مصر.. دَفعة قوية لحل القضية الليبية

وسط مخاوف من تسلل الدواعش إلى حدودها الغربية

مصر.. دَفعة قوية لحل القضية الليبية
TT

مصر.. دَفعة قوية لحل القضية الليبية

مصر.. دَفعة قوية لحل القضية الليبية

مع اختفاء عدد لا يستهان به من تنظيم داعش الإرهابي المتطرّف من مدينة سرت، بوسط الشمال الليبي، تحت ضربات قوات محلية وبمساعدة من الولايات المتحدة الأميركية، تحوّلت العاصمة المصرية القاهرة أخيرًا إلى وجهة لأطراف سياسية وعسكرية متصارعة في ليبيا التي تعاني من تعدد الحكومات والقوى التي تحمل السلاح على الأرض ومن التدخلات الدولية. ومنذ بدء عملية قوات «البنيان المرصوص» التابعة لـ«حكومة الوفاق الوطني» برئاسة فايز السراج، ضد «داعش»، يبدو أن القاهرة فتحت الأبواب، لأول مرة منذ سقوط نظام معمر القذافي، لمختلف الأفرقاء الليبيين، في محاولة منها لإعطاء دفعة قوية للحل قبل أن تتفاقم الفوضى في هذا البلد المجاور لحدودها من ناحية الغرب، خاصة بعد أن رفض البرلمان منح الثقة للحكومة المقترحة من السراج.
تنخرط القاهرة في لقاءات مباشرة من جانب، ومن جانب آخر يبدو أنها تكتفي بالمراقبة من بعيد، فيما يتعلق بضيوف مثيرين للريبة، ومختلفين، يعقدون اجتماعات على أراضيها أيضا.
يأتي هذا وسط خشية مصر من تداعيات حروب صغيرة مستعرة في ليبيا، منذ نحو خمس سنوات، وإمكانية تحولها إلى نزاع أهلي يمتد لسنوات كثيرة، خاصة في ظل استمرار حالة التشرذم بين أكبر مجموعتين تملكان أسلحة وقوات نظامية وشبه نظامية؛ هما قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة الفريق أول خليفة حفتر، الذي يحارب في الشرق ويسعى للتوجه غربا، وقوات «البنيان المرصوص» في الغرب، التي تحارب «داعش» في سرت وتلِّوّح بمواصلة الزحف ناحية الشرق.
تضع القاهرة هذه المرة الملف الليبي على اتساع الطاولة بغض النظر عن وجودها بشكل مباشر في بعض المفاوضات الجانبية. إنه ملف مكتظ بتناقضات كثيرة أهمها «ازدواجية السلطات والجهات التشريعية» الموجودة الآن بين بنغازي وطرابلس.. بل داخل طرابلس نفسها. ولقد تسببت في هذا الإرث المعقّد «دول غربية مهيمنة على الأمم المتحدة ومبعوثها إلى ليبيا مارتن كوبلر» كما يقول لـ«الشرق الأوسط» عيسى عبد المجيد، وهو زعيم قبلي ليبي ومستشار سابق لرئيس البرلمان. ومنذ بدء الوساطة الأممية للمصالحة بين الليبيين في أواخر عام 2014، حتى وصول السراج إلى طرابلس كممثل لـ«حكومة الوفاق»، في مارس (آذار) الماضي، لا يبدو أن الوفاق قد تم بعد.
من جانب آخر، يقول إبراهيم عميش، رئيس «لجنة العدالة والمصالحة وخارطة الطريق» في البرلمان الليبي: «إذا نظرتَ إلى بلادنا فسترى أن هناك أيدي تعبث فيها. الولايات المتحدة دخلت أخيرا على الخط بقوة»، في حين يضيف عبد المجيد موضحًا أن حكومة السراج، وبغض النظر عن رعايتها للحرب على «داعش»، تعد «حكومة مولودة ميتة.. حكومة دون روح شعبية»، حيث إنها لم تحصل على الثقة من البرلمان منذ اقتراحها قبل نحو خمسة أشهر.
في هذه الأثناء، يقول أحد المسؤولين الأمنيين المصريين الذين يعملون على الملفّ الليبي: «أخطر ما يمكن أن تواجهه في هذه المرحلة، هو تعدد السلطات في بلد يعج بالإرهابيين من الموالين لداعش وتنظيم القاعدة وجماعات أخرى مسلحة منتشرة في الشرق والغرب». ويشير المسؤول المصري، طالبا عدم الإفصاح عن اسمه لأنه غير مخول له الحديث للإعلام، في الوقت نفسه إلى أن نهاية مفاوضات الأمم المتحدة حول ليبيا.. «كما نراها هذه الأيام، أنتجت ازدواجية نخشى أن تكبر وتتحوّل إلى خطر داهم على الليبيين وعلى مصر أيضا».

