ليبيا.. صراع عابر للحدود

أميركا من الغرب وفرنسا من الشرق.. والدواعش يفرون للجنوب

ليبيا.. صراع عابر للحدود
TT

ليبيا.. صراع عابر للحدود

ليبيا.. صراع عابر للحدود

خلال أقل من ثلاثين يوما خرجت تصريحات رسمية في كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا تفيد بأن لهما قواتا تعمل على الأراضي الليبية. والظاهر الآن أن كلا من الدولتين الغربيتين الكبريين تعضد فريقا من الفريقين الليبيين المتنافسين على السيطرة على حكم البلاد. قوات أميركية في الغرب، وقوات فرنسية في الشرق.. كل منهما يساعد في محاربة تنظيم داعش الإرهابي المتطرف، بطريقته، لكن يبدو أن عناصر التنظيم بدأت تفر إلى مناطق الجنوب تاركة ساحة الصراع بين السياسيين في شمال البلاد وقد أصبحت أكثر وضوحا من السابق.
حتى وقت قريب كان يسود اعتقاد بين كثيرين من الليبيين بأن أي تدخل دولي في الشأن الداخلي، خاصة توجيه ضربات دولية، من البر، ضد «داعش»، يمكن أن يؤدي إلى توحيد جبهة المتطرفين وضياع أي محاولة يبذلها السياسيون للم شمل الدولة التي تعاني الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011.
ما حدث، حقا، يبدو أنه أمر مغاير تمامًا لمثل تلك التوقعات والمخاوف. إذ دلت تصريحات من كل من فرنسا والولايات المتحدة، خلال الأسابيع الأخيرة، على وجود قوات على الأرض تعمل جنبا إلى جنب مع أطراف ليبية تحارب «داعش» والمتطرفين في محيطي مدينتي سرت وبنغازي، إلى فتح قنوات اتصال جديدة بين الخصوم المحليين المتحصنين وراء حكومات صغيرة وهشة في شرق ليبيا وغربها.
ما الحل؟ أخذ مثل هذا السؤال يتردد بين الحضور في قاعة تابعة لوزارة الخارجية المصرية مطلة على نيل القاهرة لدى حضور وفد برلماني ليبي هو الأول من نوعه الذي يلتقي مع مسؤولين مصريين قبل عدة أيام. هذا نوع من نواب الغرب الليبي ممن يصغى إليهم للمرة الأولى بشكل رسمي في مصر. وكان معظمهم يتخوف من انحياز القاهرة لنواب المنطقة الشرقية، لكن اتضح من خلال اللقاء الأخير أن هذا لم يكن صحيحا، وأن مصر تحاول جاهدة الوصول إلى حلول وسط بين الطرفين. ويمكن لحدوث تفاهم بين قيادات الشرق وقيادات الغرب في ليبيا، أن ينهي الكثير من الملفات العالقة بما فيها بوادر الصراع الأميركي - الفرنسي على أراضي هذا البلد الغني بالثروات. فرنسا أقرت في أواخر الشهر الماضي بمقتل ثلاثة من أفراد قواتها الخاصة بشرق ليبيا بعد إسقاط مروحيتهم قرب بنغازي. ويومها أكد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أن قواتا فرنسية تنفذ «عمليات خطيرة» ضد المتشددين في ليبيا.

