الصين هي الأحدث في تكنولوجيا الهواتف.. وليس وادي السيليكون

مقولة إنها تنسخ كل ما هو تقني من الولايات المتحدة لم تكن صحيحة عبر سنوات

الصين قد تحظى بالكلمة الأولى في صناعة التكنولوجيا العالمية («الشرق الأوسط»)
الصين قد تحظى بالكلمة الأولى في صناعة التكنولوجيا العالمية («الشرق الأوسط»)
TT

الصين هي الأحدث في تكنولوجيا الهواتف.. وليس وادي السيليكون

الصين قد تحظى بالكلمة الأولى في صناعة التكنولوجيا العالمية («الشرق الأوسط»)
الصين قد تحظى بالكلمة الأولى في صناعة التكنولوجيا العالمية («الشرق الأوسط»)

تستخدم تطبيقات الرسائل سنابشات وكيك الأرقام الكودية التي تبدو شرائط سوداء على أرضية بيضاء ليتواصل الناس بعضهم مع بعض ويتبادلوا المعلومات مع لقطات سريعة من كاميرات الهواتف الذكية، ويعمل موقع «فيسبوك» حاليا على إضافة المقدرة على تأجير خدمات السيارات وسداد المدفوعات عبر تطبيق الرسائل النصية لديه، وبدأت شركتي «فيسبوك» و«تويتر» إطلاق خدمات بث مقاطع الفيديو المباشرة.
في كل هذه التطورات هناك شيء واحد مشترك أن التكنولوجيا حظيت بشعبيتها الأولى والكبيرة في الصين.
كانت تطبيقات «وي تشات» و«علي بابا» الصينية قد استخدمت ومنذ فترة طويلة رموزا شبيهة بالأرقام الكودية تسمى رموز الاستجابة السريعة؛ لتسمح للناس بسداد المدفوعات ونقل الأموال، وكلا التطبيقين يسمحان للناس بتأجير السيارات أو طلب البيتزا دون الانتقال إلى تطبيق آخر منفرد، وخدمات بث الفيديو المباشر (واي واي) خلقت من الشباب الصيني نجوما على صفحات الإنترنت، حيث يتبادل الناس المدونات والدردشة والغناء أمام كاميرات الفيديو في المنزل.
ظل وادي السيليكون ولفترة طويلة للغاية عاصمة التكنولوجيا في العالم، حيث شهد ولادة شركات التواصل الاجتماعي وصناعة هاتف الآي فون، وانتشرت تلك المنتجات التكنولوجية في جميع أنحاء العالم، وكان العيب الذي يلاحق الصين دائما أنها دوما ما تأتي متخلفة خطوة أو خطوتين بعد الخطوات الواسعة التي يقطعها وادي السيليكون الأميركي، حيث تقمع الرقابة الحكومية في الصين من صعود النسخ المحلية الصينية من مواقع شهيرة، مثل «غوغل» و«يوتيوب» و«تويتر».
لكنَّ صناعة التكنولوجيا في الصين - ولا سيما شركات خدمات الهواتف المحمولة - تمكنت بطرق ما من التقدم بخطوة على الولايات المتحدة الأميركية، فبعض شركات التكنولوجيا الأميركية، حتى العملاقة منها، بدأت تيمم شطر الشركات الصينية بحثا عن الأفكار الجديدة.
يقول تيد ليفينغستون، مؤسس خدمة كيك، التي تتخذ من أونتاريو الكندية مقرا لها: «إننا نرى الصين تتقدم في ذلك المجال».
ويشير التحول المشار إليه إلى أن الصين قد تحظى بالكلمة الأولى في اتجاه صناعة التكنولوجيا العالمية، وبالفعل في الصين، يستخدم المزيد من الناس الأجهزة المحمولة في سداد الفواتير، وطلب الخدمات، ومشاهدة الفيديوهات، والعثور على شريك الحياة بأكثر مما يجري في أي مكان آخر في العالم، فلقد تجاوزت المدفوعات عبر الأجهزة المحمولة في الصين خلال العام الماضي مثيلتها في الولايات المتحدة الأميركية، ووفقا لبعض التقديرات، فإن القروض من نوع جديد من البنوك غير الرسمية على الإنترنت والمعروفة باسم «قروض الند للند» فاقت مثيلاتها في الولايات المتحدة كذلك.
وشركات الإنترنت الصينية الكبرى هي الوحيدة في العالم التي تنافس نظيرتها الأميركية من حيث الحجم، وشراء شركة «أوبر الصين» بواسطة شركة «ديدي تشوزينغ» الصينية بعد منافسة مطولة يعكس أنه وعلى المستوى المحلي على أقل تقدير، بات بإمكان اللاعبين الصينيين الاستحواذ على أكثر الشركات الناشئة تعقيدا، والمقبلة من الولايات المتحدة.
ويمكن متابعة مستقبل المدفوعات والتعاقدات على الإنترنت لدى متجر ليو زينغ للباستا في وسط بكين، حيث علمت ليو زيو (60 عاما) وجارتها زانغ ليشين (55 عاما) عن وجود متجر الباستا عن طريق تطبيق «وي تشات» الصيني، ثم قامتا بطلب الباستا من المتجر عبر الإنترنت وسددتا ثمن وجبتي الغذاء واتخذا صورا ذاتية خارج المتجر باستخدام التطبيق نفسه.
أما ليو زينغ، وهو لا يمت للأولى بصلة، يقول: «إن خدمات الطلبات والمدفوعات الآلية تعني أنه يمكنه تخفيض أجور النُدل لديه»، وأضاف قائلا: «في المستقبل، سوف نكون في حاجة إلى نادل واحد فقط للعمل في المطعم وآخر للمساعدة عند الموائد».