خلايا نائمة؟
توجد مخاوف حاليًا من وجود خلايا نائمة للدواعش في مدن ليبية أخرى منها العاصمة نفسها. وكانت تقديرات غربية تقول إن عدد دواعش سرت ربما يصل إلى أكثر من أربعة آلاف. أين هم الآن؟ لا توجد إجابة، بينما دول الجوار تتحسّس حدودها. وحسب المسؤول الأمني المصري «لدينا حدود طولها 1150 كيلومترا مع ليبيا، ومهمة تأمينها تحتاج إلى شريك ليبي قوي، وهو غير موجود بالقدر الكافي، كما يبدو. لا توجد سلطة مركزية ولا جيش موحد يمكن التعويل عليه في منع تسلل الإرهابيين إلى أراضينا».
لكن، وفي إفادة عبر الإنترنت، أجاب مسؤول في «مركز دراسات الجنوب الليبي للبحوث والتنمية» عن أسئلة «الشرق الأوسط»، قائلا إنه من المنطقي ألا يفكر تنظيم داعش في التحرك نحو شرق ليبيا أو الجنوب الشرقي من ليبيا (في اتجاه حدود مصر). ويعمل باحثو المركز بعيدًا الأضواء خشية تعرضهم لأذى من الجماعات المتطرفة. وتابع المسؤول في مركز الدراسات شارحًا أنه، إلى جانب تكثيف القوات المصرية لوجودها على الحدود، فإن قوات رئاسة أركان الجيش الليبي برئاسة عبد الرزاق الناظوري، وهي تابعة لحفتر، تُحكم سيطرتها على كامل المناطق الشرقية والجنوب شرقية، التي يتشارك في حمايتها أيضا بعض المقاتلين والكتائب المحلية في مناطق الواحات والكفرة في الداخل الليبي.
ومع ذلك من الصعب الاكتفاء بقوات الأمن للحفاظ على الاستقرار. هناك كتلة الغرب الليبي، وهي ذات أهمية كبيرة في المعادلة. أو كما يقال: لكي تحل مشكلة ما لا بد أن تستمع إلى جميع أطرافها. وفي الحقيقة، كما يبدو من مناقشات جارية في القاهرة، فإن مصر منذ 2011 لم تكن تجنح لفتح الأبواب على آخرها لقيادات في طرابلس تعتمد في وجودها وفي قوتها على ميليشيات مسلحة وينتمي بعضها لتنظيمات متطرفة وجماعات مصنفة في مصر كمنظمات إرهابية. من بين هؤلاء «الجماعة الليبية المقاتلة» و«جماعة الإخوان»، و«أنصار الشريعة» وغيرها.
لكن الواقع تغيّر. وأدى مرور الأيام وتعدّد الأحداث وكثرة النزاعات إلى شعور الأطراف الليبية المتحاربة بالإرهاق، مع وجود مشتركات بين الجميع يقول معظمها إن «حل المعضلة السياسية في ليبيا» لا بد أن يكون عبر القاهرة، وإنه لا بد أيضًا من وقوف جميع الليبيين ضد انتشار الفارين من الدواعش في باقي البلاد أو عبر الحدود.

