«الشراكة عبر الأطلسي» في مهب الريح

هولاند يصرح بشكوكه.. والبيت الأبيض ما زال متمسكًا بـ«الأمل»

إحدى المظاهرات المعارضة لاتفاقية الشراكة عبر الأطلسي في بروكسل العام الماضي (رويترز)
إحدى المظاهرات المعارضة لاتفاقية الشراكة عبر الأطلسي في بروكسل العام الماضي (رويترز)
TT

«الشراكة عبر الأطلسي» في مهب الريح

إحدى المظاهرات المعارضة لاتفاقية الشراكة عبر الأطلسي في بروكسل العام الماضي (رويترز)
إحدى المظاهرات المعارضة لاتفاقية الشراكة عبر الأطلسي في بروكسل العام الماضي (رويترز)

تبدو مسألة اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية المعروفة باسم «الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي»، في مفترق طرق حاليًا، قد يؤدي إلى نسف الطموحات الأميركية بالوصول إلى اتفاق موقع من قبل أطرافها قبل انتهاء فترة حكم الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما؛ وذلك نظرًا لأن الاتفاقية ذاتها لا تلقى أي ترحيب من جانب مرشحي الرئاسة الأميركية كليهما، ما يعني أن عدم إبرامها حاليًا يمثل في حقيقة الأمر «إعلان وفاتها».
وتتقلص فرص إبرام الاتفاقية يومًا بعد يوم مع ارتفاع نبرة الهجوم والتشكيك من الطرف الأوروبي بقيادة أطراف بارزة من الإدارتين الألمانية والفرنسية، لدرجة وصفها من قبل أوساط سياسية واقتصادية مهمة بأنها «وهم»، والتأكيد على أن مفاوضاتها «أخفقت»؛ وهو ما يتماشى بشكل واسع مع آراء الأحزاب المعارضة في كلتا الدولتين، وأيضا الكثير من النقابات والاتحادات المستقلة والرأي العام فيهما.. لكن ذلك التصعيد العنيف يواجهه من الجانب الآخر من المحيط زيادة الإصرار الأميركي على محاولة إبرام الاتفاقية خلال الوقت الضيق الذي يسبق الانتخابات.
وشدد البيت الأبيض الأميركي مساء الاثنين على أنه «يأمل» في نيل موافقة الكونغرس على اتفاق الشراكة قبل انتهاء ولاية الرئيس أوباما، محذرًا من أن عدم إقرار اتفاق التجارة قد يقوض دور الولايات المتحدة في المنطقة.
وقال غوش أرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، في إيجاز صحافي قبيل جولة لأوباما في آسيا هذا الأسبوع، إن «الرئيس سيقدم حججًا قوية على أننا أحرزنا تقدمًا، وأن من الممكن إنجازه قبل انتهاء مدته الرئاسية».
لكن تلك الآمال والطموحات الأميركية العريضة يواجهها تشكك أكبر ومتزايد من قبل دول أوروبا القوية، وعلى رأسها ألمانيا، حول «جدوى» و«عدالة» الاتفاقية.. حيث أعرب وزير الخارجية الألماني فرانك - فالتر شتاينماير أمس عن تشككه تجاه المفاوضات حول الاتفاقية، لينضم بذلك إلى قائمة طويلة من المشككين، الذين يضيفون مزيدًا من الثقل إلى جبهة المعارضين والمهاجمين.
ويشير كثير من الاقتصاديين في أوروبا إلى أن «الغموض» الذي يلف المفاوضات يزيد من الجبهات المعارضة، خاصة في ظل عدم وجود دفاع واضح من قبل الأطراف المؤيدة للاتفاقية حول المكاسب الحقيقية والعميقة لاقتصادات الدول الأوروبية جراء تطبيقها.
ولا يعد شتاينماير «متشائمًا تمامًا» تجاه هذه الاتفاقية، إذا ما قورن على سبيل المثال بشخصية رفيعة مثل زيغمار غابرييل، الذي يشغل منصب نائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وهو في ذات الوقت وزير الاقتصاد الاتحادي بحكومتها. وكان غابرييل صرح في وقت سابق بأن المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول اتفاقية التجارة الحرة قد «أخفقت».
وبالأمس، عاد غابرييل ليؤكد عدم توقعه نجاح المفاوضات بشأن الاتفاقية. وقال في برلين إنه لم يتم حسم أي من القضايا المحورية عقب محادثات استمرت ثلاث سنوات بلا نتائج، و14 جولة مفاوضات.
وذكر غابرييل أن هذا الوضع للمفاوضات لا يُمكّن من الوصول إلى إتمام ناجح في أقل من ستة أشهر، موضحًا أنه لم يعد من الممكن لذلك التوصل إلى اتفاق خلال هذا العام. كما أوضح أنه يؤيد إجراء مفاوضات «مفعمة بالثقة»، مضيفًا أن هذا الموضوع سيستمر طرحه «لفترة طويلة عقب الانتخابات الأميركية»، التي قد تسفر عن تفويض مختلف للإدارة الأميركية الجديدة.
