حلب.. «مدينة مفتوحة» للأجانب بعد طرد «داعش»

السكان يهجرون مناطق النظام للحصول على العلاج.. وأكثر من 20 ألفا فقدوا منازلهم

جانب من وسط مدينة حلب حيث تبدو المدينة خالية ومدمرة بشكل كبير (تصوير: هانا سميث)
جانب من وسط مدينة حلب حيث تبدو المدينة خالية ومدمرة بشكل كبير (تصوير: هانا سميث)
TT

حلب.. «مدينة مفتوحة» للأجانب بعد طرد «داعش»

جانب من وسط مدينة حلب حيث تبدو المدينة خالية ومدمرة بشكل كبير (تصوير: هانا سميث)
جانب من وسط مدينة حلب حيث تبدو المدينة خالية ومدمرة بشكل كبير (تصوير: هانا سميث)

كان هناك الكثير من الأشياء التي شعرنا بأنها تسير على نحو خاطئ طوال الطريق إلى حلب. كانت السيارة التي تقلنا تسير بأقصى سرعة على ذلك الطريق، وكانت كثيرا ما تنحرف لتجنب الحفر التي انتشرت على الطريق، ثم تنحرف مرة أخرى لتفادي السيارة المقبلة في الاتجاه المعاكس، حيث تمر بجانب أشجار النخيل المحروقة وهياكل السيارات الأخرى التي تذكر السيارات التي تستخدم هذا الطريق بالمصير الذي ربما تلقاه إذا لم تسر بالسرعة المطلوبة، أو كان الأمر يتعلق فقط بسوء الحظ في هذا اليوم.
كانت السيارة تمر بجانب بعض القطط هزيلة الجسم التي تعبث في أنقاض المباني السكنية، التي دُمرت واجهاتها فبرزت أحشاؤها إلى شوارع المدينة، وليظهر ما بداخل الشقق من ورق حائط ذي ألوان زاهية وبقايا أواني الشاي والأثاث. كما مررنا بجانب الأكشاك، المقامة في الشوارع، والتي تحولت بسبب القصف إلى مجرد هياكل ملتوية، وأكوام القمامة التي تتصاعد منها الأدخنة بسبب شمس ما بعد الظهيرة. غير أنه وعندما رصدنا أخيرا مجموعات قليلة من الناس في الشوارع، كان مرآهم هو ما أحدث الاختلاف في ذلك المشهد. كانوا جميعا يميلون برؤوسهم لأعلى ويستعملون أكفهم لحماية عيونهم من وهج أشعة الشمس، ويشاهدون، وهم لا حول لهم ولا قوة، أسراب الطائرات المروحية وطائرات ميغ وهي تمخر عباب السماء.
لم يكن باستطاعة الصحافيين الأجانب أو نشطاء المعارضة دخول حلب منذ الخريف الماضي بسبب حملة الاختطاف والترهيب التي كان يمارسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المتشدد التابع لتنظيم القاعدة. غير أنه وخلال الأسابيع الأخيرة، استطاع تحالف جديد من المتمردين يسمى «الجبهة الإسلامية» طرد تنظيم داعش من المدينة والمناطق الريفية التي تمتد غربا حتى الحدود السورية - التركية. وعليه، كنا من بين أوائل الصحافيين الذين استطاعوا دخول حلب مرة أخرى.
