فيليب ميريو: فلسفة أبيقورية تؤطر التعلم

الفكر وحده قادر على تسليح الحرية ومناقشة الأمل الديمقراطي

غلاف «متعة التعلم»
غلاف «متعة التعلم»
TT

فيليب ميريو: فلسفة أبيقورية تؤطر التعلم

غلاف «متعة التعلم»
غلاف «متعة التعلم»

يعد التعليم والتعلم قضية مركزية شغلت بال كثير من الباحثين في مختلف الحقول المعرفية: الفلسفة، وعلم النفس، والبيداغوجيا (حسب تعريف إميل دوركايم، هي نظرية تطبيقية للتربية تستمد مفاهيمها من علم النفس وعلم الاجتماع)، والديداكتيك (أسلوب لتحليل الظواهر التعليمية). وعلى الرغم من كثرة الدراسات التي عالجت الموضوع، فإن إثارته والبحث فيه أمر مستمر، ما يعني أن التعليم والتعلم مسألة إشكالية. ويمكن اعتبار الباحث فيليب ميريو، من التربويين المعاصرين الذين أولوا هذه القضية اهتماما بالغا؛ إذ تحضر في كثير من مقالاته ومؤلفاته، ما يعكس وعيه العميق بأهمية البحث في الموضوع.
ولتحقيق أهدافه، يقترح ميريو، من خلال كتابه «apprendre oui mais comment»، تحليلا نسقيا للتعلم. وهو يرى أن الوظيفة الأساسية للمدرسة، تكمن في إنجاح التربية، وليس إنتاج خطابات ديماغوجية حول الفشل المدرسي. لذا على كل تفكير في فعل التعلم، التخلص من النزعة التطبيقانية، والاتجاه نحو تعبئة مختلف موارد الفلسفة وعلوم التربية. أما الفعل الديداكتيكي، فينبغي أن يتأسس على تنظيم التفاعل بين مجموع وثائق أو موضوعات، وبين مهمة للإنجاز. فعمل المدرس هو تيسير التفاعل بين المتعلم وبين وضعية التعلم ليصبح لها معنى.
نسعى في هذا المقال، إلى تقديم الجوانب التي تشكل – في نظرنا - معالم «فلسفة في التعلم»، يتفرد بها ميريو عن غيره من التربويين المعاصرين. لذا، سنقدم جملة أفكار أوردها ميريو، إلى جانب باحثين آخرين، في مؤلف جماعي يحمل عنوان «لذة التعلم». وسنركز على المحاور التالية:
* 1- الرغبة في التعلم
ينطلق ميريو من فكرة شبيهة بالبداهة، فكرة وليدة سنوات من الخبرة والبحث، وهي أن تحقق التعلم رهين بانخراط المتعلم.. فلا شيء يمكن أن يتعلم في غياب الرغبة في التعلم. والرغبة في التعلم، مدخل للوصول إلى لذة التعلم.. تلك اللذة التي تستيقظ كرغبة في الأكل. فشهية المعرفة مرتبطة بمغذيات منشطة (كالقراءة مثلا). وإذا كانت المعرفة، كما قدمت من خلال محاورة أفلاطون، هي صيغة من صيغ الرغبة، فإن لذة التعلم هي المصدر العميق للمعرفة وشرط لها، أي شرطا للرغبة في التعلم. وهذه الرغبة لا تحمل بالضرورة لذة التعلم، فالتعلم هو البدء بتعلم اللذة التي لا تتولد عن جهد الذات المتعلمة ومعاناتها.
والتربية، في نظر ميريو، مجال للتعارض؛ فهي نشاط اجتماعي مؤطر بجدية المخططين. وهذه الجدية تتعارض نسقيا مع طلاقة المتعلمين. ومن المفارقات الحاضرة في المؤسسات التربوية، أن المدرس يجتهد لتعليم تلاميذه (يخطط لدروسه، يحترم توجيهات المشرفين، يحفز التلاميذ، يجسد الكفاءة والإرادة، يحترمه الجميع..) لكن لا شيء يضمن رغبة التلميذ في تعلم ما يدرسه، ولا شيء يضمن أن الدرس سيحرك موارد المتعلم وذكاءه وإبداعيته. كيف إذن – يتساءل ميريو - نجعل التلاميذ يعتقدون بوجوب العمل لتحقيق النجاح، في حين يربح كثيرون دون جهد؟ مع غياب الرغبة في التعلم، يصبح هم المدرس هو كيفية تحويل المعرفة المدرسية إلى طريقة للحب: حب المعرفة وحب التعلم.
