعتقد أن السعر الحالي للنفط عادل. وقال بوتين إن موسكو راضية رغم ذلك عن سعر النفط. وأبلغ مؤتمرا صحافيا عقب قمة مجموعة العشرين أنه شدد على العلاقات الودية التي تربط روسيا بالسعودية المنتج الكبير للنفط.
وقال بوتين الأسبوع الماضي في مقابلة خاصة مع قناة بلومبيرغ إن اتفاقًا جديدًا بشأن إنتاج النفط قد يتضمن بعض التنازلات فيما يخص الإنتاج الإيراني.
وبالأمس قال مسؤول رفيع بشركة النفط الوطنية الإيرانية إن بلاده على استعداد لزيادة إنتاجها من النفط الخام إلى أربعة ملايين برميل يوميًا خلال شهرين وفقًا للطلب في السوق.
وقال سيد محسن قمصري، مدير الشؤون الدولية في شركة النفط الإيرانية، خلال منتدى عن القطاع: «بإمكاننا رفع إنتاج الخام وفقًا لاحتياجات السوق».
وتأتي خطط إيران لزيادة إنتاجها من الخام إلى مستوى ما قبل العقوبات، الذي كان يتجاوز أربعة ملايين برميل يوميًا، قبل عقد اجتماع غير رسمي في وقت لاحق هذا الشهر بين الدول الأعضاء في «أوبك» في الجزائر، حيث من المتوقع أن يسعى المنتجون لإحياء اتفاق تثبيت الإنتاج العالمي.
وذكر قمصري أن إيران - ثالث أكبر عضو في «أوبك» - تنتج في الوقت الراهن ما يزيد قليلا على 3.8 مليون برميل يوميا.
وفشلت محاولات منتجي النفط داخل «أوبك» وخارجها في التوصل لاتفاق بشأن تثبيت الإنتاج في وقت سابق من العام الحالي، بسبب إيران التي امتنعت عن المشاركة في الاتفاق، في ظل تطلعها لزيادة صادراتها بعد رفع العقوبات الدولية عنها.
وفي آسيا، جنت إيران ثمار مساعيها الحثيثة لاستعادة حصتها السوقية التي فقدتها جراء العقوبات الدولية التي فرضت عليها بسبب برنامجها النووي، إذ رفع أكبر أربعة مشترين في القارة وارداتهم من النفط الإيراني بواقع 61 في المائة في يوليو (تموز) مقارنة مع مستواها قبل عام.
كما تسعى إيران إلى تصدير إمدادات لمشترين جدد للخام في الصين عبر شركة «ترافيجورا» التجارية. وقال قمصري إن شركة النفط الإيرانية قد ترفع طاقتها الإنتاجية إلى 4.3 مليون برميل يوميا خلال الربع الأول من العام المقبل، وأن تصل إلى خمسة ملايين برميل يوميا خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، مشيرا إلى أن الجزء الأكبر من أي إنتاج جديد سيكون من الخام الثقيل. وأضاف: «نعتقد أن السوق تفضل الخامات الثقيلة بصورة أكبر، ولهذا السبب نعتزم طرح منتج جديد من هذا النوع».
* اتفاق التجميد
ويقول نوفاك إن استعادة توازن سوق النفط استغرقت وقتًا طويلاً جدًا، وإن تثبيت إنتاج الخام كان سيساعد في هذا الأمر بحسب «إنترفاكس». أما وكالة «تاس» فنقلت عن الوزير قوله إن روسيا مستعدة للمشاركة في اتفاق على تثبيت الإنتاج إذا اتخذ هذا القرار، وأن تثبيت إنتاج النفط سيدعم أسواق النفط. وأضاف نوفاك للصحافيين بالأمس عن ملامح الاتفاق على تثبيت الإنتاج قائلاً: «نحتاج لاختيار شهر ليكون معيارًا استرشاديًا لتثبيت إنتاج النفط. وشهر القياس قد يكون أي شهر في النصف الثاني من 2016. وروسيا مستعدة لقبول أي شهر مقترح». وأضاف نوفاك: «نتفهم أن أسعار النفط المنخفضة أمر غير جيد للإنتاج أو المستهلكين. ومن المهم للدول الأخرى أن تدعم الاقتراح. أسعار النفط يجب أن تجعل المشروعات مربحة وتجذب استثمارات».