لقد ذهب أولئك الذين كانوا ينشرون الرعب والإرهاب في المدينة، غير أنه لم تبق مدينة واحدة لا تختبر الرعب في أنحاء سوريا. ومنذ شهر ديسمبر (كانون الأول)، ما برحت قوات الأسد تمطر المدينة بوابل من البراميل المتفجرة والقنابل الحارقة المليئة بمادة «تي إن تي» والأدوات المتفجرة المتشظية. وتقوم المروحيات، التي تحلق بشكل دائم في سماء المدينة، بإلقاء تلك البراميل والقنابل بشكل يومي وعشوائي على المناطق المدنية التي يسيطر عليها المتمردون. وقد فر معظم السكان من مدينة حلب، وانتقل الذين بقوا هناك إلى المناطق القريبة من خطوط المواجهة الأمامية. وعليه، فقد أصبحت تلك الأحياء الآن، ويا للسخرية، هي المناطق الأكثر أمانا في المدينة، حيث إن عملية إلقاء القنابل والبراميل لا تتم بشكل دقيق، بحيث نادرا ما يجري استهداف خطوط المواجهة الأمامية خوفا من أن تسقط تلك البراميل على المدن التي تسيطر عليها قوات النظام.
في ذروة عمليات القصف التي كانت تتم في نقس الوقت الذي كان يحضر فيه ممثلون عن نظام الأسد مؤتمر جنيف 2، كانت المروحيات تلقي نحو 30 برميلا متفجرا يوميا على مدينة حلب. يقول خالد حجو «إذا سقط برميل متفجر في إحدى المناطق التي تضم مباني ذات طابق واحد أو طابقين، يدمر هذا البرميل الشارع عن بكرة أبيه. أما إذا سقط البرميل على مبنى سكني يتألف من ثمانية طوابق، فسيلحق الضرر بمبنيين آخرين». وخالد هو عضو في فريق الدفاع المدني، الذي يضم ثلاثين شخصا ويعتبر الجهة الوحيدة التي تستطيع الحضور إلى مسرح التفجيرات لتساعد الضحايا وتستخرج الجرحى من تحت الأنقاض.
يضع فريق خالد معداته القليلة على أريكة صغيرة. لا يمتلك الفريق معدات ثقيلة للحفر أو أجهزة اتصالات. وعندما تسقط البراميل المتفجرة، يتوجب على أعضاء الفريق أن يذهب مسرعا إلى مسرح الأحداث من خلال اتباع الأصوات وأعمدة الدخان المنبعثة من مكان الحادث، وبمجرد وصولهم إلى هناك يبدأون في الحفر باستخدام أيديهم حتى ينقذوا ما يمكن إنقاذه. وبسبب نقص المعدات اللازمة، يمكن أن يستغرق الأمر أسبوعا كاملا للبحث في أنقاض مبنى واحد. يقول خالد «هناك الكثيرون يفقدون ببساطة تحت الأنقاض، لأننا لا نستطيع الوصول إليهم».
ومنذ أن خلت المدينة من سكانها، قلت عمليات إلقاء البراميل المتفجرة، غير أن قوات النظام ما زالت تقصف حلب بما يقرب من 20 برميلا يوميا. وفي الوقت نفسه، ما زالت الغارات، التي تشنها الطائرات، وعمليات القصف، التي حاصرت سكان المدينة خلال الأشهر الثمانية عشرة الماضية، مستمرة بلا هوادة. أما الذين بقوا في المناطق، التي يسيطر عليها المتمردون في حلب، فهم أشد الناس فقرا، حيث لا يملكون المال للخروج من المدينة، كما أنه ليست هناك أي أماكن أخرى يمكنهم الفرار إليها. ويقدر المجلس المحلي لمدية حلب عدد الأسر، التي فقدت منازلها منذ بداية إلقاء البراميل المتفجرة، بـ20 ألف أسرة. وقد هرب البعض إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة نظام الأسد، غير أنه يُعتقد أن نحو 7 آلاف و500 أسرة ما زالوا يعيشون تحت نيران القصف في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. يقول أحد المتطوعين، الذي يقوم بتوزيع الملابس «هناك نحو 500 أسرة تأتي إلى هنا كل يوم للحصول على ملابس جديدة. هرب معظم السكان من منازلهم من دون أن يحملوا أي شيء معهم، باستثناء الملابس التي كانوا يرتدونها».