إن التلميذ هو المالك للسلطة، فلا أحد يمكن أن يلزمه بالتحرك وفق المعارف المدرسية، فهو الذي يستثير تلك المعارف وليس العكس. واهتمام المتعلم، هو أساس أي فعل تعلمي. وبعبارة أخرى، انخراط المتعلم في سيرورة التعلم هو ما يضمن تطوره، ولا أحد قادر على اتخاذ القرارات بدلا منه.
وفي قلب هذا الاهتمام بالمتعلم تولد البيداغوجيا. ومن صلب هذا الاهتمام تتناسل أسئلة كثيرة: كيف نولد لدى المتعلمين الرغبة في التعلم؟ كيف نساعدهم على التورط في التجربة الصعبة للفهم؟ كيف نحركهم ونقنعهم دون تحكم أو إكراه؟ كيف نبني ذواتا متعلمة دون تدجين؟ كيف نعلمهم تأسيس علاقة صارمة مع المعارف؟ كيف نتخلص من الانقياد للعادة وسهولة الأنماط المقولبة؟ وبشكل عام، يجب أن نتساءل: كيف نولد فرحة الفهم والتفكير لدى المتعلم، تلك الفرحة المتحركة المعدية.. تلك الفرحة التي تحمس الجميع على تقاسم المعارف؟
* 2- لذة التعليم
يخاطب ميريو الرجال الصغار قائلا: «إن سلطة المدرسين لم تشكل أبدا مشكلة، أما الثقة فهي كذلك». إن التلميذ الذي لا يصادف مدرسا قادرا على تجسيد لذة التعلم، لا يرى في الأوامر المدرسية سوى دعوات للخضوع. وبدل أن يستشف المتعلم لذة التعلم، يجري إقصاؤه؛ إذ لا شيء يغريه لينخرط في مغامرة التعلم.
ومعلوم أن المدرس لا ينقل المعارف فحسب، بل ينقل كذلك العلاقة بالمعرفة. والمعارف تأتي من المدرس، لكنها لا تمر عبره، ليبقى غريبا عن ذات المتعلم. ولتحرك المعارف ذكاء المتعلم، يجب أن تكون مألوفة لديه. وعلى المدرس استكشاف المعارف التي يعرضها، وعرضها عبر استكشافها.
يصارع المدرس لتحديد المعرفة وإزالة غموضها. ويعيش مع متعلميه - في خضم مواجهته المستمرة لمعرفته الخاصة – ضرورة الحقيقة التي تقاسمها معهم. أي إنه يحول فرحته إليهم.. يمكنهم من لذة التعلم عبر لذته في التعليم الذي يعتبره تعلما مستمرا.
إن التدريس مهنة غريبة؛ فداخل الفصل، وكيفما كان النشاط التعليمي التعلمي (البحث، اللعب الجماعي..)، على المدرس، اعتمادا على تحكمه في المعارف، أن يضع نفسه في موضع المتعلم.. أن يتموقع في وضعيات استكشاف فردية تسمح للمتعلم بالإبداع بشكل مستمر.
على المدرس تحديد علاقاته بالمعرفة عبر الوضعيات الصفية. وعليه حفز المتعلمين على زعزعة بداهاته الأكاديمية والديداكتيكية باختبارها في معيشهم اليومي.
ومن اللازم على المدرس الخروج من الفكر التشييئي، لتمكين المتعلم من تفكير في الفعل، ذلك التفكير الذي يستكشف، من دون حدود، آفاقا جديدة، فكرا يحول ويبنى في الآن ذاته. من هنا تنبع أهمية منحهم لذة الاكتشاف ولذة التعلم، التي تستلزم منهم احتضان العالم والثقافة.
إن لذة المدرس، كما الحال بالنسبة للذة المتعلم، تولد في لقاء الأسئلة الحميمة بالأسئلة الكبرى.. تولد حين يسمح لنا الفكر بتسمية ما يسكننا، وحين يحطم العزلة وينسج الروابط، حين يسمح بالفهم، فهم أشياء كثيرة: غول الحكايات يمكن أن يكون واحدا منا، فهم أن الكتابة تأجيل لعبارة مستعجلة، وتدخل لتحويل إكراهات اللغة إلى موارد للفكر.. فهم هشاشة الكائن الحي.
* 3- لذة التعلم مدى الحياة
يعد اكتشاف لذة التعلم الفعل الأساس لكل تربية. وفي التعلم الذي نتحمله ينتشر الفكر. والفكر وحده يستطيع أن يقاوم الوسائط التجارية التقنية والديماغوجية. والفكر وحده قادر على تسليح الحرية ومناقشة الأمل الديمقراطي. إن الفكر يسمح للناس بالبحث بقوة عن الحقيقة بعيدا عن العنف.
