جزيرة يونانية للرجال فقط

أثوس يقطنها 1200 راهب.. ودخلتها النساء رسميًا مرتين

جزيرة يونانية للرجال فقط
TT

جزيرة يونانية للرجال فقط

جزيرة يونانية للرجال فقط

ما يزعج أو يفاجئ كثيرا من النساء أن كل مكان يمكنهن الدخول إليه في اليونان، ما عدا جزيرة رائعة الجمال. إنها جزيرة أثوس، وتسمى أيضا الجبل المقدس (علوه 2033 مترا). ويعيش في الجزيرة نساك ورهبان يصل عددهم إلى 1200 من مختلف الكنائس الأرثوذكسية، إضافة إلى موظفين وعاملين رجال وعناصر من قوى الأمن وعمال حصاد المواسم، فوق مساحة تصل إلى 336 كيلومترا مربعا. ويحيط بالجزيرة كثير من الأسرار والمعتقدات الغريبة، منها أن سكانها يستخدمون التقويم اليولياني القديم، أي أن السنة 365 يوما وربع اليوم، ما جعل الفارق بينه وبين التقويم الميلادي حتى اليوم 13 يوما.
وفي كل رحلة بحرية على متن سفينة سياحية تقوم بجولة حول الجزر وتتوقف أمام الجبل المقدس، يسمح للرجال فقط بالنزول لزيارته، بينما على النساء مشاهدته من بعيد. وفي إحدى الرحلات حاولت سيدة إغراء عامل فوق السفينة بالمال كي تنزل بقارب صغير وتتسلل إلى الشاطئ فرفض بشدة؛ لأن خرق القانون ومساعدة امرأة على الدخول يعاقب عليه بالسجن من عام إلى عامين. ولقد فشلت عدة حكومات متعاقبة بأثينا في إلغاء هذا الإجراء.
وكانت جزيرة أثوس تابعة سياسيا وإداريا ودستوريا لليونان، إلى أن منحت عام 1926 وضعا خاصا، وأصبح يديرها اليوم ما يسمى بالاتحاد المقدس، وهو مكون من 20 ديرا يونانيا وروسيا ومقدونيا وصربيا وسلافيا ورومانيا، وزعت مسؤوليته الإدارية على خمس مجموعات، يضاف إليها مجلس إدارة من 4 رهبان ولجنة عليا تشرف على الشؤون المالية والقانونية للدولة الرهبانية، ما يجعل الجزيرة شبيهة بدولة الفاتيكان.
وحدث أن دخلت نساء رسميا إلى الجزيرة مرتين: عام 1770 خلال إحدى الثورات في اليونان، وعام 1821 إبان حرب الاستقلال، يوم قام الثوار اليونانيون بحركة عصيان ضد الإمبراطورية العثمانية وتأسيس المملكة اليونانية. ومع أن كلمة أثوس تعني «جنة مريم والدة المسيح» وهي امرأة، إلا أن أحد الرهبان برر حظر الدخول بأن سكانها يحبون النساء وهن حاضرات بحضور السيدة مريم العذراء، بينما تقول أسطورة إن مريم العذراء تملك وحدها هذه الجزيرة، لذا حرمت دخول أي امرأة إليها ما عداها. لكن أحد الرهبان اعترف بأن سبب رفض دخول النساء هو كبح رغبة الرهبان الجنسية، والعيش بعيدا عن المثيرات وتكريس أنفسهم للعبادة فقط.
وعلى الرغم من الحظر فإن عدة نساء تمكنّ من خرق القانون، فإحدى الكاتبات الفرنسيات تنكرت بزي بحار وعاشت بضعة أيام متخفية، وكتبت بعد خروجها رواية مثيرة تحت عنوان «شهر كامل بين الرجال»، وشجعت هذه المغامرة نساء أخريات لخوضها. ففي عام 1969 تسللت 5 يونانيات لكن كشف أمرهن وطردن بسرعة، وفي عام 1989 نجحت سائحة ألمانية في الدخول وقضاء وقت وتصوير بعض المناطق. والصور التي حملتها كل الصحف الأوروبية في يناير (كانون الثاني) عام 2008 كانت لـ6 نساء يونانيات قفزن أمام عدسات الكاميرا من على متن قارب وحاولن الوصول إلى الجزيرة، وذلك اعتراضا على مواصلة تحريم الرهبان دخول النساء إليها.
لكن في الحقيقة فإن حظر دخول النساء إلى الجزيرة يعود إلى عام 1045، وثبّته يومها القيصر كوستاتينوس مونوماخوس وحمل اسم «أفاتون» وكان قد وضعه القديس تيودور ستوديتا، وعاش ما بين عام 759 و826، واعتبر أبا للرهبنة الأرثوذكسية.
والحظر ليس مقتصرا على النساء فقط، بل على كل الحيوانات الإناث. وبحسب مراجع غير رسمية، فإن القديس تيودور قال يومها: «لا تحتفظ بحيوان مؤنث؛ لأنك قررت التخلي عن الأنثى في الحقل أو في البيت». وعندما تلد الحيوانات منها الأبقار والماعز أو غيرها إناثا، يتم بيعها إلى القرى المحيطة وجلب دواب من الذكور كالخيل والبغال والحمير، ويتم إحضار الإناث في أوقات محددة للتكاثر، ومع ذلك فإن الحيوان البيتي الوحيد الأنثى الذي يحتفظ به هي الهرر لأنها تقضي على الجرذان والفئران والأفاعي.

