دبلوماسي تركي: أميركا ستسلمنا غولن.. وإجراءاتنا تعزز مبادئ أتاتورك

السفير شن قال لـ «الشرق الأوسط» إن بلاده «باتت أقرب للاتحاد الأوروبي»

السفير صالح مطلو شن ممثل تركيا لدى منظمة التعاون الإسلامي
السفير صالح مطلو شن ممثل تركيا لدى منظمة التعاون الإسلامي
TT

دبلوماسي تركي: أميركا ستسلمنا غولن.. وإجراءاتنا تعزز مبادئ أتاتورك

السفير صالح مطلو شن ممثل تركيا لدى منظمة التعاون الإسلامي
السفير صالح مطلو شن ممثل تركيا لدى منظمة التعاون الإسلامي

في الوقت الذي تتداول فيه وسائل إعلام عالمية، معلومات متضاربة عن عدد المعتقلين والموقوفين على خلفية الانقلاب الفاشل في تركيا، أكد ممثل تركيا لدى منظمة التعاون الإسلامي، السفير صالح مطلو شن، أن العدد الحقيقي حتى أمس بلغ 18 ألف شخص.
وشدد مطلو شن في حوار مع «الشرق الأوسط»، على أن تركيا باتت الآن أقرب للاتحاد الأوروبي الذي يشترط سيطرة الدول على قواتها المسلحة، وهو ما فعلته بلاده.
واعتبر أن تكلفة الانقلاب الفاشل لن تكون كبيرة؛ لأن الوضع في تركيا «استثنائي»، فالسوق المحلية لم تتأثر بما حدث، والاستثمارات لم تخرج من تركيا على حد قوله.
وأكد أن الحكومة التركية كانت واعية لما سيحدث قبل محاولة الانقلاب بأيام معدودة، وحددت هوية بعض المخططين له من اتباع فتح الله غولن، الموجودين ضمن الجيش، وتابعتهم.
وأشار إلى أن بلاده تؤمن بأن أميركا ستسلم غولن للسلطات التركية لمحاكمته، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة تقوم بإجراءات قانونية تسبق تسليمه لمحاكمته داخل تركيا وفقًا للقانون.
ورفض وصف فتح الله غولن للانقلاب الفاشل بالفيلم الهوليودي، مؤكدًا أن غولن وضع خطة بعيدة المدى للسيطرة على 90 في المائة من مؤسسات الدولة، لتسهيل مهمته الانقلابية والوصول إلى الحكم.
وفيما يلي نص الحوار:
* ماذا تقولون لمن يردد أن الانقلاب كان مدبرا؟
- كثير من الناس طرحوا هذا السيناريو، على الرغم من عدم منطقيته، والصحيح أن فتح الله غولن حاول الانقلاب عن طريق مجموعة تنتمي له داخل الجيش، ولدينا الأدلة على ذلك.
الانقلاب كان محاولة لقتل الرئيس والاعتداء على البرلمان والحكومة والنظام الدستوري وعامة الشعب.
* كيف تردون على قول فتح الله غولن الذي وصف الانقلاب الفاشل بأنه فيلم هوليودي، وأنه لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يتورط في أي عمل مخالف للقيم الديمقراطية، فكيف بتنفيذ انقلاب على من جاءت به صناديق الاقتراع؟
- فتح الله غولن وضع خطة مستقبلية بعيدة المدى قبل 40 سنة، ركز فيها بشكل خفي على التسلل للمؤسسات العسكرية والتعليمية والقضاء والشرطة والدرك، واستطاع السيطرة على 90 في المائة من مؤسسات الدولة، من خلال تجهيز وتعليم أتباعه.
وأعلم غولن أتباعه كما ظهر في فيديوهات نشرت له في «يوتيوب» أنهم سيفعلون أي شيء للحصول على مرادهم والسيطرة على الدولة من خلال التخفي والتسلل، وجميع هذه الأمور تؤكد أن ما حدث ليس فيلما هوليوديًا وإنما بتدبير وتخطيط منه شخصيًا.
* ماذا يعني لكم تجاهل واشنطن القبض على فتح غولن أو تسليمه إلى أنقرة؟
- نؤمن أن أميركا ستسلم غولن، وهناك إجراءات قانونية تأخذ وقتًا، وأميركا حليف استراتيجي وحليف في حلف الناتو.
* غولن أبدى استعداده للتحقيق والمحاكمة بشرط أن يتم ذلك في إطار دولي يضمن له العدالة وليس الحكم المسبق، فبماذا تعلقون؟
- فتح الله غولن بياناته متعارضة، إذ قال سابقًا: «إن قام أحد من أتباعي بالانضمام إلى هذا الانقلاب لن أرضى عنه»، وفي هذا الشأن ليس هناك لجنة دولية في القضاء الدولي للقيام بمثل هذه المحاكمات.
ملف غولن جارٍ بين تركيا وأميركا، ويقتضي تسليمه وإعادته إلى تركيا لمحاكمته وفق القانون، وبالطبع لديه الحق في الدفاع عن نفسه، ولدينا جميع الأدلة التي تثبت تورطه في الانقلاب، إلى جانب الاعترافات التي أدلى بها من تم القبض عليهم عن تورط غولن وكيفية التحضير للانقلاب.
* انتشرت أنباء مختلفة عن عدد المعتقلين والموقوفين على خلفية الانقلاب الفاشل، فما العدد الحقيقي؟ وكيف تم الوصول إلى هذه الآلاف المؤلفة من الانقلابيين في أيام معدودة؟