والأكيد أن اكتشاف لذة التعلم ليس أمرا هينا. ولا بد من برامج تعليمية تفعل وفق رهانات ثقافية معبئة، وتقويم مناسب لكل فرد، وطرائق بيداغوجية تستحضر غموض العالم، وتورط كل متعلم ليغامر بحرية في يم المعارف. ولذلك، فنحن في حاجة إلى ميثاق تربوي أخلاقي لدعم التزامنا. ومن مبادئ هذا الميثاق:
- كل طفل يمكن أن يتعلم ويكبر.
- لا أحد يقرر التعلم والنمو بدلا من الطفل.
- على التربويين الانشغال ببناء وضعيات أصيلة، وتحريك موارد جديدة تورط الطفل في التعلم بشكل سهل، وتمكنه من اكتشاف لذة التعلم.
والتعلم يجب آن يتجاوز رحاب المدرسة إلى فضاءات الحياة المهنية، أي إننا نطمح إلى تعليم مدى الحياة في مختلف الميادين. من اللازم أن يصبح التعلم قضية الجميع.
لا مراء في أن مقترحات ميريو تستحق أن توصف بفلسفة للتعلم. والسمة الغالبة على هذه الفلسفة، هي محاولتها الاقتراب من سؤال: كيف نحقق متعة التعلم؟
ولتقريب المهتمين من هذه الرؤية الفلسفية، يوظف ميريو جهازا مفاهيميا منسجما. وبالعودة إلى المقالات الواردة في المؤلف الجماعي «متعة التعلم» المشار إليه آنفا، نلاحظ تواترا لمفاهيم من قبيل: اللذة، والمتعة، والرغبة، والذوق.. إلخ. وهذه المفاهيم وثيقة الصلة بميولات المتعلم وطموحاته، فوصوله إلى المتعة معيار أساس للحكم عليه باعتباره ذاتا فاعلة.
وعلاوة على هذا الانسجام على المستوى المفاهيمي، يبدو أن ميريو خبر بعمق الممارسة التعليمية؛ إذ يؤكد صعوبة هذه الممارسة، ويعتبرها قضية مركبة تتداخل فيها عوامل ومتغيرات عدة.
ويحفز ميريو المدرسين على السعي من أجل توفير المتعة في الوضعيات التعليمية التعلمية. وفي هذا المسعى لا يكتفي بمقترحات نظرية، بل يحرص على تقديم الحلول عبر أمثلة ملموسة غير منفصلة عن الوضعيات التعليمية التعلمية.
إن الهم الأساس لميريو، هو توجيه اهتمام الفاعلين التربويين لخلق شروط تساعد المتعلم على تجاوز إكراهات الوضعيات الصفية، بعيدا عن الإغراق في تنظيرات لا تخدم الممارسة التدريسية. ومن المقترحات الرئيسة في تصور ميريو، ربط متعة التعلم بمدى فاعلية المدرس؛ فالمدرس مدعو إلى تطوير كفاءاته المهنية، سواء عبر تكوين ذاتي أم تكوين مؤسساتي. ومن شأن هذه الكفاءات أن ترفد تجربته بعناصر الفعالية والنجاعة، لتصبح العلاقة البيداغوجية مدرس/ متعلم، قائمة على احترام ذات المتعلم بمنحه الفرص للتعبير عن هذه الذات، عبر وضعيات تحفزه على البحث والاكتشاف والإبداع.
ويستلزم الرهان على اللذة في التعلم أيضا، شروطا أخرى، من قبيل إعادة بناء المنهاج الدراسي ليكون كلا منسجما. هذا فضلا عن استحضار قضية المعنى، أي كيف نعطي للتعلمات معنى يجعل المتعلم يقبل عليها بدل النفور منها. وقد بينت التجارب أن «المعارف المدرسية لا تساعد على الحلم. ومن واجب المدرس أن يبرز للمتعلمين، أن التعلم لا يستهدف تحقيق النجاح الاجتماعي فحسب.. فحين لا يوجد سوى هذا الحافز، تخبو الرغبة في التعلم. إننا نتعلم لنكون أفضل.. لنوسع رؤيتنا للعالم.. لنأخذ مسافة عن الذات.. نتعلم لنكون».. نتعلم لنصبح ذواتا قادرة على الوصول إلى لذة التعلم، استنادا إلى تجاربنا التي ننوعها لاكتساب الكفاءات الضرورية.