ذكرتها إلياذة هوميروس

والجبل المقدس (أثوس) له تاريخ يعود إلى عهد الإغريق، وذُكر في إلياذة هوميروس في القرن الخامس قبل الميلاد، وفي أواسط عام 850 استوطنه رهبان أرثوذكس بمساعد الإمبراطور نكفوروس الثاني فوكاس، لكن إدارة الجزيرة بشكل منتظم بدأت عام 960 بتأسيس أول دير وبتعيين القديس إثناسيوس حاكما على الرهبان الساكنين هناك. وخلال القرن الـ11 بنيت أديرة أخرى فوق الجبل عن طريق هبات قدمتها الكنائس الأرثوذكسية في أوروبا التي لها اليوم تواجد. ومع حلول عام 1400 أصبح عدد الأديرة 40، بقي منها 20 ديرا كلها واردة على لائحة حماية مواقع التراث العالمي، منها دير ستافرونيكيتا الذي تعرض للحريق أكثر من مرة، وحرقت فيه وثائق وكتب ثمينة. وبعد أن كان الجبل مع أديرته يخضع لنظام إداري صارم واحد لمجموعة من الرهبان برئاسة راهب له السلطة الأعلى، أصبح التوجه في القرن الـ15 أكثر ليبرالية وانفتاحا مع إدخال نظام رئاسي عبر الانتخابات السنوية.
لكن عندما استولى العثمانيون على منطقة تسالونيكي عام 1430، أخضعوا كامل الجبل المقدس لسلطتهم، ما سبب خللا في نظام الرهبنة الداخلي. وهربا من سلطة العثمانيين ظهرت الصوامع للرهبان المتقشفين في المناطق الجبلية الوعرة. ولقد عانى الجبل من عمليات النهب من قبل الجنود الأتراك الذين أحرقوا مكتبات بأكملها، وفي القرن الـ19 وبرعاية القيصر الروسي شهد الجبل زيادة في عدد الأديرة الروسية وفي الممتلكات التابعة له.
جزيرة مستقلة

وما يميز هذه المملكة الصغيرة أنها واقعة في أوروبا وبالتحديد في اليونان، لكنها لا تخضع للحكومة اليونانية، وهي تسدد الضرائب إلى البطريركية الأرثوذكسية في القسطنطينية (إسطنبول) وبالتالي تتبع النظام البطريكي أيضا.
وزوار الجبل المقدس هم حجاج رجال وليسوا سياحا، وعليهم الحصول على تأشيرة حج من مكتب في مدينة تسالونيكي تسمى «ديامونيتريو» ولا يسمح بالإقامة سوى 4 أيام، ويجب أن يكونوا بمرافقة راهب، وكل ما يمكن القيام به من أنشطة هو التجول بين أحضان الطبيعة والعبادة. ولا تستقبل الجزيرة سوى 10 حجاج يوميا، حيث ينقلون بالقوارب من الشاطئ إلى الداخل، ومن النادر مشاهدة وسائل نقل آلية؛ لأن السكان يستعملون الحيوانات، أما الحافلات الكبيرة والسيارات فهي ملك للأديرة.
ويوجد في الجزيرة إلى جانب العناية الطبية مصرف اسمه المصرف الزراعي، ومطار صغير لنقل الشخصيات المهمة، منها الملياردير الروسي رومان إبراموفيتش، الذي يسمح له في أي وقت أن يرسو بيخته مقابل مبلغ ضخم، وكان قد رمم كنيسة روسية على حسابه.
ويودع كثير من الأغنياء الروس وغيرهم الملايين في المصرف الزراعي، إلى جانب تخزينهم صناديق مليئة بالذهب والألماس والبلاتين. والجزيرة هي المكان الوحيد في أوروبا الذي لا يتحدث فيه أحد عن الضرائب، فكل ما يصدر منها مثل المنتجات اليدوية المختلفة وزيت الزيتون والنبيذ والعسل بعد ازدهار تربية النحل، معفي من الضرائب، وكذلك المعلبات والمواد الغذائية التي تصنع في الأديرة.
هذا التوجه جعل الجزيرة جنة لكثير من السياسيين ومهربي الأموال، وهذا كان السبب لإنشاء مطار خاص حط فيه سابقا الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، وبعده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكثير من السياسيين الأوروبيين، مستغلين الستار الحديدي الذي تختفي وراءه هذه الجنة. حتى أن بعض العاملين في الأديرة يتحدثون عن خروج حقائب مليئة بالماس باتجاه أمستردام وأنتويرب، وفشل البرلمان الأوروبي في تجفيف جنة غسل الأموال وفي إلغاء استقلالية الجزيرة.
ويعتبر الجبل المقدس أغنى المناطق في اليونان، ففي أديرته وكنائسه أقدم التحف الفنية، منها لوحات فنية يقدر ثمنها بالمليارات، عدا ذلك فإن منتجات الأديرة توفر إيرادات سنويا بالمليارات معفاة من الضريبة، ويقدر البعض أن مليارات هذه الجزيرة بإمكانها إنقاذ اليونان من الإفلاس، أو الاستغناء عن الاقتراض من الاتحاد الأوروبي.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».