وذكر غابرييل أن «الأميركيين ليسوا قادرين أو مستعدين على الإطلاق للاستجابة للمطالب الأوروبية»، موضحًا أنه يتعين على ذلك عدم الانسياق وراء «وهم» إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال هذا العام.
وفي إشارة إلى الاتفاقية الاقتصادية التجارية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي وكندا، قال غابرييل إنه ينتظر تصويتًا خلال اجتماع لأعضاء حزبه الاشتراكي الديمقراطي يمكنه من الموافقة على الاتفاقية خلال مجلس وزراء التجارة في الاتحاد الأوروبي.
ووصف غابرييل الاتفاقية الاقتصادية التجارية الشاملة مع كندا بالجيدة، معتبرًا إياها «حماية من اتفاقية سيئة لتحرير التجارة عبر الأطلسي»، مضيفًا أن الأميركيين غير متحمسين للاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وكندا. ورغم موقف غابرييل، فإن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لا تزال من بين القلة القليلة التي تدافع عن المشروع، سواء في ألمانيا أو في باقي دول أوروبا القوية. كما تدافع المفوضية الأوروبية في بروكسيل عنه، وتعد أقوى الجبهات المؤيدة له في أوروبا. وقال الناطق باسم المفوضية الأوروبية مارغاريتيس شيناس، يوم الاثنين إن «المفوضية الأوروبية تحقق تقدمًا ثابتًا في المفاوضات حول اتفاقية التبادل الحر».
أما شتاينماير، فقد قال أمس خلال مؤتمر السفراء بالعاصمة الألمانية برلين أمام ممثلي الأوساط الاقتصادية: «لا أعلم الشيء الذي سوف يكون ممكنًا حتى نهاية هذا العام أو حتى موعد الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل». واستدرك قائلاً: «ولكنني أرى بالطبع أن كلا المرشحين للرئاسة (الأميركية)، سواء السيدة (هيلاري) كلينتون أو السيد (دونالد) ترامب، أعربا عن حالة من التشكك تصل إلى الرفض تجاه الاتفاقية. وقد يعني ذلك شيئًا بالنسبة لسرعة تحديد الموعد، الأمر الذي سوف نعايشه خلال الأسابيع أو الشهور المقبلة».
ووصف وزير الخارجية الاتحادي اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي «الأخرى» مع كندا «سيتا»، بأنها نموذج لاتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة، وقال: «إنها تعد تقريبًا أفضل اتفاقية وأكثر اتفاقية تقدمًا تفاوض بشأنها الاتحاد الأوروبي في أي وقت»، وأشار إلى أن اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة «لا تزال بعيدة عن الاتفاقية مع كندا».
على الجانب الآخر، عارضت الحكومة الأميركية تقدير وزير الاقتصاد الألماني بشأن المفاوضات؛ التي اعتبرها فاشلة من الناحية العملية. وقال المتحدث باسم مفوض الشؤون التجارية للحكومة الأميركية مايكل فرومان في تصريحات لمجلة «دير شبيغل» الألمانية إن «المفاوضات تحرز في الواقع تقدما مستمرا».
وذكر فرومان أنه لم يتفاجأ من «عدم حسم بعض فصول الاتفاقية» بصورة رسمية حتى الآن، موضحًا أن «من طبيعة المفاوضات التجارية أنه لا شيء متفق عليه حتى يتم الاتفاق على كل شيء»، مؤكدًا تمسك واشنطن بجولة المفاوضات المقبلة المقررة منتصف سبتمبر (أيلول) المقبل لتقييم التقدم بدقة.
* الرفض يطال كندا:
ولا يقتصر الهجوم على الاتفاقية في ألمانيا على دوائر الحكومة، إذ امتد إلى الأحزاب السياسية الأخرى، والتي تبدو أكثر تشددًا. وناشد حزب الخضر الألماني «المعارض» الحكومة الاتحادية رفض اتفاقيتي التجارة الحرة للاتحاد الأوروبي مع كل من الولايات المتحدة وكذلك مع كندا.