* باحث تربوي



شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو
TT

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

من لسان العرب: «وقال ذو الرمة: وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقَتي مِنْ مَفازةٍ... وكمْ زَلَّ عَنْهَا مِنْ جُحافِ المَقادِرِ... وَقِيلَ: الجُحافُ الموتُ فَجَعَلُوهُ اسْماً لَهُ»، تسمية المهلكةِ بالمفازة ليس تفاؤلاً عابراً تمارسه اللغة العربية، بل تجاوز بالخيال إلى واقعٍ موازٍ يبعث الأمن في محل الخوف، ويستردّ السكينة من قلب التهديد. ولأن المسافة بين الاسم والمسمّى لا تتغيّر في واقع الصحراء؛ ظلّ العربي يقاربها بالمجاز... بينما تستمر هي في فعلها الأبدي... أن تنأى.

هناك كتبٌ تفتح شهية الحوار حولها، كتبٌ تمتلك جرأة اجتراح المناطق الجديدة، حيث يقترح هذا الكتاب «مهاكاة ذي الرمة: أطروحة الهايكو العربي» لحيدر العبد الله، صيغةً عربية للهايكو، عبر بناء جسور: بين الشعرية العربية ونظيرتها اليابانية، وبين التصوف الإسلامي وتصوّف الزن. ومنذ اللحظة التي يقول فيها: «إذا كان الشعر ديوان العرب، فقد يكون الهايكو اليوم ديوان العالم»، يتّضح أن طموح الكتاب ليس استيراد نوعٍ شعري، بل توطينهِ، بعد أن يُستدعى ذو الرمة، عبقريّ الوصف وآخر حجّةٍ على اللغة، ليعبّد الطريق أمام ضيفٍ قادم من أقصى الشرق.

أبرز ما أستوقفني في الكتاب - وهو من 312 صفحة تجمع النظرية والتطبيق والتقويم الشعري -، تلك البراعة في التطويع العروضي لإيقاعات الهايكو اليابانية على البحور الخليلية. والتي تُضفي على الفكرة لبوساً جمالياً، وتؤكد قدرة الشعر العربي على توليد الموسيقى مرةً تلو مرة. وقيمتها العملية أنها قابلة للتنفيذ، حيث تمنح الهُكاة العرب – أي شعراء الهايكو العرب حسب تعبير الكتاب- إطاراً شكليًّا يتّكئون عليه، فيتفرّغون للمحتوى بدل الانشغال بالشكل. وأضيف إليها الفصل الأخير، المتعلق بالفلك ومواضع النجوم وقرائن المواسم، الذي ينمّ عن اطلاعٍ كبيرٍ ونظرٍ وتمحيص، ويفتح عمليًّا معجماً طبيعيًّا عربيًّا جاهزاً لمن أراد أن يكتب قصيدةً تنتمي للجزيرة العربية.

وبقدر ما وجدت نفسي أتماهى مع الكتاب في نصف المسافة، وجدتني أتوه في نصفها الآخر؛ فالشكل يُستعار والرؤية تستعصي على الاستعارة. والعروض الذي طوَّعه الكتاب بكل إتقانٍ لتوطين الهايكو هو الأداة؛ أما النظر إلى الطبيعة فمشتقٌّ من غايةٍ، والغايةُ هي ما لا يُستورد. وسأمضي إلى هذا الحوار من طريقين (التصوف، والطبيعة) وسيفضي الطريقان إلى تصور واحد.

أولاً: الغاية تصنع الأسلوب

في الفصل الأول من الأطروحة، «مصباح التصوف»، يعقد الكتاب الروابط بين التصوف الإسلامي وفلسفة الزن. والملاحظة الجوهرية ليست في التقاء الممارسات الروحية - فهي تلتقي كثيراً في أديان متعددة- بل في افتراق الغايات: توحيدٌ وتوجّهٌ نحو خالقٍ متجاوز، مقابل ذوبانٍ طبيعيٍّ محايث خالٍ من إله. وهذا الافتراق ليس تفصيلاً عقديًّا يُترك للمتكلمين، بل هو المصنع الذي تخرج منه الأساليب.

فالتصوف الإسلامي يتمتع بـ«التوق الإلهي» ويتطلع نحو الإله المتجاوز والذي يستدعي المجاز بالضرورة، لا بالاختيار. حين تكون المسافة بين الذات وغايتها مسافةً لا تُلغى، لا يبقى أمام اللغة إلا التوسّل بالمجاز مثل (التغزّل بالأنثى، والخمر، والرمز العاطفي)؛ لبناء جسورٍ إيحائية صاعدة نحو ما لا يُدرَك. وقد لخّص عبد الوهاب المسيري هذا في «اللغة والمجاز» حين جعل المجاز وسيلتنا لإدراك الإله لا الإنسان وحده؛ إذ يربط بين ما تدركه الأسماع والأبصار وما يتجاوزها؛ ومع ذلك يظل الإطار التوحيدي حاكماً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فلا تجسّد ولا حلول ولا كمون، والمسافة باقية مهما بلغ المجاز من تركيبٍ وعمقٍ وجمال.