سباق بين التطبيقات الصينية والأميركية

ويشير قادة هذه الصناعة إلى أن هناك عددا كبيرا من المجالات التي حازت الصين السبق فيها، فقبل شيوع تطبيق «تيندر» للمواعدات الشخصية، كان الناس في الصين يستخدمون تطبيقا آخر يدعى «مومو» للمواعدة مع الجنس الآخر. وقبل أن يناقش جيق بيزوس، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، مسألة استخدام الطائرات من دون طيار الصغيرة في توصيل المنتجات إلى المستهلكين، أعلنت وسائل الإعلام الصينية أن هناك شركة محلية لتوصيل الطلبات تسمى «إس. إف. إكسبريس» كانت تجري الاختبارات حول الفكرة نفسها في الصين، ويوفر تطبيق «وي تشات» الصيني خدمة المقالات الإخبارية المدمجة ضمن التطبيق قبل فترة طويلة من إعلان «فيسبوك» عن الخدمة نفسها، وتمكنت الشركة الصينية ذاتها من تطوير تطبيق للمحادثات الشخصية قبل شيوع تطبيق «واتساب»، واستخدمت رموز الاستجابة السريعة على نطاق واسع قبل ظهور تطبيق «سنابشات» الأميركي.
وقبل أن يتحول تطبيق «فينمو» إلى تطبيق الألفية الجديدة في مجال تحويل ونقل الأموال في الولايات المتحدة، كان الصغار والكبار في الصين يستثمرون، وينقلون الأموال إلى بعضهم البعض، ويسددون الفواتير، ويبتاعون المنتجات من مختلف المتاجر باستخدام المحافظ الإلكترونية عبر الهواتف الذكية. يقول بن تومبسون، مؤسس شركة ستراتشيري لأبحاث التكنولوجيا: «بكل صراحة، إن مقولة إن الصين تنسخ كل ما هو تقني من الولايات المتحدة لم تكن مقولة صحيحة عبر سنوات، بالنسبة إلى تطبيق (الماسنجر) على (فيسبوك)، على سبيل المثال، فإن أفضل وسيلة لتفهم خريطة الطريق في مثل هذه التطبيقات هي من خلال النظر إلى تطبيق (وي تشات) الصيني».
ولقد رفض المتحدث الرسمي باسم شركة «فيسبوك» التعليق على الأمر، كما لم يستجب الناطق باسم شركة «تينسينت» لطلبات الحصول على تعليق حول الأمر كذلك.
يحاول المديرون التنفيذيون من شركات مثل «فيسبوك» ومنافسون أصغر حجما مثل كيك، تكرار ما حدث في الصين؛ الهيمنة على منصات الإنترنت حيث يقضي المستخدمون أغلب أوقاتهم، ويتمحور أغلب هذا التركيز على مجال المحادثات.
يقول السيد ليفينغستون حول ذلك: «الشيء اللطيف في المحادثات أنه أصبح مثل نظام التشغيل لحياتك اليومية، حيث يمكن للمحادثات تمكين وتفعيل الذهاب إلى ماكينة البيع، وطلب الطعام، والحصول على سيارة أجرة، وهذا ما نراه يحدث بالفعل من خلال تطبيق (وي تشات) الصيني».

