قلما تكتب أقلام عربية عن الماركيز دو ساد، نظرا إلى فضائحيته، وأدبه الماجن، وعربدته التي لا تعرف حدودا، وشخصياته الروائية الأنانية والقاسية، والباحثة عن تعذيب الآخرين، بل لإعلانه الصريح أيضا، ومن دون أدنى إشارة إلى إمكان التراجع عن إلحاده، سيره سيرا معاكسا للأديان، وتنصيبه إلها واحدا للعبادة، يتمثل في الطبيعة بقوانينها الصماء المتعالية عما يسمى الخير والشر.
وللحقيقة، ما كنت بدوري، لأفكر في كتابة مقال عنه أبدا، لولا أنني وجدته ضمن قائمة المفكرين الغربيين، الذين وضعهم المفكر الكبير طه عبد الرحمن للمناقشة والنقد اللاذع، في كتابه الأخير الغني والمليء بإمكانيات التأويل الهائلة، وهو «شرود ما بعد الدهرانية»، فهذا صدقا ما دفعني إلى أن أشارك القارئ بعضا من أدب هذا الروائي الاستثنائي الغارق في إباحية متطرفة.
الكتابة عن الماركيز دو ساد محرجة؛ لأن المجون والعربدة تغلبان على مواقفه كما قلنا. على الرغم من ذلك، سنحاول تلمس بعض الخطوط العريضة لفلسفته، ومن ثم نتطرق إلى النقد الذي يوجهه له طه عبد الرحمن حين ينعته بالمارد.
بداية نقول، إن ترجمة الأعمال الإباحية للماركيز دو ساد إلى اللغة العربية قليلة، ما عدا بعض النصوص اليتيمة التي تملصت من قبضة الرقابة الجمعية، التي جمعتها أخيرا، الدورية العربية التي سمت نفسها «انتهاكات» في عددها رقم صفر خريف 2014. أهم تلك الأعمال، هي «رواية جوستين»، و«محاورة كاهن ومحتضر»، و«رسالة إلى زوجته من السجن»، و«الوصية». أما النصوص الكبرى، فهي على حد علمي، لم تترجم بعد إلى العربية، وأقصد بذلك: «120 يوما بسادوم»، و«الفلسفة في المخدع»، لنلق إذن نظرة على بعض ملامح فلسفة الماركيز دو ساد.
الماركيز دو ساد والمرأة
تعد «جوستين» بطلة رواية دو ساد التي تحمل الاسم نفسه، شاهدة على قسوة الرجل وإهانته للمرأة، فهذه الفتاة التي لم تكن تطلب سوى مكانا يأويها، سيجري اختطافها عنوة، لتخدم زوجة رجل عظيم هو الماركيز «دي جرنان»، النبيل الثري الذي يعيش وحده في الريف لسنوات، مقابل مال يمكنها من العيش مستقلة بقية حياتها. وتتمثل هذه الخدمة، في رعاية الزوجة الجميلة ذات العشرين ربيعا والسهر عليها، بينما زوجها يقوم بسلوكيات سادية وشاذة تجاهها. لكن قبل أن تتسلم جوستين مهامها الغريبة، سيجرب الماركيز «دي جرنان»، عليها، بعضا من تحرشاته، ليجعلها تتذوق ما يصيب زوجته، ومن ثم تحسن خدمتها. وقد ربطها وبدأ ينغزها في ذراعيها حتى نزفت، وأصبحت موهنة، بينما امتلأ هو لذة، وهذا التصرف القاسي الذي ألحقه بجوستين، يقوم به مع زوجته بشكل مضاعف، كل أربعة أيام، في ظل طقوس إباحية غريبة، وتحضيرات ماجنة وصاخبة، إلى درجة أنه بعد فصده لدم زوجته، يتركه يتدفق حتى تنهك، بينما يصرخ هو ملتذا بتعذيبها، ويحوم حولها مرحا كالمجنون.
تجسد شخصية الماركيز «دي جرنان» عند الماركيز دو ساد، النموذج المطلوب في التعامل مع النساء. سألت جوستين المذهولة لهذا التصرف المؤذي للآخر، الماركيز «دي جرنان»، عن السر وراءه؟ فأمطرها بوابل من التبريرات والحجج. قال لها مثلا: إن الزوجة هي كفرخ دجاج، كلاهما حيوان أليف عليه أن يستخدم كما صممته الطبيعة، وما سعادة الرجل سوى خضوع المرأة الأعمى لجبروته واضطهاده المطلق.
فالماركيز دو ساد، وعلى لسان شخصيته الماركيز دي جرنان، يرى أن الرجل أقوى من المرأة، وجدير به أن يتعامل معها كالحيوان، تستخدم وقت الحاجة ثم تعاد إلى الحظيرة فورا. لقد منحته الطبيعة هذه الحقوق، فلمَ يحرم نفسه منها؟
في هذه الرواية، نجد حججا يستمدها دو ساد من القدماء، وخصوصا من الثقافة اليونانية، ليدعم رأيه ويخلص، في النهاية، إلى موقفه من النساء، على أنهن عبر التاريخ، مستذلات ومضطهدات ومتحرش بهن، وهن أضحيات إلى قوى الكهنوت العلوية، أو من عنف أزواجهن. لهذا ينبغي وضع النساء في مكانهن الحقيقي، واستعمالهن كما تريد الطبيعة، التي تتحرك بمنطق القوة ولا تعبأ بالأخلاق، فالمرأة مخلوق لملذات الرجل ونزواته فقط.