وقالت زيمونه بيتر، التي تشارك جيم أوزديمير، في رئاسة حزب الخضر في مدينة نويشترليتس بولاية مكلنبورغ - فوربومرن الألمانية، أمس: «إننا نرغب في التزام صريح من الحكومة الاتحادية برفض اتفاقيتي التجارة الحرة مع الولايات المتحدة وكندا». وأشارت إلى أنه إذا تم رفض اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، فإنه ليس مسموحًا أن تكون هناك «اتفاقية سيتا (مع كندا) عبر باب خلفي». ومن جانبه، قال رئيس حزب الخضر، جيم أوزديمير، إن توصيف وزير الاقتصاد الألماني زيغمار غابرييل للمفاوضات حول اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة على أنها «أخفقت» يظهر أن منتقدي الاتفاقية ليسوا على خطأ. وأشار إلى أن اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة «مفعمة بالأشياء التي لا تنتمي إلينا تمامًا». وقال زعيم الكتلة البرلمانية لحزب الخضر، أنتون هوفرايتر، في تصريحات خاصة لصحيفة «فيست دويتشه ألجيماينه تسايتونغ» الألمانية إن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن اتفاقية التجارة الحرة «ميؤوس منها»، مضيفًا: «إن مؤيديي الاتفاقية يمتطون جوادًا ميتًا».
وشدد هوفرايتر على ضرورة أن يعارض غابرييل اتفاقية التجارة الحرة مع كندا أيضا، التي لا تعد «سوى استنساخ» من اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة.
ويأتي ذلك التصعيد الألماني في وقت يشهد الهجوم الأشرس من نوعه على الاتفاقية من الطرف الفرنسي، حيث أعلن وزير الدولة الفرنسي للتجارة الخارجية ماتياس فيكل أمس أن الحكومة الفرنسية ستطلب في سبتمبر من المفوضية الأوروبية خلال اجتماع للوزراء المكلفين التجارة الخارجية في براتيسلافا، وقف المفاوضات حول اتفاقية التبادل الحر بين ضفتي الأطلسي.
ويأتي موقف الوزير الفرنسي متوازنًا مع موقف الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، والذي أعرب عن رأيه في مايو (أيار) الماضي، قائلا: «في هذه المرحلة، فرنسا تقول لا في المرحلة التي نشهدها من المفاوضات التجارية الدولية».
كما قال هولاند أمس معلقًا على الاتفاقية إن «المفاوضات توقفت» و«الخلل واضح».. لينضم بذلك بشكل صريح إلى قائمة طويلة من السياسيين الأوروبيين المشككين في إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة في التوقيت المحدد لذلك.
وقال فيكل لإذاعة مونتي كارلو: «لم يعد هناك دعم سياسي من قبل فرنسا لهذه المفاوضات»، مؤكدا أن «فرنسا تطلب وقفًا واضحًا ونهائيًا لهذه المفاوضات؛ للانطلاق مجددا على أسس جيدة».
وبرر فيكل هذا الطلب بأن المفاوضات التي تجريها المفوضية الأوروبية عن الجانب الأوروبي باسم الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد، تعاني من خلل في التوازن لمصلحة المواقف الأميركية. وقال إن «الأميركيين لا يعطون شيئا، أو يعطون الفتات فقط.. والتفاوض بين الحلفاء لا يجري بهذا الشكل». وأضاف أن «العلاقات ليست بالمستوى المطلوب بين أوروبا والولايات المتحدة، ويجب أن نستأنف ذلك في وقت لاحق على أسس صحيحة».
ولم يوضح فيكل الشروط التي يمكن إعادة إطلاق المفاوضات بموجبها، ولم يذكر أي موعد لذلك. لكن بينما يأمل الرئيس الأميركي باراك أوباما إنجازها قبل انتهاء ولايته، فإن كل شيء الآن ضار يوحي بأن هذه القضية ستحل في عهد خلفه في البيت الأبيض مطلع 2017؛ إذا ما كان هناك حل لها من الأساس.
وتجري المفاوضات منذ منتصف عام 2013 بسرية كبيرة بين الحكومة الأميركية والمفوضية الأوروبية حول الاتفاقية، والتي تهدف إلى إلغاء الحواجز التجارية والتنظيمية على جانبي المحيط الأطلسي، لإقامة منطقة واسعة للتبادل الحر يفترض أن تسمح بإنعاش الاقتصاد.
لكن الاتفاقية تواجه صعوبات منذ أشهر، خصوصًا بسبب الانتقادات الحادة التي صدرت عن المنظمات غير الحكومية للعولمة البديلة، التي تخشى أن تؤدي الاتفاقية إلى خلل في القواعد لمصلحة الشركات الكبرى.
وتواجه الاتفاقية أيضا انتقادات متزايدة من قبل عدد من الحكومات الأوروبية. وتشهد ألمانيا معارضة شديدة للاتفاق الذي يجري التفاوض حوله، بما في ذلك داخل الائتلاف الحكومي.
وتجدر الإشارة إلى أن المفاوضات المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، كان يرجى حسمها عدة مرات، وكان الجانبان يأملان في التوصل إلى الخطوط العريضة للاتفاق قبل عام 2017، والمقرر فيه أن يغادر الرئيس الأميركي باراك أوباما البيت الأبيض وتستعد فيه فرنسا وألمانيا للانتخابات، ما يعني في حالة عدم حسم الاتفاقية أن تبدأ المفاوضات من مراحلها الأولى مرة أخرى؛ إذا بدأت.