الصين لا تزال متأخرة في بعض المجالات المهمة

لكنَّ الصين لا تزال متأخرة في بعض المجالات المهمة، حيث تعتمد أقوى الخوادم لديها والكومبيوترات الفائقة في غالب الأمر على التكنولوجيا الأميركية، كما أن شركات الواقع الافتراضي الصينية الناشئة تتبع آثار أقدام نظيرتها الأجنبية، ويتقدم «غوغل» بخطى كبيرة على موقع «بايدو» في تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة، كما أن كثيرا من المنتجات الصينية تفتقر إلى الجاذبية الأخاذة التي تشتهر بها المنتجات الأميركية.
والميزة الكبرى في صناعة التكنولوجيا الصينية، وفقا لكثير من المحللين، هي أنها حظيت بالمقدرة على سد الفجوة الكبيرة التي نشأت بعد ما تمكنت البلاد من إحياء اقتصادها من الصفر بعد انتهاء الثورة الثقافية في عام 1976، وعلى العكس من الولايات المتحدة، التي تملك البنوك وشركات التجزئة فيها قاعدة كبيرة وراسخة من العملاء، فإن شريحة المُقرضين التابعين للحكومة الصينية لا تتميز بالكفاءة، ولا تعمل شركات التجزئة أبدا على التوسع بدرجة كافية لخدمة الطبقة المتوسطة سريعة النمو. ولم يقم الكثير من الصينيين أيضا بشراء جهاز كومبيوتر شخصي حتى الآن، مما يعني أن الهواتف الذكية هي الأساس لديهم - وتأتي في المقدمة غالبا - من حيث الاهتمام بأجهزة الحوسبة لما يزيد على 600 مليون مواطن ممن يمتلكون هذه الأجهزة في الصين.
يقول السيد تومبسون: «كانت الولايات المتحدة الدولة الأولى عالميا في مجال بطاقات الائتمان، حيث كان الجميع يستخدمون هواتفهم المحمولة طوال الوقت، وهي المتقدمة حاليا في مجال التجارة والمدفوعات الإلكترونية بفضل التطورات الكبيرة في مجال الحواسيب الشخصية والبطاقات الائتمانية».
تقترب الشركات الصينية من مجال الإنترنت بشتى الطرق والوسائل أيضا، ففي الولايات المتحدة تركز شركات التكنولوجيا على البساطة في التطبيقات، ولكن في الصين يختلف الوضع، فإن الشركات الثلاثة العملاقة في مجال الإنترنت - «علي بابا»، و«بايدو»، وشركة «تينسينت» المطورة لتطبيق «وي تشات» - تتنافس من أجل تطوير تطبيق واحد مفعم بالكثير والكثير من الوظائف.
على تطبيق «تاوباو» للتسوق الإلكتروني الخاص بشركة «علي بابا»، يمكن للناس شراء البقالة، وشراء النقاط الائتمانية للألعاب على الإنترنت، وسحب الكوبونات على كاميرا الهواتف، والعثور على أفضل الصفقات في أقرب المتاجر من منازلهم، ويسمح تطبيق الخرائط لشركة «بايدو» بطلب سيارة أجرة عبر خدمات «أوبر»، وحجز طاولة في أحد المطاعم أو غرفة في أحد الفنادق، وطلب الطعام إلى الغرفة، وشراء تذاكر أفلام السينما والعثور على أي المتاجر القريبة من المنزل.
فتحت شركة «تينسينت» تطبيق «وي تشات» لشركات أخرى، حيث يسمح لهم بتطوير التطبيقات داخل شركة «إيباويانغ» ضمن التطبيق، وهي من الشركات الناشئة التي تمكن الناس من طلب خدمة تموين سياراتهم مباشرة عبر الهاتف الذكي، وكانت من أولى الشركات المعتمدة بالكامل على تطبيق «وي تشات» في التسويق لخدماتها، ويقول غاو فينغ، أحد مؤسسي شركة «إيباويانغ»، إن الشركة لا تزال تعتمد على التطبيق بنسبة 50 في المائة من مدفوعاتها و20 في المائة من العملاء الجدد.
وأضاف السيد فينغ قائلا: «بدأنا من تطبيق (وي تشات)، وبالتالي فهو أول خياراتنا، والمصدر الأساسي للحصول على العملاء».
وما بين الرسوم لقاء خدماته والنقود التي يحققها من خلال الألعاب على الإنترنت، فإن تطبيق «وي تشات» تمكن من تحقيق 7 دولارات من الأرباح عن كل عميل من العملاء سنويا، وفاق لشركة «نومورا» البحثية، ويستحوذ التطبيق على ما يقرب من 700 مليون مستخدم، وأكثر من إجمالي عدد المستخدمين للهواتف الذكية في الصين، ويرجع ذلك في جزء منه إلى بعض المستخدمين للتطبيق خارج البلاد، وفي جزء آخر إلى الأشخاص ذوي الحسابات المتعددة على التطبيق نفسه.
ولا يرجع الفضل في كثير من ذلك إلى الإعلانات، كما يحدث في الولايات المتحدة، ولكن من الإنفاق على تطوير الألعاب، والخدمات، والمنتجات التي تُباع عبر التطبيق، وتلك النماذج قد لا تترجم على الفور من سوق لأخرى، ولكن كلتا السوقين يمكنهما الاقتراض من بعضهما البعض، كما تقول كارمن تشانغ، الشريكة في مؤسسة «نيو إنتربرايز» وشركاه.
وأضافت السيدة تشانغ، التي تقسم وقتها بين الصين ومينلو بارك في كاليفورنيا: «تمكنت الصين من تطوير الكثير من نماذج الأعمال الناجحة، التي ظهرت في نوع مختلف من الاقتصاد، وسواء كنا نعترف بذلك أم لا في وادي السيليكون، فتأثير تلك النجاحات ظاهر فينا وفي تفكيرنا».



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.