الماركيز دو ساد والإلحاد
تفوح نصوص دو ساد إلحادا، لكن الأمر سيكون واضحا جدا ومؤسسا له فلسفيا، في مسرحيته الساخرة «محاورة بين كاهن ومحتضر». فحين تقرأ العنوان، ستقول لربما نحن في لحظة توبة عن المعاصي التي ارتكبها المحتضر، وإنها فرصته الأخيرة للتكفير، لكن سيصدمنا الماركيز دو ساد ويسير بمسرحيته عكس المتوقع. فكيف ذلك؟
بينما يحاول الكاهن أن يحث المحتضر، الذي ما هو إلا الماركيز دو ساد، على التوبة وإعلان الندامة على ما اقترفت يداه من الآثام والرذائل، يرد المحتضر بسخرية: «نعم يا صديقي، أنا نادم جدا، ولكن ليس على طريقتك. أنا نادم لأنني لم أستغل قدراتي التي منحتني الطبيعة إياها على أكمل وجه. فأنا لم أجن ثمار الملذات إلى أبعد مدى. وأنا بحق نادم جدا على كل مقاومة لإمكاناتي. فالطبيعة خلقتني بأذواق عارمة وأهواء جامحة. كما أنها غرست في رغبات ما كان عليَّ أن أترك بعضها أو أؤجلها، لقد ضيعت فرصا كثيرة للأسف!».
يتجه الماركيز دو ساد في الحوار الذي يدور بين الكاهن والمحتضر إلى إنكار الإله، جاعلا الطبيعة هي المطلق بامتياز، وهو هنا قد ذهب مذهب مجموعة من الأنواريين، وكيف لا وهو عاش في قلب القرن الثامن عشر. لقد تأثر بالنزعة الفيزيائية الميكانيكية، التي جعلت العالم أصم وعاطلا وقاصرا، ومجرد ساعة كبرى تشتغل فقط بمنطق السبب والنتيجة، فلا معجزة ولا خوارق، ولا رأفة ولا رحمة. شيء واحد يشتغل إنه: القوة.
إن اختيار مسرحية تحكي لحظات حساسة من حياة الإنسان، مجسدة في الاحتضار، أمر قصده الماركيز دو ساد، فالمفروض أن يتملك الإنسان في هذه اللحظات الضعف والهوان، لكنه يثبت على لسان المحتضر، تمسكه برأيه الإلحادي واستغنائه عن الرب، مع إرادة قاطعة في تعويض الله بالطبيعة، والتهكم من المؤمنين، والهجوم الضاري على الدين الذي يعتبره مجرد تعصب وغباء، والانتقاد القاسي للأنبياء، إذ يصف المسيح بأبشع النعوت، ويجعل منه مجرد مثير فتن.
لقد أراد الماركيز دو ساد، أن يثبت على لسان المحتضر، أنه لا خلود بعد الموت، وأن كل ما هنالك، هو دورة أبدية ودهرية أزلية لا تنتهي، فلا شيء يضمحل في العالم، فاليوم إنسان وغدا دودة، وبعد غد ذبابة، فمن الطبيعة وإلى الطبيعة.
المسرحية مكثفة وتسير بوتيرة واحدة، هدفها الأساس، هو إبراز الإلحاد، ليس بطريقة فيها قدر من التردد والشك والحفاظ على خط الرجعة، بل بطريقة يقينية، أي كونها مذهب آيديولوجي وثوقي، فيما يمكن تسميته: الإيمان بالإلحاد. وطبعا لا يقصد الماركيز دو ساد من ذلك، سوى تبرير المجون والعربدة. فالإنسان هو في حقيقته، رهن قوة طبيعية غاشمة تتجاوزه ولا تقاوم. وليس على المرء إلا أن يؤدي دوره على أفضل وجه، وذلك بالإصغاء إلى أوامر الطبيعة وتلبية ندائها، باعتبارها الإله الحقيقي الواجب إتباعه، والعدو قدما في الطريق التي رسمت لنا. فليس المرء بمذنب بأكثر من الزنبور الذي يغرز إبرته في بشرتك.
إن ما قدمناه عن ساد، يعد إشارة بسيطة فقط، أما أعماله الكبرى، فتعد نموذجا للإباحية الشاملة والإلحاد الذي لا رجوع عنه. ولقد جرى قبر نصوصه والتعتيم عليها، ولم تعاود الظهور إلا في القرن العشرين مع المدرسة السريالية، والاحتفاء به ككاتب من طراز رفيع. والطريف في هذا الرجل، أنه قضى معظم حياته في السجن والمصحة العقلية، وإن كانت حريته المطلقة وانحلاله من كل القيود، بارزين في كل كتاباته. فهو فضل السجن على التخلي عن أفكاره، فهناك في السجن، برزت عبقريته الروائية.
كل هذا جعل المفكر طه عبد الرحمن، ينعت الماركيز دو ساد بالمارد، فقد أراد ضرب الحياء في الصميم، سواء النفسي أو الجسدي، متجاوزا بذلك المروق، باعتباره خروجا عن الدين، ومتجاوزا الشرود باعتباره خروجا عن الأخلاق، ليدخل في المرود. وهنا وبشكل طريف، يشتق طه عبد الرحمن، لفظا للتعبير عن أعمال دو ساد هو: «السوأنة»، بمعنى تلك الرغبة الملحة في إبراز السوءات، والقلب الجذري للمعتاد، والإيغال في الكشف على حساب الستر. فيغدو العاري كاسيا والكاسي عاريا، بطريقة مصاغة عقلانيا، حيث إن قانون ساد هو: «لتستمتع بأي وجه كان وعلى حساب أي شخص» هذا الأمر سيوجه له طه عبد الرحمن نقدا يحتاج إلى مقال خاص.