خطة «وكالة الطاقة»... هل تنجح براميل «الاحتياطي» في تهدئة أسعار النفط؟

ناقلة نفط تُفرّغ حمولتها من النفط الخام في محطة بميناء تشينغداو في مقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)
ناقلة نفط تُفرّغ حمولتها من النفط الخام في محطة بميناء تشينغداو في مقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

خطة «وكالة الطاقة»... هل تنجح براميل «الاحتياطي» في تهدئة أسعار النفط؟

ناقلة نفط تُفرّغ حمولتها من النفط الخام في محطة بميناء تشينغداو في مقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)
ناقلة نفط تُفرّغ حمولتها من النفط الخام في محطة بميناء تشينغداو في مقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)

كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين مطلعين، عن أن وكالة الطاقة الدولية تدرس تنفيذ أكبر عملية إطلاق لاحتياطيات النفط في تاريخها، في خطوة استباقية تهدف إلى تهدئة الأسواق التي تعصف بها تداعيات الصراع الراهن. وتتجاوز الكمية المقترحة نحو 182 مليون برميل، وهي الكمية التي طُرحت إبان الأزمة الأوكرانية عام 2022، مما يعكس حجم القلق الدولي من القفزات السعرية الراهنة. وعلى الرغم من أن وزراء طاقة مجموعة السبع لم يتفقوا فوراً على التنفيذ، مطالبين الوكالة بتقييم أعمق للوضع، فإن مجرد تسريب أنباء هذه الخطة أدى إلى تراجع مؤقت في أسعار العقود الآجلة لخامَي برنت وتكساس، في محاولة من البيت الأبيض لتصوير الحرب وكأنها «انتهت» بهدف تهدئة روع المتداولين.