اعترافات واشنطن وباريس
وأضاف أن هناك حاجة إلى لمواجهة «داعش» ومحاربته في كل من العراق وسوريا وليبيا. إلى ذلك, وبعد بنحو ثلاثة أسابيع، أي يوم الثلاثاء الماضي، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين أميركيين، لم تسمهم، أن جنودا من الوحدات الخاصة الأميركية قدموا إسنادا مباشرا لقوات «البنيان المرصوص»، وأنهم «يعملون بالتنسيق مع نظرائهم البريطانيين على تحديد مواقع للضربات الجوية ويزودون شركاءهم بالمعلومات الاستخبارية».
في البداية.. وفي الداخل الليبي، أي قبل نحو شهر، اتهمت قيادات في غرب البلاد، المنطقة الشرقية بالاستعانة بقوات فرنسية لمعاونة الجيش الوطني في حربه ضد المتطرفين. ويوجد في الشرق مقرات الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني، والبرلمان برئاسة عقيلة صالح، والجيش بقيادة حفتر، لكن التصريحات الأخيرة المنسوبة للمصادر الأميركية عن وجود قوات لها تعمل على الأرض في المنقطة الغربية لتعضيد عملية «البنيان المرصوص» التي تخوضها ميليشيات ضد «داعش سرت» جعل القضية بين طرفي النزاع في الدولة الليبية تبدو متعادلة. وللعلم، في الغرب مقار كل من المجلس الرئاسي وحكومته بقيادة فايز السراج، و«حكومة الإنقاذ» برئاسة خليفة الغويل، والمجلس الأعلى للدولة برئاسة عبد الرحمن السويحلي.
الجيش تمكن أخيرا من طرد المتطرفين من مناطق مهمة في بنغازي، وهم خليط من مقاتلي جماعة الإخوان وأنصار الشريعة و«داعش»، بعد حرب ضروس استمرت طوال حولي سنتين وما زالت مستمرة. وبالتوازي مع ذلك تمكنت قوات «البنيان المرصوص» التي يرعاها المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، من تحقيق انتصارات لافتة على «داعش» سرت، بعد نحو ثلاثة أشهر من انطلاق العملية، لكن المشكلة أن «الجيش» بقيادة حفتر والبرلمان، وميليشيات «البنيان المرصوص» برعاية السراج، لا يتعاونان بل يتربص أحدهما بالآخر، وقد يضطران إلى الاقتتال إذا توغل الجيش ناحية الغرب، أو إذا انتقلت الميليشيات المنتصرة في سرت إلى الشرق.
حتى فيما يتعلق بوجود قوات أجنبية، سارع فريق السراج وفريق حفتر للتقليل من شأن هذا الأمر، فقال السراج إن بلاده ليست بحاجة إلى قوات أجنبية على الأرض، وأعلن مقربون من حفتر أن «مجموعة الاستطلاع» الفرنسية غادرت منطقة العمليات.
هذا الانقسام المحلي يبدو أنه أثَّر في مواقف الكثير من الدول وجعلها، بالمثل، تنقسم أيضا في تعاطيها مع الشأن الليبي. دول مثل فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا ومصر وغيرها، تعترف بالبرلمان الذي يرأسه عقيلة صالح ويعقد جلساته في طبرق شرقا، ووفقا للإعلان الدستوري المعمول به منذ إسقاط القذافي، يعد صالح القائد الأعلى للجيش الليبي. وتعترف هذه الدول نفسها بالمجلس الرئاسي الذي أعلن رئيسه السراج أنه، هو الآخر، القائد الأعلى للجيش الليبي.

اللعب على المكشوف
ويقول أحد قادة جهاز المخابرات الليبية السابق (منذ أيام القذافي ويعيش حاليا في مصر) إن المتغير اللافت في ليبيا هو اضطرار الأطراف المحلية وحلفاء كل طرف من الدول الأجنبية إلى اللعب على المكشوف. وفي حال هزيمة المتطرفين بشكل تام في بنغازي وسرت، فإن أوراق اللعب ستكون مكشوفة على الملأ أكثر من أي وقت سابق، وبالتالي سيؤدي هذا إلى أحد أمرين: إما شعور المتنافسين الليبيين بالخطر، وبناء عليه سيتنازل كل طرف لصالح الوفاق والوحدة، أو أن الوضع سيزداد تعقيدا وندخل في نفق الاحتراب الأهلي وتشرذم البلاد بين شرق وغرب. ويضيف أن وجود قوات عسكرية واستخباراتية من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة في شرق ليبيا وغربها، يعود إلى أواخر العام الماضي ومطلع العام الحالي، لكنه كان وجودا غير معلن عنه بشكل رسمي، موضحًا «أعتقد أن التطورات على الأرض وتحقيق الليبيين انتصارات على الجماعات المتطرفة، جعل الدول الكبرى، خاصة أميركا ومن معها وفرنسا ومن معها، يكشفان، بشكل سافر، عن أنهما يشاركان في تنظيف ليبيا من الإرهابيين، على أمل أن يقفا في النهاية على خشبة الانتصار وما يتبع ذلك من تعاقدات على السلاح وعلى إعادة الإعمار واستئناف التنقيب والتصدير من حقول النفط والغاز».
من جانبه يقول عيسى عبد المجيد، المستشار السابق لرئيس البرلمان، إن الحالة الراهنة في ليبيا تتيح القول إن الدول الأجنبية تتصارع على الأراضي الليبية، ومن يدفع الثمن هو الشعب. ويزيد قائلا: «إن الولايات المتحدة وفرنسا تظهران في الواجهة كطرفين يتسابقان ويتنافسان على الاستحواذ على الكعكة الليبية»، مشيرا إلى أن هذه الدول لا يعنيها الشعب الليبي، بل مصالحها الخاصة، محذرا من انتقال الدواعش من سرت والتركز في الجنوب الليبي، «وعندها لن تتمكن طائرات أو قوات هذه الدول من الوصول إليهم، وهذا يشكل خطرا على مستقبل ليبيا ودول الجوار».