علاقات مصرية قوية
من المعروف أن مصر لديها علاقات قوية مع الكثير من الأطراف الليبية، في إقليم برقة في الشرق، وفي بعض مناطق الغرب، لكن انتقال البرلمان الليبي الذي جرى انتخابه في 2014 للعمل في المنطقة الشرقية، أوجد ذريعة لدى خصوم متحصنين في العاصمة طرابلس وأيضًا في مدينة مصراتة، للتلويح باتهام مصر بالانحياز إلى إقليم برقة حيث يوجد أيضًا مقر الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر.
وفي متغيّر لافت، تكشف مصادر من مدينة مصراتة، التي ينتمي إليها قادة يهيمنون على طرابلس وينبذون حفتر، عن قيام قيادات عسكرية من ميليشيات الغرب الليبي بزيارة القاهرة للمرة الأولى منذ سقوط نظام القذافي.. ولم يجر الإعلان عن هذه الزيارة من أي من الطرفين. لا من مصراتة ولا من القاهرة. وتشير المصادر إلى أن «المصراتيين التقوا برموز من نظام القذافي»، وأن أهم ملف جرى بحثه في هذا الإطار، هو «كيفية إنقاذ ليبيا من الانقسام إلى دولتين أو حتى دويلات.. وتوحيد الجميع للوقوف ضد خطر داعش».
أما الزيارة المعلنة، التي تعد أيضا زيارة نادرة تعزّز تواصل القاهرة مع أطراف في الغرب الليبي، على غير العادة، فهي تلك التي قام بها نحو أربعين نائبا غالبيتهم ممن يحسبون على جناح تأييد الاتفاق السياسي الذي جرى توقيعه في الصخيرات أواخر العام الماضي. واستقبل وزير الخارجية المصرية سامح شكري قبل أسبوعين، ممثلين عن نواب لهم رؤية مختلفة لحل الأزمة الليبية، من بينهم نائب رئيس البرلمان محمد شعيب.
ويقول عميش، وهو نائب عن بنغازي التي تشهد حربًا مستمرة منذ نحو عامين بين الجيش والمتطرفين، إن مصر «تحاول إيجاد حل وسط لإنهاء الفوضى لكن الطريق ما زال طويلا». بينما يشدد عبد المجيد على أن مصر «تساعد الليبيين بالفعل لكن ينبغي أن تبذل مجهودا أكبر». ويشير عبد المجيد إلى الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة التي أصبح يعيش فيها الليبيون جراء الانقسامات والاقتتال، والنزاع الداخلي الذي تقف وراءه، حسب قوله، بعض الدول الغربية.

لقاءات على النيل
وعلى ضفاف النيل بدأت كذلك مفاوضات بعيدة عن الأنظار وتجري فيها أغرب لقاءات من نوعها بين ممثلين لـ«الجماعة الليبية المقاتلة» التي سبق وأعلنت ولاءها لتنظيم القاعدة، وأنصار من النظام الليبي السابق. ولقد بدأت الفكرة أول الأمر في «سجن الهضبة» في طرابلس الذي يُسجن فيه وفي سجون أخرى بالعاصمة الليبية عدة آلاف من قيادات عهد القذافي. ويتحكم في «سجن الهضبة» قادة من «الجماعة المقاتلة». ومن بين هؤلاء المحكومين في «سجن الهضبة» عبد الله السنوسي، رئيس المخابرات القوي في عهد القذافي، والبغدادي المحمودي، آخر رئيس للوزراء أيام القذافي، وغيرهما. ولقد جرى إطلاق سراح المحكوم محمد الزوي من هذا السجن ليظهر بعدها بأيام في القاهرة. وللعلم، كان الزوي مسجونًا مع السنوسي والمحمودي، لكن «الجماعة المقاتلة» أطلقت سراحه لكي يكمل مفاوضات مع باقي أنصار النظام السابق المقيمين في مصر.
ومع أنه لا يوجد راهنًا ممثل مصري في هذه المفاوضات، فإن المصادر تقول إن القاهرة تتابع ما يجري. ويشارك في العملية ويراقبها كذلك زعماء وقادة قبليون من المحسوبين على نظام القذافي، من بينهم شخصيات من قبيلة القذاذفة نفسها التي ينتمي إليها أحمد قذّاف الدم، ابن عم القذافي ومبعوثه الشخصي لسنوات طويلة، ومن قبيلة المقارحة التي ينتمي إليها السنوسي، ومن قبيلة ورفلة أيضًا.
من جانبه يؤكد الدكتور محمد الزبيدي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، وهو من قبيلة ورفلة، أنه من الشخصيات التي تراقب حوار «الجماعة المقاتلة» وبعض من أنصار النظام السابق، دون أن يشارك فيه، لكنه يضيف موضحًا ردًا على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» أنه «إذا لم يتم الإفراج أولا عن السجناء وعودة المهجرين فسنكون كمن يضع العربة أمام الحصان».
قذّاف الدم، بدوره، من أبرز المشاركين في الحوار الذي يهدف بالأساس إلى إنهاء معاناة ألوف من سجناء النظام السابق ضمن خطة عامة لإنقاذ البلاد من الفشل. ويقول في مقابلة أثناء تحقيق «الشرق الأوسط» في الأمر أخيرًا، بشأن الأسئلة المطروحة عن غرابة هذا النوع من المفاوضات، إن «الهدف هو الوطن والدفاع عنه.. مثل هذه الحوارات لا تعني أن يستسلم أحدنا للآخر ولكن من أجل ليبيا ومن أجل الوطن».