أم مصطفى، أم لثلاثة أولاد يعيشون في حي فكدوس، تشرح لماذا بقيت أسرتها في حلب. تقول أم مصطفى «ليست هناك أماكن أخرى نذهب إليها، فقد جرى إغلاق جميع المدارس قبل شهرين عندما بدأت قوات النظام في استهدافها. لا توجد كهرباء، ولا يمكننا تحمل نفقات الوقود لتشغيل مولدات الطاقة». عند معبر حي بستان القصر، الذي كان في يوم من الأيام سوقا مزدحمة والمكان الوحيد الذي يمكن أن تعبر الأسر من خلاله بين مناطق المتمردين والنظام في المدينة، يبدو الشارع مهجورا وخاليا تماما. توقف المتمردون، الذين يسيطرون على المنطقة، عن السماح للناس بعبور المعبر منذ شهر مضى. يقول أبو يعقوب (18 عاما)، أحد المتمردين الذين يعملون في النقطة الطبية قرب المعبر «منعنا الناس من العبور بسبب القناصة، حيث يسمح النظام للناس بالعبور من هنا، غير أن قواته تبدأ في استهدافهم بعدما يمرون مباشرة. وقبل زيارتنا للمدينة بساعات قليلة تجاهلت إحدى الأمهات المتمردين وحاولت عبور بستان القصر مع أطفالها الثلاثة، لكنها أصيبت بطلق ناري في قدمها ويدها».
ولا يزال الطعام يصل إلى المناطق، التي تقع تحت سيطرة المتمردين، من المناطق الريفية الواقعة غرب حلب، لكن المدينة تعاني نقصا في الأدوية. يضيف أبو يعقوب «لا توجد أي أدوية هنا، سواء في المستشفيات الميدانية أو الصيدليات. ويحاول الكثير من المرضى، الذين يحتاجون أدوية أو علاجات خاصة، العبور إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام، لكن سرعان ما يستهدفهم القناصة ويفتحون نيرانهم عليهم، وعليه يتوجب عليهم العودة مرة أخرى». أما السبيل الوحيد للعبور بين شطري المدينة المقسمة فهو عن طريق ركوب حافة تسير في طريق قريبة من هنا، لكن الأمر يتطلب ألفي ليرة في كل اتجاه، مما يجعل الأمر مكلفا للغاية بالنسبة لمعظم الناس هنا.
وعلى الرغم من أن خطوط المواجهة الأمامية في الأحياء كثيفة السكان تغيرت مواقعها قليلا، فقد استعادت قوات الأسد سيطرتها على حي نوركرين وتوغلت في حي الشيخ نجار، وهو حي صناعي كبير يقع الضواحي الشمالية للمدينة. وقد أدى ذلك إلى تطويق قوات الأسد لمناطق المتمردين، الذين لم يتبق لهم سوى طريقين تحت سيطرتهما يؤديان إلى المدينة، أحدهما يقع في الغرب باتجاه معبر باب الهوى الحدودي والآخر إلى الشمال باتجاه معبر باب السلامة.
وتقوم قوات النظام بقصف الطريقين يوميا، مما يجعل الطريقين من وإلى المدينة سبيلا سهلا للموت. وقد أخبرنا الأطباء العاملون في أحد المستشفيات الميدانية بأنهم ليس لديهم خيار سوى نقل المرضى ذوي الإصابات الأشد خطورة إلى تركيا، لكن سيارات الإسعاف تتعرض أيضا للقصف في طريقها إلى الحدود. يقول أحد الأطباء «ليس من السهل إيصال الجرحى إلى الحدود، فالشوارع ليست آمنة بما فيه الكفاية. كما أن الطريق المؤدي إلى حلب غالبا ما يجري استهدافه من قبل مقاتلات النظام».