في فنادق القاهرة
في خلفية هذه الأحداث ظهرت وجوه الكثير من الشخصيات الليبية المتصارعة في فنادق العاصمة المصرية خلال الأيام الماضية. يمكن أن تضع مقياسا تحسب به التطورات. مقياس اليوم وفقا لما جرى بالفعل، هو القاهرة التي يوجد فيها غالبية قيادات النظام الليبي السابق، بالإضافة إلى عدد كبير من قيادات الجيش الليبي ممن فضلوا الابتعاد عن البلاد عقب انتهاء نظام القذافي. وفي المقابل كان الزعماء المتحكمون في المناطق الغربية يشيحون بوجوههم عن مصر، متهمين إياها بالانحياز إلى قيادات الشرق، لكن وصل أخيرا إلى هنا عشرات النواب. لقد تغيرت الصورة تحت ظلال البحث عن مخرج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومع ذلك فإن «داعش» ليس قضية ليبية فقط. فمنذ إعلان تمركزه في سرت العام الماضي، أصبح هذا التنظيم هاجسا لدول الجوار وأوروبا والولايات المتحدة.
تبعد سرت أكثر من 300 كيلومتر شرقي طرابلس، ويقول مسؤول في مركز دراسات الجنوب الليبي للبحوث والتنمية، وهو مركز ليبي يعمل باحثوه بعيدا عن الأضواء خشية تعرضهم للانتقام من المتطرفين، إنه كان من الطبيعي أن يفكر «داعش» في أن تكون له قاعدة في ليبيا؛ نظرا للظروف المساعدة والمشجعة على ذلك، مثل غياب دور الدولة المركزية، وانتشار الصراعات الأهلية في كامل التراب الليبي.
ويتابع الباحث قائلا إن تونس صاحبة الـ3 آلاف مقاتل ممن كانوا يحاربون في سوريا، أصبحوا مصدرا رئيسيا للمقاتلين الأجانب الذين قدموا إلى ليبيا، خاصة أولئك الذين عادوا من سوريا إلى تونس واختاروا المجيء إلى ليبيا خوفا من الملاحقة التي تعرض لها الكثيرون منهم في بلدهم. وبالفعل استجاب كثرة من المقاتلين لدعوة «أبو بكر البغدادي» زعيم «داعش» بالانتقال إلى ليبيا.. «فشملت قائمة القادمين - إضافة إلى المقاتلين الليبيين العائدين من سوريا - مقاتلين من تونس والسودان واليمن والشيشان والمغرب والجزائر، ودول أخرى. واستقر هؤلاء في سرت ودرنة وشنوا عمليات على الحقول النفطية والسفارات الأجنبية والمناطق الحيوية ليصبح وجود التنظيم رسميا في ليبيا بعد أن تشكلت أركانه كما ينبغي».