وبعدما تسربت أنباء هذه الخطة وأدت إلى تراجع مؤقت في أسعار العقود الآجلة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى فاعلية هذا السلاح الاستراتيجي في مواجهة الحقائق الجيوسياسية على الأرض؛ فهل يمكن للبراميل المُخزّنة في الكهوف والمستودعات الغربية أن تعوّض شريان النفط العالمي في مضيق هرمز؟ وهل يمتلك الغرب «النفس الطويل» الكافي لمواجهة انسداد ملاحي قد يمتد لأسابيع أو أشهر؟

مضخات النفط تعمل في حين تتوقف أخرى عن العمل في حقل بيلريدج النفطي بالقرب من ماكيتريك في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

ترسانة الطوارئ: هل تكفي لمواجهة التاريخ؟

الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، وعددها 32 دولة، تمتلك مجتمعة ما لا يقل عن 1.2 مليار برميل من النفط في مخزونات الطوارئ العامة، وفقاً للوكالة التي تشرف على عمليات السحب المنسق من المخزونات. وقد ساعدت الوكالة، ومقرها في باريس، في تنفيذ خمسة تدخلات من هذا النوع: قبل حرب الخليج الأولى عام 1991، وبعد إعصارَي «ريتا» و«كاترينا» في 2005، وعقب اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا عام 2011، ومرتين في 2022 استجابةً للاضطرابات المتعلقة بالحرب في أوكرانيا.

ومن بين أعضاء الوكالة، تمتلك الولايات المتحدة أكبر مخزون احتياطي في أربعة مواقع عالية التأمين على طول ساحل خليج المكسيك. هذه الكهوف العميقة والضخمة المبنية تحت الأرض قادرة على استيعاب أكثر من 700 مليون برميل من النفط. وفقاً لبيانات وزارة الطاقة، تحتوي هذه المواقع حالياً على نحو 415 مليون برميل نقلاً عن «بلومبرغ»، أي أنها ممتلئة بنسبة 60 في المائة فقط، بعد أن تم استنزافها في سحب قياسي خلال عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عقب هجوم روسيا على أوكرانيا.

أما الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، فقد كوّنت في السنوات الأخيرة ما يبدو أنها قدرة احتياطية أكبر. تمتلك البلاد نحو 1.4 مليار برميل من النفط الخام في مخزونها الاستراتيجي، وفق تقديرات مركز سياسات الطاقة العالمية التابع لجامعة كولومبيا.

انقسام دولي: هل السحب ضرورة أم مغامرة؟

على الصعيد الدبلوماسي، لم يكن المسار نحو تفعيل هذه الخطة يسيراً؛ فقد أخفق وزراء طاقة مجموعة السبع في اجتماعهم يوم الثلاثاء في الاتفاق فوراً على الإفراج عن الاحتياطيات، مطالبين وكالة الطاقة الدولية بإجراء تقييم شامل للموقف أولاً. وبرز الموقف الفرنسي بوصفه أحد أبرز المعرقلين للتحرك المتسرع؛ إذ صرح وزير المالية الفرنسي بأن المجموعة لم تصل بعد إلى النقطة التي تستوجب سحب المخزونات، مفضلاً التريث رغم تأييد دول أخرى في المجموعة للإفراج المنسق.

وسبق هذا الاجتماع اجتماع آخر لوزراء مالية المجموعة يوم الاثنين، الذين قالوا بدورهم إنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة اتخاذ قرار السحب من احتياطيات النفط الاستراتيجية، لكنهم أكدوا استعدادهم لذلك.

وأبدى ترمب تردداً في الإفراج عن النفط من الاحتياطي الأميركي. وقد وصف هو ووزير الطاقة كريس رايت الأسعار المرتفعة للطاقة بأنها مؤقتة.

أما بالنسبة إلى الدول الأخرى، فقد وجّهت اليابان قواعد تخزين النفط لبدء استعدادات السحب من المخزون، حسبما ذكرت صحيفة «نيكي»، مما يشير إلى أن البلاد قد تمضي قدماً بشكل مستقل، إلا أن الحكومة قالت إنها لم تتخذ أي قرار بعد. وقالت الهند في 9 مارس (آذار) إنها لا تخطط للسحب من مخزونها الاحتياطي.