* لحظة تاريخية
ويقول نوفاك في البيان الروسي السعودي المشترك إن الاتفاق لحظة تاريخية في العلاقات بين الدول الأعضاء في «أوبك» والدول غير الأعضاء فيها وفقا لوكالة «إنترفاكس». وأضافت وكالة الإعلام الروسية عن الوزير، قوله إن مستوى الثقة المرتفع بين بلاده والسعودية يسمح بالتعاون في مواجهة التحديات العالمية. ونقلت وكالة إنترفاكس عن نوفاك قوله إن موسكو والرياض تتحركان باتجاه شراكة استراتيجية في مجال الطاقة وستشكلان مجموعة عمل لمراقبة سوق النفط، وإعداد توصيات لضمان استقرار السوق. فيما قالت وكالة تاس نقلاً عن البيان المشترك إن روسيا والسعودية تشيران إلى عدم الاستقرار في سوق النفط.
ووقعت المملكة وروسيا اتفاقا من أجل التعاون في سوق النفط بما في ذلك كبح الإنتاج، وهو ما تسبب في ارتفاع الأسعار بقوة على أمل أن يعمل أكبر منتجين للنفط في العالم سويًا من أجل معالجة تخمة المعروض العالمي من الخام.
وقال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إن البلدين يتجهان نحو شراكة استراتيجية في مجال الطاقة، وإن مستوى الثقة المرتفع سيسمح لهما بمواجهة التحديات العالمية.
وستعقد «أوبك» مباحثات غير رسمية في الجزائر في وقت لاحق هذا الشهر، ومن المنتظر أن تجتمع بشكل رسمي في فيينا في نوفمبر.
ودعا عدد من منتجي «أوبك» إلى تثبيت الإنتاج لكبح تخمة المعروض من الخام، كما لمحت السعودية - أكبر منتج في المنظمة - إلى رغبتها في التعاون، في الوقت الذي تواجه فيه ضغوطًا على ميزانيتها، وتسعى لطرح جزء من شركة «أرامكو» الحكومية المنتجة للنفط في البورصة. وفي أبريل (نيسان) الماضي، كانت روسيا مستعدة لتثبيت الإنتاج مع أوبك، لكن المباحثات انهارت بعدما قالت الرياض إنها لن تقبل الاتفاق إلا إذا شاركت فيه إيران ثالث أكبر منتج للخام في أوبك.
وانهارت أسعار النفط لتهبط إلى 27 دولارًا للبرميل في وقت سابق من هذا العام، مقارنة مع 115 دولارًا في منتصف 2014، لكنها تعافت بعد ذلك إلى نحو 50 دولارًا للبرميل.
* مباركة خليجية
ورحبت الكويت عضو منظمة «أوبك» أمس بالمشاورات السعودية الروسية حول النفط في اجتماعات قمة العشرين بالصين، مؤكدة دعمها لنتائج هذا الحوار. ونقلت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) عن وزير النفط بالوكالة أنس الصالح قوله إن «الكويت تدعم أيضًا نتائج هذه المشاورات من أجل تحقيق التوازن بالأسواق». وتوقع الوزير الكويتي تعافي سوق النفط في الربع الأخير من هذا العام. وقال الوزير الكويتي أنس الصالح إن هذه المشاورات تأتي في إطار التعاون بين المنتجين الرئيسيين من داخل وخارج «أوبك» ضمن جولات مستمرة للمنتجين لضبط الأسواق والعمل على استقرارها.
وأوضح أن المنتجين يؤكدون من خلال هذه الجولات والمشاورات استمرار الاهتمام بتطورات السوق لتوفير مؤشرات تساعد في دعم استقرارها، حيث إن مواصلة الحوار تعد مؤشرًا إيجابيًا يدعم أسواق الخام. وقال الصالح إن «الحوار والتشاور يؤكدان أن المنتجين الرئيسيين يتابعون مستجدات سوق النفط، وهي تحركات إيجابية تحتاجها أسواق النفط من أجل التمهيد والمساعدة في تحقيق التوازن مع تعافٍ متوقع في أساسيات السوق النفطية، خصوصا في مجال الطلب الموسمي خلال الربع الأخير من العام الحالي». وأضاف أن «مثل هذه الجولات للتشاور تساهم في طمأنة الأسواق وتناميها».
من جهته، أشاد وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي أمس بتوقيع السعودية وروسيا أكبر منتجين للنفط في العالم اتفاقًا من أجل التعاون في سوق النفط. وكتب المزروعي على موقع «تويتر»: «إننا نؤمن بأن هذه الخطوة الإيجابية تأتي في ضوء حرص أكبر منتجين للنفط في العالم على توازن السوق ومصلحة كل من المنتجين والمستهلكين».
وأضاف أن «دولة الإمارات - بصفتها منتجًا مسؤولاً في منظمة الـ(أوبك) - حريصة على أن تدعم وتساهم في أي جهود مشتركة تهدف إلى تحقيق التوازن في السوق النفطية».



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.