يقول أطباء المدينة إنهم ليست لديهم إحصائيات دقيقة عن عدد الأشخاص الذين لقوا مصرعهم أو أصيبوا بجروح جراء قصف حلب بالبراميل المتفجرة على مدى الأشهر الأربعة الماضية. يقول أحد الأطباء «ليست لدينا أي عمليات توثيق للإصابات، وكثير من الناس لقوا حتفهم في الشوارع بسبب عدم نقلهم إلى المستشفيات». غير أن تقريرا حديثا صدر عن منظمة «هيومان رايتس ووتش» قدر عدد المدنيين الذين قُتلوا حتى الآن بسبب البراميل المتفجرة بنحو 2.321 مدنيا، غير أنه ومع الوضع في الاعتبار الأشخاص الذين ما زالوا في عداد المفقودين، فمن المرجح أن يكون عدد المصابين أعلى بكثير من هذا الرقم.
وقد وجد الذين استطاعوا الهروب من المدينة أن غالبية مخيمات اللاجئين، التي تقع على الحدود مع تركيا، ممتلئة عن آخرها. ففي بلدة مارع، وهي قرية قريبة من تل رفعت على الطريق الذي يمتد بين حلب ومعبر باب السلامة، هناك أكثر من ألف شخص يعيشون في مخيم جرت إقامته على وجه السرعة بتمويل من مجلس الإغاثة المحلي والمتبرعين من القطاع الخاص. تقول نسرين، وهي أم شابة لأربعة أطفال «لن أعود إلى حلب، لقد فقد اثنان من أبنائي بالفعل ولا أريد أن أفقد الباقين». وتضيف نسرين أنها تكافح من أجل الحفاظ على النظافة الشخصية لأطفالها، وأن زوجها يجد من الصعوبة الحصول على عمل، لكنها لا تستطيع أن تتنبأ بما إذا كانوا سينتقلون إلى أي مكان آخر في المستقبل القريب أم لا، مضيفة «يضم المخيم أربعة حمامات فقط، كما لا توجد كهرباء. وقد أخبرنا المتطوعون المحليون، الذين يعملون في المخيم، بأنهم يخشون من انتشار الأمراض مع اقتراب فصل الصيف».
وأعرب العديد من الأشخاص، الذين تحدثنا إليهم في حلب، عن غضبهم، ليس فقط تجاه النظام، لكن أيضا تجاه وحدة تنسيق الدعم (الجهة الإغاثية التابعة للائتلاف الوطني السوري) وكذلك منظمات الإغاثة الدولية، بسبب فشلها في إرسال المساعدات للمتضررين من عمليات القصف. وفي الوقت الذي تقوم فيه المنظمات غير الحكومية بضخ الأموال والقوى العاملة في مخيمات اللاجئين، المقامة على طول الحدود، قليلون هم الذين على استعداد للدخول إلى المدينة لتقديم المساعدة لسكانها، الذين ما زالوا محاصرين هناك. وقد تُركت المهمة الشاقة في التعامل مع الأزمة الإنسانية الضخمة والمستمرة في حلب للمتبرعين من القطاع الخاص والمتطوعين المحليين. يقول عبد العزيز، رئيس المجلس المحلي في حلب «لا أحد يدعم الذين يعملون في سوريا، فالدعم يتوافر فقط لمن يعملون في مخيمات اللاجئين في تركيا. إننا بحاجة إلى أدوية ومعدات لفريق الدفاع المدني من أجل تنظيف الشوارع، لا سيما مع اقتراب فصل الصيف».



تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
TT

تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)

كثّفت «اللجنة المصرية في قطاع غزة» من تحركاتها مع تردي الأوضاع الإنسانية، وتوالي الشكاوى من شح الغذاء والسلع الرئيسية في ظل تضييق إسرائيلي مستمر على دخول المساعدات وتراجع التمويل الإغاثي الدولي.

وأكدت «اللجنة المصرية»، في بيان لها، السبت، أن «القيادة المصرية وجهت بضخ كميات كبيرة من الدقيق إلى قطاع غزة لتعزيز الإمدادات ودعم المخابز والعمل على حل أزمة الدقيق والخبز التي يعاني منها أبناء شعبنا الفلسطيني، وذلك ابتداءً من الأحد، وبشكل يومي في إطار الجهود المصرية المتواصلة لدعم أهلنا في القطاع وتخفيف معاناتهم».

وكانت اللجنة قد أكدت، مساء الجمعة، أنها بدأت بتسيير شاحنات محمّلة بكميات من الطحين إلى قطاع غزة بهدف دعم المخابز وتعزيز قدرتها على مواصلة العمل والمساهمة في توفير الخبز للمواطنين بأسعار مناسبة.

وأشار المتحدث باسم اللجنة، محمد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المخابز عادت للعمل في القطاع، السبت، بعد ثلاثة أيام من توقف عدد كبير منها، وهو ما كان مثار قلق الكثير من العائلات الفلسطينية التي باتت تتساءل عما إذا كانت الأزمة مقدمة لعودة المجاعة مرة أخرى، مشيراً إلى أن «اللجنة المصرية» بالتعاون مع المنظمات الإنسانية العاملة في القطاع ساهمت في عودة عمل 20 مخبزاً، واختفت الطوابير التي كانت معتادة أمامها مع توفير كميات إضافية من الدقيق.

وأضاف «أن مصر استجابت سريعاً لنداءات الفلسطينيين خلال الأيام الماضية، وقامت بإدخال قوافل تحمل على متنها عشرات الآلاف من أطنان الدقيق التي تدفقت خلال الساعات الماضية»، مشيراً إلى أن القاهرة «مستمرة في تقديم الدعم اللازم بما يضمن تحسين الأوضاع الإنسانية».

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، في تقرير لها، مساء الجمعة، إلى أن «اللجنة المصرية» بالشراكة مع مؤسسة «المطبخ المركزي العالمي»، توزع عشرات الآلاف من أرغفة الخبز يومياً على الأسر الفلسطينية في شمال القطاع ووسطه وجنوبه، بما يسهم في تخفيف جانب من الأعباء اليومية عن السكان.

حملة توعوية نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» هذا الشهر للتوعية من مرض سرطان الثدي (صفحة اللجنة المصرية على «فيسبوك»)

ويعاني قطاع غزة من أزمة جراء النقص الحاد في مادة الطحين وارتفاع أسعار الخبز. وحذرت وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع «من تداعيات إنسانية كارثية، في أعقاب التوقف القسري لعدد كبير من المخابز، بسبب نقص الدقيق والمواد التشغيلية اللازمة لاستمرار عملها».

وأكدت الوزارة «أن منع دخول شحنات الطحين والإمدادات الغذائية يهدد بتقويض قدرة الأسر النازحة والأشد فقراً على الحصول على الخبز، الذي يشكل أحد أهم مصادر الغذاء اليومية لكثير من العائلات».

وأشارت «اللجنة المصرية» إلى أنها «تواصل جهودها الحثيثة للتخفيف من معاناة المواطنين والوقوف إلى جانب العائلات الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة، بما يحد من تداعيات الأزمة ويمنع استغلال حاجة المواطنين ورفع الأسعار بصورة غير مبررة».

وأوضح محمد منصور في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة «تعمل على قدم وساق للاستعداد لفصل الشتاء وتعمل بشكل يومي على تركيب 3 آلاف خيمة مجهزة لاستقبال العائلات الأكثر احتياجاً، بخاصة من هم بالقرب من الخط الأصفر»، والذين تعرضت خيامهم للتلف ويقيمون في خيام مهترئة ومراكز إيواء غير مؤهلة، وأكد أن الحملة تنظم «حملة شتاء دافئ عبر تقديم الخيام وتجهيزها وتقديم المساعدات الصحية والغذائية».

وتتفاقم أزمة الغذاء في قطاع غزة مع تقليص المساعدات بسبب تراجع التمويل الدولي، وسط استمرار القيود الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ففي 19 أكتوبر الحالي، أعلن «برنامج الأغذية العالمي» تقليص مساعداته الغذائية، ما أدى إلى انخفاض عدد المستفيدين بنحو نصف مليون شخص.

وعلى المستوى السياسي، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، «على أهمية مواصلة الجهود المبذولة للتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي ترمب الشاملة للسلام في قطاع غزة».

كما حذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الأمر الواقع، مشيراً إلى تداعياته السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما طالب وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماعهم الجمعة في إسطنبول، بضرورة استمرار تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة دون انقطاع، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني يعاني من كارثة إنسانية مستمرة تتطلب تدخلاً دولياً فورياً.


جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

تصطدم هجمات الجماعة الحوثية على جبهات مدينة تعز اليمنية بمقاومة شرسة رغم القصف والحصار والتعزيزات المتواصلة، في وقت تكثف فيه القوات الحكومية هجماتها المضادة وتوسع الطائرات الحربية ضرباتها على مواقع الجماعة في ريف المحافظة وأطراف المدينة المحاصرة، بالتزامن مع إحباط هجمات حوثية في جبهة كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، والتصدي لمحاولة تمدد الجماعة في مديرية المقاطرة باتجاه لحج جنوباً.

وتحاول الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، التي سيطرت على أجزاء واسعة من ريف تعز، توسيع مكاسبها الميدانية والضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواجه مقاومة من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، مع امتداد الاشتباكات إلى جبهات الأقروض والشقب وكحلان، وتصاعد المواجهات في مناطق المقاطرة بمحافظة لحج، حيث تسعى الجماعة إلى التقدم نحو مناطق جديدة جنوباً.

وفي أحدث التطورات، استهدفت القوات الحكومية مركز قيادة وسيطرة ودبابتين داخل فندق سوفتيل المهجور في تعز، وفق ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الذي قال إن الحوثيين اتخذوا المبنى منطلقاً لاستهداف المدنيين في المدينة، وإن الضربة استهدفت تعطيل هذا النشاط وحماية السكان.

مقاتل في الجيش اليمني يصوّب سلاحه الرشاش خلال معارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وعلى الجبهة الجنوبية لمدينة تعز، أفادت القوات الحكومية بتحقيق تقدم في جبهة الأقروض، وتنفيذ هجمات مضادة على مواقع الحوثيين، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة في الشقب وكحلان بمديريتي صبر والمسراخ، وسط أنباء عن دفع الجماعة بتعزيزات بشرية نحو خطوط التماس.

وفي الجبهة الغربية، أفادت مصادر يمنية محلية بمقتل القيادي الحوثي محمد قيران، المعروف بكنية «أبو هاشم»، مع سبعة من مرافقيه، خلال مواجهات الجمعة. كما أُعلن مقتل القيادي محمد إسماعيل الدرب، الذي قالت مصادر عسكرية إنه كان يشرف على العمليات الرامية إلى اجتياح تعز، مع عدد من مرافقيه في جبهة الأقروض.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق عدة في ريف المحافظة، بينها مديرية الشمايتين، حيث استهدفت مقاتلات مواقع للحوثيين في برج المنة ووادي الفجر وبرح الحداد وجبل جربب. وأفادت مصادر ميدانية بمقتل عشرة مسلحين على الأقل وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية.

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي جبهة كهبوب، تمكنت قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن من صد هجمات حوثية، وفق بيانات عسكرية. وقالت قوات درع الوطن إن اللواء السابع في الفرقة الأولى تصدى لهجوم استمر نحو 30 ساعة، وحافظ على مواقعه وأفشل محاولة التقدم، فيما تحدثت قوات العمالقة عن اشتباكات عنيفة انتهت بتراجع المهاجمين وتكبيدهم خسائر بشرية ومادية.

وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب، حيث يتقاطع القتال البري مع المخاوف المتعلقة بأمن الممرات البحرية. وفي المقاطرة بمحافظة لحج، تحدثت إفادات ميدانية عن كمين مسلح في منطقة هيجة العبد، أوقع عشرات الحوثيين بين قتيل وجريح، وأوقف محاولة للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة.

صواريخ منفلتة

بالتوازي مع القتال البري، تضع القوات الحكومية اليمنية القدرات الصاروخية الحوثية في صلب روايتها للتطورات الأخيرة. وقال النزيلي إن الجيش رصد خلال الأيام الماضية حالات فشل في إطلاق صواريخ باليستية، أو انحرافها وسقوطها في مناطق مأهولة، محذراً من مخاطرها على المدنيين، فضلاً عن تهديد الملاحة والتجارة الدوليتين.