مضخة نفطية في حقل بيلريدج النفطي بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

هل تحل الأزمة بالاحتياطيات؟

يرى موقع «يورو إنتليجنس» أن خصمَي الإدارة الأميركية الحقيقيين في هذه الحرب هما خاما برنت وغرب تكساس. فالمشكلة الأساسية تكمن في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي للنفط الخام المنقول بحراً. ويؤكد التحليل أن أي محاولة للتدخل عبر الاحتياطيات الاستراتيجية ستصطدم بحجم الكارثة؛ فإجمالي ما تمتلكه دول الوكالة مجتمعة مخصص في الأصل لحالات الطوارئ القصوى مثل الزلازل والحروب الشاملة، وليس لمجرد كبح الأسعار عند تجاوزها حاجز 100 دولار. وفي حال الفقد الشامل لإمدادات المضيق، فإن هذه المخزونات لن تكفي العالم سوى لـ120 يوماً فقط، وهي فترة تنتهي بـ«نضوب» سلاح الطاقة الغربي تماماً.

وتزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى الطبيعة الهيكلية لهذه الاحتياطيات؛ حيث يشير «يورو إنتليجنس» إلى وجود تفاوت كبير في كيفية إدارتها بين الدول. ففي حين تسيطر الحكومة الفرنسية بالكامل على مخزوناتها، لا تمتلك بريطانيا مخزونات حكومية مباشرة وتعتمد على القطاع الصناعي. كما أن جزءاً كبيراً من هذه الاحتياطيات موجود فعلياً داخل خطوط الأنابيب للحفاظ على استقرار العمليات التشغيلية، مما يجعل سحبه فوراً أمراً غير واقعي.

علاوة على ذلك، يبرز تحدي «إعادة الملء»؛ إذ إن أي كمية تُسحب اليوم سيتحتم على الغرب شراؤها لاحقاً لاستبدالها، مما سيخلق ضغطاً شرائياً هائلاً في الأسواق عندما تحاول دول الخليج استعادة نشاطها، وهو ما يضع الأسواق في حالة «كش ملك» تقنية لا مخرج سهلاً منها.

معضلة اللوجيستيات

ومع تصاعد وتيرة النقاشات حول جدوى هذه الخطوة، تبرز معضلة «العامل الزمني» بوصفه أحد القيود الفيزيائية الخفية؛ فعملية الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية ليست مجرد قرار سياسي يُنفّذ بضغطة زر، بل هي عملية لوجيستية معقدة يستغرق وصول نفطها إلى الأسواق فعلياً فترة تتراوح ما بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع حداً أدنى. فبمجرد صدور الأمر، تحتاج المنشآت إلى وقت لتجهيز الضخ، ثم تأتي مرحلة النقل عبر خطوط الأنابيب إلى المواني، وصولاً إلى شحنها وتفريغها في المصافي.

ومثال على ذلك أن القدرة القصوى للسحب من احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي تبلغ نحو 4.4 مليون برميل يومياً، وفقاً لموقع وزارة الطاقة الأميركية، ويستغرق وصول النفط من مواقع التخزين إلى السوق المفتوحة 13 يوماً بعد صدور القرار الرئاسي. علما بأن هناك أسباباً لوجيستية أيضاً؛ فإدارة ترمب تحاول إعادة ملء الاحتياطي، وقد تعهد الرئيس بملئه «عن آخره»، لكن المخزون ليس مصمماً لاستقبال النفط وإخراجه في الوقت نفسه. بالإضافة إلى ذلك، قالت الإدارة إن السحب الذي بدأه الرئيس السابق جو بايدن قد أضر بالمنشآت، وما زالت أعمال الإصلاح جارية.

هذا الفارق الزمني يعني أن الأسواق ستظل تحت رحمة التقلبات الفورية لعدة أسابيع، قبل أن يلمس المستهلك أي أثر مادي لزيادة المعروض، وهو ما يجعل سلاح الاحتياطيات أداة «ردع نفسي» أكثر من كونه حلاً تقنياً للحرائق السعرية المشتعلة لحظياً.