وبإزاء هذا، يقول ماساوكا شيكي عن الهايكو ما يشبه إغلاق الباب على المجاز: «معنى هذا الهايكو هو تماماً ما يقوله، وليس هناك أي معنًى آخر».

فالمجاز عندنا ضرورةٌ لاهوتية، إن صح التعبير، وهو في الزن عائق. اللغة الكثيفة عندنا فضيلة، وهي هناك حجاب. وليس هذا اختلافاً في الذوق يُرجى ردمه بالتمرين، بل هو اختلافٌ جوهري يترك أثراً أصيلاً على البلاغة ذاتها.

ثم إن الأنا نفسها ليست واحدة في الحالين. ففي الزن تمتزج الأنا بالطبيعة وتأخذ موقع المراقبة؛ أما في التصوف الإسلامي فهي كما عند محمد إقبال (الشاعر والفيلسوف والمتصوف الإسلامي) ليست ساكنة، بل خلقٌ وحركةٌ دؤوبة. وتجربة الاتحاد عند متصوفة الإسلام، بتعبيره، ليست إذابة الهوية في اللامتناهي، بل اجتياز اللامتناهي إلى وصال المتناهي. ومن هنا تُنحت وسائل تعبدية وجمالية حية: الحركة، الصلاة، القدر، الإخلاص، الاجتهاد. الإنسان هنا ليس مصوّراً فوتوغرافياً واقفاً في كواليس الطبيعة - كما هو في الهايكو - بل فاعلٌ يشارك بحريته في تغيير العالم. ويوضّح الفيلسوف بشير سليمان ديان مقصد إقبال بجملةٍ حاسمة: الهدف الأعلى للأنا ليس أن تشاهد شيئاً، بل أن تكون شيئاً.

وحتى استعارة الحيوان تفضح الفرق. يتخيّل الكتاب الهايكو حيواناً فيجعله ناقةً لا تعيش دون ماءٍ وكلأ، حيواناً «لا قلب لديه لأطماع الكائن البشري ومشاعره الفجّة»، غير متجاوز، في انسجامٍ كاملٍ مع الطبيعة. أما روبرت بلاي، فيتخيّل قصيدته الغربية حيواناً يعدو، تصدر عن جريها إيقاعاتٌ ملحوظة، وطاقته النفسية حرّةٌ في التحرك هنا وهناك. حيوان الهايكو مقيمٌ راضٍ؛ والغربي راكض متحرك قلق، أما حيوان القصيدة العربية فهو كما قال شاعر العربية المتنبي: «يقولون لي ما أنت في كل بلدةٍ... وما تبتغي، ما أبتغي جلَّ أن يُسمى»، وشعريّتنا تستمدّ نفسها من هذا التجاوز، السعي إلى ما جلَّ أن يُسمى.

ثانياً: محراب ميّة

في فصل «مشكاة الطبيعة» يبدأ الكتاب بقصةٍ متخيَّلة تجمع ابن قتيبة وذي الرمة، ثم يقرّر أن «تفوّق ذي الرمة يكمن في قدرته على احتواء الطبيعة احتواءً موضوعياً، غير مشروط، ولا انتقائي... دون أن يضع نفسه في مركزها، أو يجعلها فرعاً عن ذاته». ولعلي أختلف هنا تحديداً؛ فطبيعة ذي الرمة ليست موضوعية، وليست بلا مركز. بل هي مأهولة تماماً. يقول شوقي ضيف إن ذا الرمة أكثر شعراء العرب وصفاً لدموعه، وإنه مضى يتعزّى عن ميّة بمحرابها الذي كانت تعيش فيه، فإذا هو أكبر شاعرٍ تغنّى بالصحراء العربية، عشق أيامها ولياليها ورمالها وكثبانها. ويكشف الطاهر لبيب في «سيسيولوجيا الغزل العربي» عمّا هو أدقّ: أن المرأة في الكون العذري تُرفَع إلى مستوى المثال حتى تكاد تصير ميتافيزيقا؛ فيصبح الشريك بالنسبة للعذري ذاته الأخرى.