ورقة ضغط
تبدو المفاوضات المعروفة باسم «مفاوضات سجن الهضبة» ورقة يمكن أن تسهم في الضغط، بطريقة ما، على «جماعة الإخوان» الليبية التي تنتمي إليها شخصيات متنفّذة في مجلس السراج الرئاسي، وفي قوات «البنيان المرصوص» التي تعود أصول غالبية عناصرها إلى مدينة مصراتة. وربما أدى هذا الأمر إلى فتح نافذة لبعض قيادات مصراتة للحوار مع الخصوم الليبيين في القاهرة. وأيا ما كان الأمر فقد أدت مفاوضات «الهضبة» إلى حراك في جبهة «الإخوان» وجبهة مصراتة، وبالتالي، داخل المجلس الرئاسي الذي يبحث حاليا إعادة تشكيل حكومة مصغرة لإرضاء البرلمان.
من جانبها تقول قيادات في «الجماعة المقاتلة» إنها لم تعد على صلة بـ«القاعدة»، وإنها تحوّلت إلى حزب سياسي ولا علاقة لها بالمجاميع المسلحة أيضًا. ويُعدّ أهم زعماء هذه الجماعة عبد الحكيم بلحاج وخالد الشريف، وكانا من المقاتلين العرب في أفغانستان. أما الزوي المستمر في عقد لقاءات في العاصمة المصرية للتوصل إلى حل مع «الجماعة المقاتلة»، فهو معروف بأنه أحد الآباء الروحيين من مؤسّسي ثورة القذافي عام 1969، وهو يتمتع بخبرات سياسية ودبلوماسية وقانونية معتبرة، رغم أن بعض التسريبات التي خرجت في القاهرة كانت تريد الإيحاء بأن المفاوضات جارية مع قيادات من «جماعة الإخوان» الليبية. ويقول أحد المشاركين في اللقاءات إن هذا غير صحيح، وإن المفاوضات قائمة بالأساس مع «الجماعة المقاتلة».
الواقع أن نجاح قوات «البنيان المرصوص» في دحر «داعش» في سرت، منذ بدء الحملة العسكرية المدعومة من الولايات المتحدة، دفع الآلاف من مقاتلي التنظيم إلى الفرار خارج المدينة. وبالتزامن مع هذا الأمر، وتحسبا لأي تداعيات يمكن أن تؤثر على أمنها القومي، استقبلت القاهرة النائب الأول لرئيس البرلمان الليبي، محمد شعيب، الذي يبدو أنه يميل إلى سرعة إنجاز «حكومة التوافق المقترحة». في البداية أكد شعيب لوزير الخارجية المصري سامح شكري على الحاجة للضغط على البرلمان لكي يعقد جلسة ينظر فيها أمر منح الثقة لحكومة السراج. وهذا ما حدث في النهاية، لكن النتيجة جاءت عكسية بعد أن رفض البرلمان حكومة السراج.
ويدعم النواب الذين جاءوا مع شعيب الاتفاق السياسي الذي توصلت إليه الأمم المتحدة في الصخيرات (المغرب)، على عكس نواب آخرين يرون في الاتفاق السياسي إقصاء لحفتر وعودة لحكم «جماعة الإخوان» و«الجماعة المقاتلة»، كما حدث في عامي 2012 و2013، وكان البرلمان وافق على «وثيقة الصخيرات» في يناير (كانون الثاني) الماضي، لكن الموافقة كانت مشروطة بإجراء تعديل في وثيقة الاتفاق وتضمينها في الإعلان الدستوري المعمول به بعد سقوط نظام القذافي. وهذا لم يحدث أيضًا.