واستشهد الناطق العسكري بصاروخ قال إن الحوثيين أطلقوه من منطقة عيال صياد في مديرية نهم، الجمعة، قبل أن يسقط على منزل المواطن محمد أحمد القشعة أثناء اجتماع أفراد أسرته، ما أدى، حسب روايته، إلى مقتل جميع الموجودين داخله وتضرر منزل مجاور. وأضاف أن حوادث مماثلة وقعت في صنعاء وتعز وإب وصعدة.

مقاتل في القوات الحكومية اليمنية يشير بيده خلال معارك ضد الحوثيين غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

وعزا النزيلي تراجع أداء المنظومات الصاروخية، وفق تقدير الجيش، إلى ضربات استهدفت خلال الأسابيع الماضية مخازن الصواريخ ومنصات إطلاقها، بالتزامن مع عمليات جوية للتحالف استهدفت أهدافاً عسكرية في صعدة، قال إنها أسفرت عن تحييد خبراء وقيادات متخصصة في تشغيل الصواريخ وإطلاقها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة أو من تقديرات الجيش بشأن حجم التراجع في القدرات الصاروخية.

مئات الضربات

في مؤشر آخر على اتساع العمليات، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ 1392 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية التي شملها بيانها، ترافقت مع غارات جوية وهجمات أرضية وضربات نيرانية على امتداد الجبهات. وقالت إن العمليات طالت تجمعات وتعزيزات ومصادر نيران وتحصينات وآليات عسكرية، وإنها أدت، وفق الحصر الميداني الأولي، إلى تحييد نحو 620 عنصراً وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ومدرعة ووسيلة نقل، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

مقاتلون من قوات الحكومة اليمنية على ظهر شاحنة خلال المعارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وتشمل الحصيلة، حسب البيان، العمليات التي نفذتها القوات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين وتعطيل خطوط إمدادهم. كما أعلن الجيش دخول منظومات نوعية جديدة إلى الخدمة لدى قواته الجوية، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعتها.

وفي جبهتي مأرب والجوف، أفادت مصادر ميدانية بمقتل محمد يحيى الديلمي، الذي وصفته بأنه قائد ما تسمى «مجاميع كتائب الحسين»، مع عشرة من عناصر مجموعته، خلال المعارك على الجبهة الرابطة بين المحافظتين. كما تحدثت المصادر عن مقتل محمد الحوثي، المعروف باسم «زين العابدين»، والمسؤول عن التدريب فيما تسمى «ألوية الأنصار»، خلال معارك الجوف في وقت سابق.


حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
TT

حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)

تواجه محافظة تعز اليمنية تصعيداً عسكرياً حوثياً متواصلاً يفاقم معاناة سكانها، مع استمرار القصف على الأحياء والقرى السكنية، وتشديد القيود على حركة المدنيين ووصول الإمدادات الأساسية، وسط تقارير حقوقية توثق مقتل مئات المدنيين وإصابة آخرين، واختطاف مئات الأشخاص، وتضرر مئات المنازل والمركبات.

ووثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 1891 جريمة وانتهاكاً قالت إن جماعة الحوثيين ارتكبتها بحق المدنيين والأعيان المدنية في المحافظة، خلال الفترة من الأول من سبتمبر (أيلول) حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في تقرير حمل عنوان «تعز... الاجتياح الدامي والقتل الممنهج».

جاءت هذه الحصيلة بالتزامن مع رصد الشبكة 21 جريمة وانتهاكاً إضافياً خلال 24 ساعة، إلى جانب إطلاق نحو 213 مقذوفاً على مناطق سكنية.

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي على تعز (أ.ب)

وحسب التقرير الممتد على 52 يوماً، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 212 مدنياً، بينهم 38 طفلاً، من ضمنهم سبعة رُضّع، و27 امرأة، وإصابة 319 مدنياً، بينهم 29 طفلاً و46 امرأة. كما وثَّق 23 حالة تصفية ميدانية، وخمس مجازر جماعية، و314 حالة اختطاف وإخفاء قسري، بينها 14 طفلاً احتُجزوا رهائن للضغط على ذويهم، إضافةً إلى مداهمة 516 منزلاً بحثاً عن أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بالقوات الحكومية.

