فرضت التحوّلات العسكرية في معركة حلب الأخيرة التي قلبت موازين القوة رأسًا على عقب، تحولاً مماثلاً على مواقف ما يسمّى «حزب الله» وأمينه العام حسن نصر الله، الذي غيّب حلب عن خطابه الأخير، وقفز فوق كل التطورات التي شهدتها المدينة، وتمثّلت في سيطرة المعارضة السورية على مواقع استراتيجية للنظام غرب المدينة وتمكنت من محاصرته، في وقت وصف فيه نصر الله قطع طريق الكاستيلو قبل أسبوع، ومحاصرة المناطق الشرقية «نصرًا استراتيجيًا يرسم معالم انتصار محور الممانعة في سوريا والمنطقة كلّها».
لا شكّ أن تجنّب نصر الله الحديث وإن بشكل عرضي، عمّا شهدته وتشهده حلب من تطورات ميدانية، لا يزال موضع أخذ وردّ، ليس لدى القوى المناهضة لنصر الله وحزبه، إنما في بيئة هذا الحزب التي تبحث الآن عن جواب عن سؤال واقعي، وهو النتائج التي سيعود نصر الله بها من سوريا، بعدما أغرقهم بوعود الانتصار على ما سماه «الإرهاب التكفيري»، قبل أن يفاجئهم خطاب السبت الماضي بما يشبه الغزل أو استدراج العروض مع «المجموعات المسلّحة» التي نزع عنها صفة الإرهاب والتكفير، واعتبرها «ضحية الاستغلال الأميركي».
الباحث السياسي اللبناني قاسم قصير، الخبير في شؤون ما يسمى «حزب الله» والحركات الإسلامية، اعتبر أن «التحول في خطاب نصر الله، يؤشر إلى وضع جديد في المشهد السياسي والميداني السوري بدأت ترتسم معالمه إقليميًا». ودعا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى «التوقف عند الطريقة التي خاطب بها نصر الله الجماعات المسلّحة في سوريا، وحثّهم على التفاهم معه، لأن الأميركيين يستخدمونهم»، معتبرًا أن «هذا الكلام يدل على تطور كبير يحصل في سوريا».
وقال: «من الواضح أن أمين عام الحزب لم يتحدث من موقع الضعيف، لكنه بالتأكيد هو يهيئ الجو للتحولات والتسويات السياسية، انطلاقًا من التلاقي التركي - الروسي - الإيراني، والحديث عن وضع جديد ليس في سوريا فحسب، إنما في المنطقة ككل».
في المقابل دعا مدير مركز «أمم» للأبحاث والتوثيق، لقمان سليم، إلى «عدم التوقف عند كلام (حزب الله)، حتى لو كان صادرًا عن أمينه العام حسن نصر الله». وشدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أهمية «مراقبة السياسة الإيرانية، وكيف تحاول أن تستفيد من التحولات الإقليمية والدولية»، لافتًا إلى أن إيران «عندما تحقق مكاسب عسكرية، تقدم نفسها كمنتصر، لكن عندما تتراجع وتتقهقر كما يحصل الآن في حلب فإنها تهرب إلى الخيار الدبلوماسي».
وقال سليم، وهو شيعي مناهض لما يسمّى «حزب الله»، إن «نصر الله لم يكن كاذبًا عندما تحدث عن معركة حلب الاستراتيجية والمصيرية، لكن ما أثبتته هذه المعركة، أنه ليس هناك منتصر بشكل تام بمعركة عسكرية واحدة». وأضاف: «رأينا كيف ذهب التركي إلى الروسي، وكيف أتى الإيراني إلى حضن التركي وقبّله، لذلك، فإن نصر الله لم يتوقف عند حلب في خطابه الأخير». وتناقل ناشطون قريبون من الحزب تسجيلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لمقاتلين من الحزب من جبهة حلب، وتسجيلات لضباط من النظام السوري، يتبادلون الاتهامات بالخيانة، والطعن بالظهر وتركهم في الميدان والفرار من أرض المعركة، ما تسبب بوقوع أعداد كبيرة من القتلى سواء لدى هذا الفريق أو ذاك.
ورغم الحديث عن أن معركة حلب الأخيرة وسيطرة المعارضة على مناطق استراتيجية غرب حلب، هي التي بدلت في مواقف نصر الله وغيّبت التطور الميداني الأهم في سوريا عن خطابه، فإن قاسم قصير أوضح أن «معركة حلب جزء من صراع كبير في المنطقة، والسيد نصر الله منذ بداية الأحداث السورية كان يقول إنه لا حلّ عسكريًا في سوريا، ولكن نحن مضطرون للقتال هناك لحماية ظهر المقاومة ولبنان»، مشيرًا إلى أن «الوضع في حلب لعب دورًا مهمًا في المشهد العام في سوريا وحتى في المنطقة».
ولفت قصير إلى أن «تطور الموقف التركي الجديد، وإعادة تموضع أنقرة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، هو الذي أحدث التغيير الكبير في المنطقة». وعن رأيه في تأكيد الرئاسة التركية أن موقفها لم يتغير إزاء نظرتها إلى النظام السوري، ذكّر قصير بأن «أحد مسؤولي (حزب الله) قال قبل أيام كلامًا مهمًا للغاية، وهو أن أي حلّ في سوريا، لن يكون لمصلحة النظام وحلفائه، لكنه في الوقت نفسه لن يكون على حساب النظام وحلفائه، بمعنى أنه ليس ثمة طرف سيكون هو المنتصر بالمطلق».
ولم يجد لقمان سليم في تودد نصر الله إلى الجماعات المسلحة في سوريا، إلا «تراجعًا ضمنيًا عن اتهام كل من يقاتل حليفه بشار الأسد بأنه إرهابي وتكفيري ويجب أن يُلقى بهم في النار». وأضاف: «إنه اعتراف بأن من يقاتلهم في سوريا هم سوريون ويملكون وجهة نظر»، معتبرًا أن «تجنب نصر الله الحديث عن حلب، دليل على أن معركة حلب حاضرة ومهمة».
وعن الارتدادات السلبية لتورط الحزب في الحرب السورية، لفت لقمان سليم إلى أن «الضغينة التي أججها قتال نصر الله في سوريا، بين الشيعة وبين الشعب السوري، تحتاج إلى جيل أو جيلين لتعالج وتلتئم جراحها». ورأى أن «الذين قتلوا من الشيعة على مشارف حلب، يبدو أنهم سقطوا سهوًا، ويبدو أن الحرب التي يورط فيها (حزب الله) الطائفة الشيعية هي حرب السقوط سهوًا». لكنه توقع أن «لا يعود نصر الله من سوريا، إلا في اليوم الذي تخرج فيه إيران من سوريا، وربما لن يكون ذلك بوقت قصير، لأن خروج إيران من سوريا مرتبط بخروجها من المنطقة، وهذا قد يحتاج إلى سنوات».
التقارب الروسي ـ التركي ـ الإيراني يغير خطاب «حزب الله» في سوريا
https://aawsat.com/home/article/715211/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%C2%AB%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%C2%BB-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7
التقارب الروسي ـ التركي ـ الإيراني يغير خطاب «حزب الله» في سوريا
مصدر: توجه نصر الله للجماعات المسلحة تدل على وضع جديد
- بيروت: يوسف دياب
- بيروت: يوسف دياب
التقارب الروسي ـ التركي ـ الإيراني يغير خطاب «حزب الله» في سوريا
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