فالصحراء عند ذي الرمة ليست «ما هي عليه»؛ إنها محرابٌ واستعارةٌ كبرى لمحبوبة. والهكذائية تقتضي غياب المركز، وذو الرمة له مركزٌ اسمه ميّة، تدور حوله الرمال والأنواء والحيوان. ولا أعني أن وصفه إسقاطٌ عاطفيّ فجٌّ كما يفعل الشعراء عادة - فهو مزيجٌ فريد أخذ من أسلوب العذريين وحافظ على روح الجاهلية، حتى لا تكاد تفرّق بينه وبين محبوبه. فهو بناء خاص مركزه امرأة احتوت كل ذلك العالم الصحراوي. وهذا نقيض حياد الهايكو. والمفارقة أن الكتاب نفسه هو من نبّهَ بعبارة تحذيرية: «لن نفلح في خوض تجربة هايكو حقيقية، إذا نحن ألبسنا الهايكو ثيابنا وملامحنا، وجعلناه يتكلم عبر الأنا الخاصة بنا» والكتاب بانتباهٍ عالٍ لم يُلبِس الهايكو ثيابنا، لكنه ألبس ذا الرمة ثوب الزن.

أخيراً: الموتُ في الخلاء

ولئن كان ذو الرمة أمويًّا بانتمائه، فإن وعيه الصحراوي أقرب إلى الجاهليين منه إلى أهل عصره. ويذكر محمد إدريس قاسم في «الشاعر الجاهلي والوجود» أن الجاهلي أدرك في صحرائه أنه (وجودٌ للموت)، فقرّر مواجهته والتحدي: أخذ أناه ووجوده وجعلها في مواجهة الطبيعة/الصحراء، وقرّر بمصطلح هايدغر أن يهزم «الوجود الزائف» رغبةً في «الوجود الأصيل»، فخرج من البقاء في (حالة العالم) إلى آفاق وجوده الماهوي.

هذا الوعي هو ما يفسّر لماذا لا تكون القصيدة العربية تأمّلاً محضاً. فهي كما يقول فتحي المسكيني في «الشعراء يحرسون هشاشة العالم»، محاولةُ هروبٍ من سجنٍ ما؛ والشعراء يدفنون من إمكانات الموت بقدر ما يبدعون من خطوط الهروب نحو الإنسانية. وحين كتب محمود درويش «لا غدٌ في هذه الصحراء إلا ما رأينا أمس... فلأرفع معلقتي... لينكسر الزمان الدائري... ويولدَ الوقتُ الجميلُ»، كان يصوغ الموقف نفسه: رفضُ اللحظة لا الإقامة فيها.

وهنا يلتقي الطريقان. الغاية الدينية تدفع نحو التجاوز؛ والغاية الوجودية تدفع نحو التجاوز؛ والزن يدفع نحو السكون. والهموم التي يسمّيها إيرفين يالوم جوهريةً في «هبة العلاج النفسي» هي الموت والعزلة ومعنى الحياة والحرية، هي بعينها ما تشتغل عليه القصيدة العربية منذ امرئ القيس، بينما الهايكو يسكن اللحظة؛ أما الشاعر العربي فيفرّ منها إلى الوجود الأصيل. ولذلك؛ ليس المجاز عندنا زينةً يمكن خلعها، بل بنيةٌ تحمل المعنى، ولعل محمود درويش في «مأساة النرجس ملهاة الفضة» أراد أن يشير إلى رفاهيةٍ في الوصف الطبيعي، فقد يطمح لها الشاعر العربي ولكنه لا يمتلكها لأسباب عدّة، منها تلك الهموم الوجودية، حين قال بنبرة تراجيدية: «عادوا إلى المألوف فيهم وهو يمشي/ فوق الرصيف ويمضغ الكسَلَ اللذيذ ووقتَهُ من غير غاية/ ويرى الزهورَ كما ترى الناسُ الزهورَ... بلا حكاية»، وهكذا الهايكو يقتضي وقتاً بلا غاية، ونحن لا نملك وقتاً كهذا.

ختاماً، لا بد لي أن أعترف بأني لم أفارق ذلك الفتى الصغير الذي حضر درس الحِكم العطائية في جامع الإيمان بدمشق، للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، حين سمع تلك العبارة التي لا تزال ترنّ في أذنه إلى الآن: «لا تنظر إلى السواقي وانظر إلى المعين»، ولا أسوق هذا دعوةً إلى الانصراف عن الهايكو، بل تحديداً لموضع المعين. فالمعين ليس التراث بوصفه ماضياً يُستعاد، ولا اليابان بوصفها نموذجاً يُستورد؛ إنه التجربة الوجودية الإنسانية نفسها، ومن ورد هذا المعين ستتطوع له كل الأشكال والنُظم اللغوية.

* شاعر سعودي


«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد
TT

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

ظهرت فكرة كتاب «أفلام غير مشاهدة بدقة»، الصادر عن دار «ديوان» بالقاهرة بصفتها محاولة لتجاوز الإحباط الناتج من إدراك الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الرقمي، بالتزامن مع مرور ربع قرن من الألفية الحالية وقرن وربع القرن على بداية السينما.