أضرار واسعة

تشير الأرقام التي أوردتها الشبكة الحقوقية إلى اتساع نطاق الأضرار التي طالت الممتلكات المدنية؛ إذ تضرر 356 منزلاً جراء القصف، بينها 98 منزلاً دُمرت كلياً، وفُجرت ثلاثة منازل أخرى، فيما لحقت أضرار بـ131 مركبة مدنية، ونُهبت 36 مركبة ووسيلة نقل خاصة بالمواطنين.

وفي أحدث الوقائع التي وثقتها الشبكة، قُتل طفلان وأصيب ثلاثة مدنيين، بينهم امرأتان، كما اختُطف أربعة أشخاص ونُقلوا إلى جهات مجهولة، وتعرضت ثلاثة منازل للمداهمة والنهب، وتضررت سبعة منازل، بينها منزلان دُمرا كلياً. ومن بين القتلى الطفل عمار ياسر الشريحي، الذي قالت الشبكة إن الحوثيين اختطفوه من منزله في قرية الأكمة بمنطقة صبر، قبل العثور عليه مقتولاً.

سكان في مدينة تعز يرددون بعد صلاة الجمعة هتافات ضد الحوثيين (رويترز)

وامتد القصف والقنص، وفق التقرير، إلى قرى كحلان والشقب، وحي المطار القديم، ومناطق الضباب وميهال ونجد قسيم. وفي قرية كحلان بمديرية صبر الموادم، أصابت قذائف هاون منزلين، وألحقت أضراراً بمحتوياتهما، ونفقت ماشية، دون تسجيل إصابات بين أفراد إحدى الأسر المستهدفة.

استهداف شامل

لا تقتصر التداعيات على الخسائر البشرية والدمار؛ إذ قالت الشبكة إن الحوثيين أطلقوا نحو 9876 مقذوفاً خلال الفترة التي يغطيها تقريرها، وشددوا الحصار على المحافظة منذ الثالث من سبتمبر، واستحدثوا 26 نقطة وحاجز تفتيش خارج إطار القانون. كما أشارت إلى تفجير عبّارة في طريق هيجة العبد وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين تعز ومحافظة لحج وصولاً إلى عدن.

واتهم التقرير الجماعة بعرقلة دخول الغذاء والدواء والوقود وأسطوانات الأكسجين ومياه الشرب، وعرقلة قوافل الإغاثة والإمدادات التجارية، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال. وحذرت الشبكة من أن منع الوقود اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات ومراكز علاج السرطان وغسيل الكلى يهدد حياة المرضى، في وقت قالت فيه إن التصعيد تسبب في نزوح نحو 280 ألف شخص من المحافظة.

عربة إسعاف في تعز تعرضت لهجوم حوثي (أ.ف.ب)

ووثقت الشبكة أيضاً تحويل خمس مدارس؛ أربع حكومية وأخرى أهلية، إلى غرف عمليات ومخازن أسلحة وسجون، إلى جانب استهداف ثلاث سيارات إسعاف وثلاثة مرافق صحية ومستشفيات، ومقتل خمسة من أفراد الطواقم الطبية، وفق التقرير.

وفي جانب آخر، قالت الشبكة إن الحوثيين استقطبوا شباناً من فئة المهمشين في منطقة السامقة بمديرية المعافر، لإلحاقهم بدورات ثقافية وتدريبية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال جنوبي المحافظة، محذرةً من تجنيد الأطفال واستغلال الفئات الأكثر هشاشة.

وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بإعلان تعز مدينة منكوبة، ووقف القصف ورفع الحصار وفتح الطرق وضمان وصول المساعدات، فيما دعت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية إلى حماية النساء والأطفال والطواقم الطبية، وإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.