منذ ذلك الوقت تجذّرت الخلافات وبدأت تلوح في الأفق بوادر انقسام البلاد. وحين بدأت الحرب على «داعش» ساد اعتقاد بأنها ستوحّد الليبيين حول حكومة واحدة، لكن يبدو أن ما حدث شيء مختلف. وبناءً عليه، وخوفًا من فقدان القدرة على مواصلة مطاردة الدواعش في باقي البلاد، بدأت محاولات جمع الليبيين تحت مظلة واحدة وإنهاء حالة الانقسام والاقتتال، وإدخال الجميع في طريق الوحدة.
عبد المجيد يشدد على أن «كوبلر هو السبب في حالة الانقسام، لأنه منذ البداية أقصى أطرافا أصيلة بعيدًا عن حوار الصخيرات. نحن نأمل أن تتسلم الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي الملف الليبي. نأمل أن تعمل مصر من أجل إنقاذ ليبيا، لأن أمن مصر من أمن ليبيا، خاصة أن تنظيم داعش بدأ يخرج من سرت ويتجه إلى الصحراء جنوبا وهذا، كما أرى، يمثل خطرا على مصر».
من جانبها، تقول مصادر أمنية مصرية إنها تراقب الوضع في ليبيا عن كثب، وهي تقرّ بأن هناك عناصر مصرية موجودة مع «داعش» ليبيا.. «كانت تقاتل مع التنظيم في مدينة درنة ثم انتقلت معه، منذ العام الماضي، للاستقرار في سرت. والآن يفرّون من المدينة ولا أحد يعرف إلى أين يمكن أن يتجهوا». ويرجح عبد المجيد أن يستقر الدواعش في الصحراء والجبال في جنوب ليبيا، ومن ثم، سيستمر خطر هؤلاء على الدولة الليبية وعلى دول الجوار، كما يقول محذرا.
استهداف الواحات الغربية
وللعلم، سبق لتنظيم داعش تنفيذ عمليات في غرب مصر قرب الحدود مع ليبيا من جهة الواحات (غرب مصر)، خاصة واحة الفرافرة، في انتقال لافت للنظر من مركزه في سيناء. وفي إفادته لـ«الشرق الأوسط» بشأن ما يمكن أن يمثله «داعش» ليبيا من خطر على مصر، يقول «مركز الجنوب» إن الحدود الليبية المصرية «مؤمنة تأمينًا جيدًا من قبل القوات المصرية، كما أن التنظيم لن يخاطر بالهروب في اتجاه الجنوب الشرقي نحو مصر».
وفي حين يتزايد الزخم في طريق إيجاد حلول سياسية، على عدة أصعدة، بدلاً من النزاع العسكري، لا تخفي دول الجوار الليبي، بما فيها تونس والجزائر، مخاوفها من تسلل الدواعش الفارين من سرت إليها. وبينما تتزايد الضغوط على الأفرقاء الليبيين من أجل التخلص من خلافاتهم، وإنقاذ بلدهم، تبدو القاهرة أكثر مرونة من أي وقت مضى، لتحقيق هذا الغرض.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.