يضم الكتاب دراسات ومقالات نقدية معمّقة لكثير من التجارب السينمائية في مصر والعالم العربي دون التقيد بفترة زمنية محددة، موقّعة بقلم خمسة من شباب النقاد السينمائيين في مصر، وهم: رحمة الحداد، وأحمد عزت عامر، وحسام السيد، وحسن فهمي ومحمد عوض يوسف.

ويرصد الكتاب في هذا السياق ما يقارب 60 فيلماً لم تنل حظها من التقدير الفني، رغم أن بعضها يحظى بشهرة واسعة وربما يكون حقق نجاحاً جماهيرياً لافتاً، لكن يظل الشريط السينمائي نفسه في حاجة إلى إعادة قراءة ترد إليه الاعتبار وتفتح باباً للنقاش حول نقاط مدهشة فيه لم يلتف إليها كثيرون.

ويتراوح الإطار الزمني لهذه الأفلام من أعمال تم إنتاجها في حقبتي الستينات والسبعينات، مثل: «في بيتنا رجل»، و«البوسطجي»، و«السقامات» و«زوجتي والكلب»، مروراً بأعمال صدرت في حقبتي الثمانينات والتسعينات مثل: «العوامة رقم 77»، و«عرق البلح» و«هستيريا»، وصولاً إلى أعمال أحدث مثل «إبراهيم الأبيض»، و«ميكروفون»، و«ريش» و«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو».

تتوزع تلك القراءات النقدية عبر عشرة فصول، يشتغل كل فصل على ثيمة بعينها مثل «الضحك: صورة مشوشة للواقع» و«يقظة كافكاوية» و«صورة بديلة للذكورة» و«تحديقة نسائية» و«تأملات في العنف» و«رسائل بين الحياة والموت». وفي تقديمه للكتاب، يتوقف أحمد عزت عامر عند لحظة فارقة تهدّد مصير النقد السينمائي برمته حين نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية مقالاً بهذا العنوان الصادم «مَن يحتاج اليوم إلى النقاد السينمائيين؟»، وهو ما يطرح تحديات حول فهم مهمة ودور ناقد الأفلام وكيف تبدو مهنته حالياً محاصرة داخل الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي.

يريد ناقد اليوم أن يستعيد ثقة القارئ في النقد وأن يمنح هذا القارئ زاوية جديدة لمشاهدة الفيلم وربما رؤية العالم، فأجمل ما يمكن أن يحدث له هو أن يسمع أو يقرأ مثل هذا التعليق: «أرغب الآن في مشاهدة الفيلم مرة ثانية بعد أن قرأت مقالك».

من هنا، وفي الجلسات التحضيرية لهذا الكتاب كان الشاغل الأهم بالنسبة لمؤلفيه هو أي أفلام سيختارون، وقرارهم أن يكتبوا عن أفلام رغم جمالها وتميزها فإنها غير مُقدّرة بما يكفي أو ربما مُقدّرة للأسباب غير الصحيحة، وجاء مقترح العنوان «أفلام غير مشاهدة بدقة» نوعاً من المشاغبة مع كتاب الناقدة الأميركية البارزة مارلين فيب «أفلام مشاهدة بدقة - مدخل إلى تقنية وفن السرد السينمائي».

كان هذا هو المقصد حين وقع الاختيار على سبيل المثال على فيلم «في بيتنا رجل» للمخرج هنري بركات، إنتاج 1961 وبطولة عمر الشريف، ورشدي أباظة وزبيدة ثروت، فهو رغم حضوره في قائمة أفضل 100 فيلم عربي الشهيرة، نال تقديراً أقل من أفلام أخرى مثل «الحرام»، إنتاج 1965، و«دعاء الكراون»، 1959، أو حتى «الباب المفتوح»، 1963. وحين يشاد به يأتي ذلك دون أي اشتباك حقيقي مع جمالياته الخاصة، وبذلك فإن إبداع بركات هنا في السرد والأداء الإخراجي ظل بعيداً عن التحليل النقدي المتعمق.

وحين يُذكر محمد خان بصفته مخرجاً، فإن الأفلام التي ستتداعى إلى الذهن هي «الحريف»، و«زوجة رجل مهم» و«أحلام هند وكاميليا»، أو أفلام أكثر جماهيرية مثل «مستر كاراتيه» أو «في شقة مصر الجديدة»، في حين يركز الكتاب على تجربة أكثر أهمية لم تنل حظها من التقدير هي «مشوار عمر» بصفته أحد أفلام الظل غير المقدرة بما يكفي.