- العدد الحقيقي 18 ألف شخص، وسبب الوصول إليهم في أيام معدودة هي أننا قبل الانقلاب كنا واعين لحدوث هذا الأمر، وحددنا بعض المخططين له واشتبهنا بوجود أتباع لفتح الله ضمن الجيش، لذلك كان لدينا توقع بأنهم سيقومون بمحاولات معينة.
وأشير هنا إلى أن الرقم الحقيقي لأتباعه أكبر بكثير مما كنا نتوقع، والاشتباه في البعض دلنا على آخرين، وأثناء الانقلاب كان واضحًا لنا من تصرفات البعض أنهم يتبعون غولن، كما أن البيانات والاعترافات بينت وجود أعداد أكبر.
* بعد نحو 100 عام من قيام الدولة التركية الحديثة التي أرسى دعائمها أتاتورك.. هل نحن على مشارف دولة تركية جديدة مختلفة بهيكلة جديدة يجري العمل على إرساء دعائمها وفق مقاييس جديدة مختلفة عن مواصفات الدولة الحالية؟
- الدولة التي أرسى دعائمها أتاتورك دولة قوية ومبنية على مبدأ الديمقراطية وتعدد الأحزاب وسلطة القانون والحريات، إضافة إلى حقوق الإنسان، وبعد الانقلاب الفاشل ونحو تحقيق المبادئ الجمهورية قمنا ببعض الإجراءات الأساسية والمهمة للحفاظ على الديمقراطية، ومنها إعادة هيكلة الجيش للقضاء على فكرة الانقلابات، والآن جميع القوات خاضعة لوزارة الدفاع المدني، وتتلقى الأوامر من الرئيس أو رئيس الوزراء وهو ما لم يكن سابقًا. وما قمنا به من إجراءات جاء لتعزيز مبادئ أتاتورك، وبالتالي تعزيز الديمقراطية.
* كيف ستؤثر الإجراءات التي تم اللجوء إليها بعد الانقلاب الفاشل على ملف مفاوضات الدخول للاتحاد الأوروبي؟
- السيطرة على القوات المسلحة من أهم المبادئ في الاتحاد الأوروبي، ومن هذه الناحية تركيا بدت أقرب للاتحاد الأوروبي، وهو يعد أهم شرط يشترطه الاتحاد الأوروبي، وهو ما حققته تركيا.
* اقتصاديا.. كم ستكون قيمة الفاتورة النهائية للإجراءات التي تم اللجوء إليها بعد الانقلاب الفاشل؟ وهل سيكون القطاع السياحي أكبر المتضررين بعد العملة التركية التي تأثرت سلبًا في الأسابيع الماضية؟
- لن تكون التكلفة كبيرة، ففي مثل هذه الحالات الدولار والذهب يصعد لأعلى قيمة أمام العملة المحلية، وتنخفض قيمة الأسواق، وهو ما يدعو الناس لشراء وتخزين الطعام، وتحاول الاستثمارات المحلية والأجنبية الهرب من البلد، ولكن ما حدث في تركيا هو أن السوق المحلية لم تتأثر بهذا التغيير، فالدولار صعدت قيمته أول يومين بعد الانقلاب الفاشل واستقرت قيمته بعد ذلك، ولم يذهب أحد للأسواق للشراء والتخزين، ولم نشهد خروج الاستثمارات من تركيا، فالمشروعات الكبيرة لا تزال مستمرة، والوضع في تركيا استثنائي.
* تتقارب أنقرة يوما بعد آخر مع تل أبيب، فيما يجري تصدير صورة إسلامية للقيادة التركية، فماذا ستجنون من هذا التقارب؟ وماذا سينعكس عليكم من تلك الصورة؟
- بعد الهجوم على سفينة مرمرة، خفضنا سقف العلاقات مع إسرائيل وأوقفنا استثماراتنا، ولجعل العلاقات طبيعية مع إسرائيل وضعنا ثلاثة شروط، هي أن تعتذر إسرائيل لمواطنينا، وتدفع تعويضا للعائلات، وترفع الحصار عن غزة، وبعد سنوات نفذت إسرائيل الشروط الثلاثة، كما اتخذت إجراءات للتخفيف من الأوضاع الصعبة في غزة، وبعد توقيع الاتفاق سمحوا لسفينة كبيرة بالوصول لتقديم المساعدات لغزة.
وعلى سبيل المثال نبني منطقة صناعية في جنين، و500 شقة للفلسطينيين في غزة، كما بنينا مستشفى سابقًا، وأوصلنا المساعدات الغذائية والطبية في رمضان وقبل ذلك أيضًا وسنستمر، ولتركيا دور مهم في الجهود الدولية التي تصنع لإيجاد حل للقضية الفلسطينية تحت حل الدولتين، وبالتالي علاقتنا تساعد في دعم الفلسطينيين.
* ما الرسالة التركية التي ترغبون في إيصالها للعرب؟
- هناك حقيقة مفرحة، وهي أنه خلال الأعوام الـ12 الأخيرة غدت تركيا أقرب لإخوتها، ومقارنة بـ14 عاما سابقة تضاعفت أعداد العرب المسلمين الذين يزورون تركيا مرات عدة، كما أن هناك اهتمامًا إيجابيًا كبيرًا بالثقافة التركية في العالم العربي، ولدينا تعاون اقتصادي وتجاري ونقدم الدعم بشكل أكبر الآن.



بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.