تركي البنعلي
لكن الحدث الأبرز الذي جعل من وجود «داعش» في سرت أمرا حقيقيا، كان وصول تركي البنعلي، عضو مجلس التنظيم الرئيسي، من خارج البلاد إلى سرت. والبنعلي - كما هو معروف - بحريني الأصل، ويعد من المقربين من البغدادي. وفور وصوله إلى سرت العام الماضي، أخذ يلقي فيها الخطب والدروس. ومنذ ذلك الوقت أصبحت جميع أحياء مدينة سرت في قبضة التنظيم ما عدا الحي رقم 3 الذي كانت تسيطر عليه قبيلة الفرجان وكتيبة «الجالط» التابعة لها، «لكن الأمر لم يستمر كثيرا إذ أحكم (داعش) سيطرته على كامل المدينة بعد اندلاع اشتباكات بينه وبين قبيلة الفرجان إثر مقتل شيخ وإمام مسجد قرطبة، الشيخ خالد بن رجب الفرجاني». وفقا لما ذكره مركز الجنوب المشار إليه، وبعد هذه الواقعة اندلعت اشتباكات بين «داعش» وكتيبة «الجالط» انتهت بسيطرة «داعش» بالكامل على سرت.
تتميز سرت، مسقط رأس معمر القذافي، بموقع استراتيجي حاول التنظيم الاستفادة منه في الإشراف على عملياته في ليبيا. ويوجد في المدينة ميناء بحري ومطار جوي حديث، وتعد أيضا نقطة اتصال بغرب البلاد وشرقها، إضافة إلى سهولة التحرك منها عبر الدروب إلى مناطق الجنوب الصحراوية، حيث يفد المقاتلون والأسلحة المهربة من الدول الأخرى، إلى جانب قرب سرت من الهلال النفطي.
وبعد استقراره في سرت عمل «داعش» على إنشاء مراكز تجنيد مهمة خاصة في مدينة صبراتة (غرب طرابلس وقرب الحدود مع تونس) حيث كان فيها مركز لاستقبال المقاتلين الجدد، كما أسس خلية له في طرابلس. وقامت الولايات المتحدة في فبراير (شباط) بضرب مواقع قالت إنها لـ«داعش» صبراتة قتل فيها أكثر من أربعين غالبيتهم تونسيون.
بعدها حاول «داعش» أن يعلن من سرت أنه ما زال قويا، فنفذ حملة جديدة ضد سكان المدينة وقتل معارضيه فيها وعلقهم على أعمدة الكهرباء. وشن أيضا حملة واسعة على حقول البترول وهدد باحتلال الهلال النفطي بأكمله، والمنطقة تضم نحو 60 في المائة من نفط ليبيا، وتمتلك عدة شركات غربية نصيبا في هذه الحقول، منها شركات أميركية وفرنسية وإيطالية وبريطانية. كذلك هاجم التنظيم عدة مواقع أخرى وذبح فيها بعض العاملين، ما أدى إلى فرار الباقين وإغلاق حقول رئيسية جنوب شرقي سرت. واستمر هذا الوضع إلى أن تمكن المجلس الرئاسي من دخول طرابلس، ومباشرة مهامه رغم ما تعرض له من عراقيل من الخصوم السياسيين، وأعلن السراج عن عملية «البنيان المرصوص».