لافتة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود بشورلاين في الولايات المتحدة (د.ب.أ)

ثلاثة قيود تحكم السعر

من جانبه، استعرض موقع «أويل برايس» ثلاثة قيود تجعل من الصعب السيطرة على الأسعار عبر القرارات المكتبية فقط، أولها تآكل «القدرة الفائضة» التي لا يمكنها في أحسن أحوالها تعويض سوى جزء بسيط من التدفقات المفقودة عبر مضيق هرمز. أما القيد الثاني فهو «مرونة الطلب»، حيث اقتربت الأسعار من مستوى 120 دولاراً للبرميل، وهو المستوى الذي يُوصف تاريخياً بأنه «محفّز الركود»، حيث تضطر الشركات والمستهلكون إلى تقليص نشاطهم قسرياً. وأخيراً، يبرز تراجع حجم الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي إلى 415 مليون برميل بوصفه عائقاً ثالثاً؛ إذ إنه لم يعد بالقوة التي كان عليها قبل عقدين، مما يقلص من قدرة واشنطن على المناورة طويلة الأمد.

ويختتم المحللون بتوقع سيناريوهات قاتمة في حال فشل الحلول الدبلوماسية واستمرار الانسداد الهيكلي؛ فإذا تضررت البنية التحتية لمعالجة النفط في المنطقة قد تتجاوز الأسعار حاجز 140 دولاراً للبرميل. وفي هذه الحالة، لن تكون المشكلة في «السعر» فحسب، بل في التدافع العالمي المحموم للحصول على البراميل الفيزيائية لتسيير قطاعات النقل والزراعة التي تعتمد كلياً على النواتج المقطرة مثل الديزل. وهكذا، تبدو خطة وكالة الطاقة الدولية وكأنها محاولة لشراء الوقت، في مواجهة أزمة تتجاوز قدرة الدول على الاحتواء ما لم يتم تأمين الممرات المائية الحيوية بشكل دائم، حسب المحللين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة «هرمز» ترفع هوامش ربح الديزل لـ65 دولاراً وتهدد بموجة تضخم عالمية ثانية

لوحة أسعار الديزل الممتاز والديزل العادي في محطة وقود بمدينة سان مارتان دي شان، شمال غرب فرنسا (أ.ف.ب)
لوحة أسعار الديزل الممتاز والديزل العادي في محطة وقود بمدينة سان مارتان دي شان، شمال غرب فرنسا (أ.ف.ب)
TT

أزمة «هرمز» ترفع هوامش ربح الديزل لـ65 دولاراً وتهدد بموجة تضخم عالمية ثانية

لوحة أسعار الديزل الممتاز والديزل العادي في محطة وقود بمدينة سان مارتان دي شان، شمال غرب فرنسا (أ.ف.ب)
لوحة أسعار الديزل الممتاز والديزل العادي في محطة وقود بمدينة سان مارتان دي شان، شمال غرب فرنسا (أ.ف.ب)

تهدد أسعار الديزل المتصاعدة بتباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي، في وقت تضغط فيه الحرب في الشرق الأوسط على إمدادات الوقود الصناعي وأنواع النفط الخام المخصصة لإنتاجه. ويؤكد تجار ومحللون أن الديزل يعاني أصلاً من نقص في المعروض منذ سنوات نتيجة الهجمات على المصافي الروسية والعقوبات الغربية، إلا أن الصراع الحالي بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل زاد من قتامة المشهد.

تتركز المخاوف حالياً على مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما بين 10 في المائة إلى 20 في المائة من إمدادات الديزل العالمية المنقولة بحراً. ويرى خبراء أن الديزل هو «المنتج الأكثر عرضة للتأثر» بهذا الصراع من الناحية الهيكلية، لكونه الوقود الذي يرتكز عليه الشحن، والزراعة، والتعدين، والنشاط الصناعي، مما يجعله البرميل الأكثر حساسية للاقتصاد الكلي في المنظومة العالمية، وفق «رويترز».

خسائر ضخمة في الإمدادات

تشير تقديرات اقتصاديي الطاقة إلى أن تعطل الملاحة في المضيق قد يؤدي إلى فقدان نحو 3 إلى 4 ملايين برميل يومياً من إمدادات الديزل، أي ما يعادل 5 في المائة إلى 12 في المائة من إجمالي الاستهلاك العالمي. بالإضافة إلى ذلك، يُتوقع فقدان 500 ألف برميل يومياً أخرى بسبب توقف صادرات المصافي في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما وصفه محللون بوضعية «كش ملك» لأسواق الطاقة.