ويسعى الكتاب إلى اكتشاف زوايا جديدة للقراءة والتحليل حتى مع الأعمال الشهيرة، كما هو الحال مع فيلم «إسكندرية ليه» ليوسف شاهين الذي تتم قراءته هنا بصفته نوعاً من الاستكشاف المختلف وغير المسبوق لتمثلات الذكورة على شاشة السينما العربية، وهي الفكرة نفسها التي يتم النظر من خلالها إلى التجربة الإخراجية الأولى للمخرج عادل أديب في فيلم «هيستريا»، 1996، الذي هو - حسب الكتاب - حالة شديدة الخصوصية في تاريخ السينما المصرية.

تمتد فصول الكتاب لتشمل تجارب مميزة غير مصرية من السعودية، والسودان، وفلسطين، وتونس، ولبنان، وسوريا وتونس والأردن، مثل «وجدة» للمخرجة هيفاء المنصور و«بيروت الغربية» لزياد دويري و«نحبك هادي» لمحمد بن عطية و«وداعا جوليا» لمحمد كردفاني و«ذيب» لناجي أبو نوار.


النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي
TT

النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي

صدر أخيراً عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير الناقد الأكاديمي المصري دكتور معتز سلامة. يقدم الكتاب نصوصاً مختارة لعدد من أبرز الدارسين الغربيين الذين أسهموا في بلورة مفاهيم النقد البيئي، وتوسيع أدواته، واختبار إمكاناته في قراءة الشعر والسرد والمسرح، بل في مساءلة الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية.

يشير المترجم في مقدمته إلى أن العلاقة بين الأدب والطبيعة ليست طارئة على التراث العربي، بل لها جذور عميقة في الأدب العربي القديم، لا سيما أدب الرحلات، وفي السرديات التي جعلت من الصحراء والواحة والبحر، والمدينة، فضاءات دلالية كثيفة. غير أنّ المقاربة البيئية الحديثة تتيح لنا إعادة قراءة هذا التراث، لا بوصفه تمجيداً جمالياً للطبيعة فحسب، بل بوصفه سجلاً لعلاقات القوة، وأنماط التملّك، وأشكال التكيّف مع المكان. ومن هنا، فإن تقديم النقد البيئي للقارئ العربي لا يعني استيراد حقلٍ غريب، بقدر ما يعني فتح أفق جديد لإعادة مساءلة نصوصنا القديمة والحديثة على حد سواء.

ويأتي الكتاب، حسب المترجم، استجابةً لحاجة معرفية ملحّة في المكتبة العربية، حيث لا يزال هذا الحقل النقدي، على الرغم من راهنيته، محدود الحضور نسبياً، ومجزّأ التداول بين مقالات متفرقة أو إشارات عابرة في دراسات أوسع أو بعض الكتابات العربية النقدية المحدودة، والتي بعضها لم يستوعب النقد البيئي وفلسفته بشكل صحيح؛ مما أنتج دراسات بيئية عربية مشوهة بعيدة عن الأسس الفلسفية والنقدية التي وضعها النقاد البيئيون في الخطاب النقدي الغربي المعاصر. ومن ثمَّ تسعى هذه المجموعة إلى تقديم بانوراما نظرية وتطبيقية للنقد البيئي.

يضم الكتاب خمس دراسات نقدية منشورة حديثاً باللغة الإنجليزية، تعبر عن وجهات نظر النقد البيئي المعاصرة التي تخطت موجات النقد البيئي المبكرة، الدراسة الأولى نظرية تليها أربع دراسات تطبيقية، تتناول فنون الأدب المختلفة.

وجاءت الدراسة الأولى للباحثة الهولندية «استريد براك» بعنوان «التحديات التي تواجه النقد البيئي». والدراسة الثانية «شاعر الجزيرة والشاطئ المقدس» للباحث الأميركي «م. جيمي كيلينجسورث». والثالثة «البيئات ما بعد الاستعمارية: الطبيعة والثقافة والرواية الهندية المعاصرة باللغة الإنجليزية: الماء/ الأرض: أميتاف جوش نموذجاً»، للباحث الهندي «أوبامانيو بابلو موخيرجي»، بينما الرابعة هي دراسة أخرى للباحثة الهولندية «استريد براك» وعنوانها «الرعوية في الرواية البريطانية المعاصرة». ويختتم الكتاب بدراسة «شكسبير والنقد البيئي: تحليل ثنائية الوطن والسلطة في مسرحية الملك لير»، للباحث الكندي «سايمون سي. إستوك».

وكان قد صدرت للمؤلف من قبل ترجمة لأكثر من كتاب، منها «من الشعرية الثقافية إلى الحراك الثقافي: مقالات مترجمة في النقد الثقافي» و«المادية الثقافية والتاريخية الجديدة» تأليف ستيفن جرينبلات، و«مناهج النقد الأدبي المعاصر: مقالات مختارة».