«البنيان المرصوص»
الدكتور عبد الرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية، قال من جهته لـ«الشرق الأوسط» إن مجلسه وقف بقوة من أجل صدور قرار بتشكيل هذه القوة لمحاربة «داعش» في سرت. وينظر السويحلي إلى الفريق أول حفتر على أنه مجرد قائد لمجموعة مسلحة وليس جيشا بالمعنى المتعارف عليه. ووجهة النظر هذه يبدو أنها تعبر عن تجذر الخلافات بين الشرق والغرب، ورفض قيادات الغرب التعامل مع حفتر، رغم أنها في أشد الحاجة إلى تضافر الجهود لمواصلة الحرب على «داعش».
على أي حال.. ومنذ انطلاق عملية «البنيان المرصوص»، سيطرت هذه القوات، تدريجيا على معظم ضواحي سرت وبدأت من حي الزعفران ومحور الغربيات، ثم وصلت إلى الحي 700 ومنطقة أبوهادي والمحمية. وبعد ذلك، رغم الخسائر الكبيرة في صفوفها بسبب مفخخات التنظيم، انتقلت العملية إلى المحور الشرقي لتسيطر على الميناء ومناطق السواوة والطويلة، ثم «مجمّع واغادوغو»، إلى أن تراجعت قوات «داعش» إلى ضاحيتين صغيرتين داخل المدينة.
يرى البعض أنه لم يكن في مقدور عملية «البنيان المرصوص» التوغل في سرت لولا مساعدة القوات الأميركية التي كانت توجه ضربات جوية لمواقع التنظيم، بالإضافة إلى ما تقدمه من معلومات استخباراتية، إلى جانب عناصرها الموجودة على الأرض. ويقول مسؤول مركز الجنوب، عن الخسائر الكبيرة في صفوف مقاتلي «البنيان المرصوص» إن هذا الأمر قد يعود إلى ضعف هذه القوات من حيث تنظيم الخطوط وتأمين المناطق التي تسيطر عليها وتنظيم وتوزيع المقاتلين التابعين لها بشكل يضمن تحديد هوية جميع المركبات والأفراد الذين يدخلون ويخرجون من خطوط العمليات ويسهل عن طريقه معرفة أي مركبات أو أفراد مجهولي الهوية يحتمل أن يكونوا تابعين لـ«داعش».

السكان «دروع بشرية»
ولكن الخشية اليوم من تحصن مقاتلي «داعش» داخل ما تبقى من أحياء سكنية تحت يد التنظيم، ولجوء عناصره لحرب الشوارع، واتخاذه من سكان المدينة دروعا بشرية. ومع ذلك توجد مخاوف أخرى من تسلل «داعش» من سرت إلى الجنوب، كما يقول عبد المجيد لـ«الشرق الأوسط»، لأنه يمكن أن يتخذ قواعد هناك يصعب استهدافها من البر والجو، مع سهولة تواصله من مراكزه الجديدة مع جماعة «بوكو حرام»، وهو ما يمثل خطرا جديدا على ليبيا لا يقل عن خطر الخلافات السياسية في الشرق والغرب. ولا يستبعد مسؤول مركز الجنوب مشاركة مرتزقة بيع السلاح وتهريب البشر والمخدرات من مساعدة «داعش» في حال هروبه للجنوب الليبي، لأن هؤلاء المرتزقة لا يهتمون بـ«هوية الزبون» ولكن بالمبلغ المدفوع.
تجري هذه التطورات على الأرض، بينما يحاول الأفرقاء التلاقي حول طاولات الحوار، وكان آخرها زيارة الوفد البرلماني الليبي (غالبيته من المنطقة الغربية) إلى القاهرة. وعلى الهامش تستمر الاتهامات بشأن استعانة هذا الفريق أو ذاك بقوات أجنبية للقتال على الأراضي الليبية. ويقول عبد المجيد عن التصريحات الأخيرة التي خرجت من أميركا وفرنسا إنها تعد بمثابة «صراع دولي على بسط النفوذ داخل ليبيا. إنها تعلم أن ليبيا دولة غنية بها موارد النفط والغاز والذهب واليورانيوم وغيرها من المعادن الثمينة». ويضيف: «كما تعرف مساحة ليبيا كبيرة جدا. فرنسا وبعض حلفائها الأوروبيين يسعون أيضا إلى العمل على إيقاف الهجرة غير الشرعية، من الشواطئ الليبية، إلى أوروبا، والسيطرة على خيرات ليبيا.. وبتقسيم ليبيا ستكون الأمور تحت سيطرتها». ويتابع قائلا إنه «بالنسبة إلى قصف القوات الأميركية لسرت، فإنني أقول إن أميركا هي من صنعت الدواعش. لماذا لم تقصف أميركا الدواعش حين كانوا يقتلون ويذبحون الضباط والصحافيين والناس في بنغازي وغيرها في الساحات علانية وأمام العالم. أين كانت أميركا؟ أميركا، في الحقيقة، تريد المنطقة الغربية. لكن نتمنى من عقلاء ليبيا أن يجنبوها هذا المصير وهذه المخاطر».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.