قفزات سعرية وتضخم قادم

نتيجة لهذه الاضطرابات، ارتفعت أسعار الديزل بوتيرة أسرع بكثير من النفط الخام والبنزين منذ بدء النزاع، مع توقعات بأن تتضاعف أسعار التجزئة إذا استمر إغلاق المضيق لفترة طويلة. هذا الارتفاع سيمتد أثره سريعاً إلى تكاليف نقل السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية، مما ينذر بـ«موجة ثانية» من التضخم المدفوع بالتكاليف، وقد يجبر المزارعين على إبطاء عمليات الزرع، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي.

هوامش ربح قياسية للمصافي

على الصعيد العالمي، سجلت هوامش ربح الديزل قفزات حادة؛ ففي الولايات المتحدة كسبت العقود الآجلة أكثر من 28 دولاراً للبرميل في فترة وجيزة، بينما قفزت الأسعار في أوروبا بنسبة 55 في المائة تقريباً، نظراً لاعتماد القارة العجوز الكبير على إمدادات الشرق الأوسط كبديل للوقود الروسي. ورغم أن هذه الهوامش الضخمة تنعش ميزانيات شركات التكرير، إلا أنها تمثل ضريبة باهظة سيدفعها المستهلك والنمو العالمي.


وكالة الطاقة تقترح أكبر عملية إطلاق للنفط من الاحتياطيات الاستراتيجية

شاشة عرض تُظهر أسعار الوقود في محطة بنزين بمدينة ميونخ (إ.ب.أ)
شاشة عرض تُظهر أسعار الوقود في محطة بنزين بمدينة ميونخ (إ.ب.أ)
TT

وكالة الطاقة تقترح أكبر عملية إطلاق للنفط من الاحتياطيات الاستراتيجية

شاشة عرض تُظهر أسعار الوقود في محطة بنزين بمدينة ميونخ (إ.ب.أ)
شاشة عرض تُظهر أسعار الوقود في محطة بنزين بمدينة ميونخ (إ.ب.أ)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين مطلعين على الأمر، أن وكالة الطاقة الدولية اقترحت أكبر عملية إطلاق لاحتياطيات النفط في تاريخها لكبح جماح ارتفاع أسعار النفط الخام وسط الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الكمية ستتجاوز 182 مليون برميل من النفط التي طرحتها الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية في السوق على دفعتين عام 2022 عندما شنت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا.

ودعت وكالة الطاقة الدولية إلى اجتماع استثنائي للأعضاء يوم الثلاثاء، ومن المتوقع أن تتخذ الدول قرارها بشأن الاقتراح في اليوم التالي، بحسب الصحيفة.

وأوضحت الصحيفة أنه سيتم اعتماد الخطة في حال عدم وجود اعتراضات، لكن احتجاجات أي دولة قد تؤخر هذه الجهود.

يوم الثلاثاء، لم يتفق وزراء طاقة مجموعة السبع على الإفراج عن احتياطيات النفط الاستراتيجية، مطالبين وكالة الطاقة الدولية بتقييم الوضع.

وقال مصدر من مجموعة السبع لوكالة «رويترز»: «على الرغم من عدم وجود نقص فعلي في النفط الخام حاليًا، إلا أن الأسعار ترتفع بشكل حاد، وترك الوضع دون معالجة ليس خياراً مطروحاً».

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته: «تؤيد دول مجموعة السبع عمومًا الإفراج المنسق عن مخزونات النفط من قبل وكالة الطاقة الدولية».

ومع ذلك، لا يمكن البدء بالإفراج الفعلي فوراً لأن القرارات المتعلقة بجوانب مثل الحجم الإجمالي، وتوزيعات الدول، والتوقيت تتطلب مزيدًا من النقاش، بحسب المصدر.

ومن المتوقع أن تقترح أمانة وكالة الطاقة الدولية سيناريوهات، بناءً على التأثير المتوقع على السوق، وقد يمتد التواصل إلى دول غير أعضاء في الوكالة مثل الصين والهند.

وانخفضت أسعار العقود الآجلة للخام الأميركي وخام برنت بعد تقرير صحيفة «وول ستريت جورنال».