رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية: نعاني من «تشظٍ سياسي» وأزمة اقتصادية

السويحلي قال إن مجلسه ضغط بقوة لمحاربة «داعش» ودعا المجتمع الدولي للوفاء بالتزاماته

رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية: نعاني من «تشظٍ سياسي» وأزمة اقتصادية
TT

رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية: نعاني من «تشظٍ سياسي» وأزمة اقتصادية

رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية: نعاني من «تشظٍ سياسي» وأزمة اقتصادية

من بين جدران مكتبه في منطقة الهضبة في طرابلس، وجبهات القتال ضد تنظيم داعش في مدينة سرت، مرورا بالخصومات السياسية ومحاولات رأب الصدع، يحاول الدكتور عبد الرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية، رسم مستقبل آمن لبلاده التي تعيش في فوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011.
وكشف السويحلي، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، قبل ساعات من إعلان وزارة الدفاع الأميركية توجيه ضربات جوية ضد «داعش» في سرت أول من أمس، عن وقوف «المجلس الأعلى للدولة» وراء قرار تشكيل القوة التي تقوم بتنفيذ عملية «البنيان المرصوص» ضد التنظيم الإرهابي في سرت، قائلا إن «المجلس الأعلى للدولة» كان وما زال من أقوى الداعمين لـ«عملية البنيان المرصوص»، وإنه يطالب كلا من «المجلس الرئاسي» و«المجتمع الدولي» بالوفاء بالتزاماتهما تجاه المنخرطين في قتال «داعش».
وعما إذا كان يمكن أن تتعاون قوات «البنيان المرصوص» مع قوات الجيش الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر للقضاء على «داعش» في عموم ليبيا، رد السويحلي قائلا إن «التشكيل المسلح الذي يقوده حفتر ليس هو الجيش»، إلا أنه أضاف أن «المنطق يحتم علينا توحيد الصفوف في مواجهة (داعش)»، ولكن ذلك يجب أن يكون وفقا للالتزام بمسؤولية الدولة الحصرية عن مكافحة الإرهاب: «كما ينص الاتفاق السياسي الذي يستمر حفتر في رفضه».
وأسس المجلس الأعلى للدولة، الذي يعدّ بمثابة إحدى السلطات العليا في ليبيا، بناء على اتفاق الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة. وانتخب أعضاء المجلس السويحلي، ابن مدينة مصراتة، رئيسا له، قبل نحو ثلاثة أشهر. وفيما يلي نص الحوار..
* بعد نحو مائة يوم من انتخابكم رئيسا للمجلس الأعلى للدولة، ما أهم الإنجازات التي قام بها المجلس في ظل الأزمة التي تمر بها ليبيا؟ وما أهم العراقيل التي تواجه عملكم؟
- الاتفاق السياسي أسَّس لعلاقة تكافلية بين كل من المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب والمجلس الرئاسي. وجعل الكثير من القرارات المهمة تتطلب التوافق بينهم، وعليه فإن عدم قدرة مجلس النواب على الوفاء بالتزاماته أو حتى الانعقاد، انعكس سلبًا على أداء بقية الأجسام وبالتالي على قدرة الدولة على الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه المواطنين.
* ما موقف المجلس من الحرب التي تشنها قوات عملية «البنيان المرصوص» ضد «داعش» في مدينة سرت؟
- لقد ضغط المجلس الأعلى للدولة بقوة من أجل اتخاذ المجلس الرئاسي قرار تشكيل القوة التي تنفذ الآن عملية «البنيان المرصوص»، وكان وما زال من أقوى الداعمين لها ومن ذلك تسهيل الاهتمام بالجرحى، والاستمرار في مطالبة المجلس الرئاسي والمجتمع الدولي بالوفاء بالتزاماتهما تجاه هؤلاء الأبطال. من جهة أخرى، التشكيل المسلح الذي يقوده حفتر ليس هو الجيش. نحن لسنا وحيدين في هذا الموقف، فهو ما ينص عليه الاتفاق السياسي وهو أيضًا موقف المجتمع الدولي الذي رفض دائمًا تسليحهم رغم اعترافه سابقًا بالبرلمان وحكومة (عبد الله) الثني (تمارس عملها من مدينة البيضاء، شرق البلاد) كسلطات شرعية في ليبيا. ومع ذلك، فإن المنطق يحتم علينا توحيد الصفوف في مواجهة «داعش» الذي يشكل خطرًا جليًا وداهمًا على الوطن، ولكن ذلك يجب أن يكون بناء على الالتزام بمسؤولية الدولة الحصرية عن مكافحة الإرهاب كما ينص الاتفاق السياسي الذي يستمر حفتر في رفضه.
* بعض المراقبين يرون أن مشكلة ليبيا تكمن في استمرار وجود الميليشيات والكتائب المسلحة منذ سقوط نظام القذافي حتى الآن. كيف تنظرون إلى هذه القضية، وهل من خطة عملية لمعالجتها؟
- من أحد أهم متطلبات بناء الدولة الليبية الحديثة تأسيس قطاع أمني قوي تحتكر فيه الدولة استخدام القوة، وهو ما دفعنا به منذ أيام المؤتمر الوطني (البرلمان السابق)، وخلال مفاوضات الاتفاق السياسي، وهو أيضًا ما نحاول حث حكومة الوفاق (برئاسة السراج) على القيام به، وخاصة أن الاتفاق ينص على ذلك. ومع ذلك، يجب الاعتراف بأن المهمة صعبة، خاصة عندما يصر أحد التشكيلات المسلحة على أنه وحده الجيش وأن جميع الأطراف الأخرى، بما فيها الثوار الذين أسقطوا نظام القذافي، ليست سوى مجموعات إرهابية لا يحق لها المشاركة في تأسيس جيش وطني حِرَفي موحد كما ينص على ذلك الاتفاق السياسي.
* يفترض أن هناك علاقة تعاون بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، وفقا لمخرجات اتفاق الصخيرات. هل هذا التعاون موجود عمليا؟
- كما ذكرت سابقًا.. الكثير من القرارات المهمة تتطلب التوافق بين «المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، ومنها، على سبيل المثال، التعيينات في المناصب السيادية والتعديلات الدستورية وما إلى ذلك. ورغم استمرار التواصل بين أعضاء المجلس ومجلس النواب، فإن الأزمة التي يمر بها مجلس النواب، الذي لم يستطع عقد جلسة بنصاب منذ أشهر، وغياب الطابع المؤسساتي في هذا التواصل، يجعل من تحقيق الاستحقاقات المطلوبة، وبالتالي العمل على تحسين الأوضاع المعيشية للشعب، أمرا صعبا للغاية.
* ما طبيعة العلاقة الفعلية في الوقت الراهن بين كل من مجلسكم، والمجلس الرئاسي وحكومته؟ وما تقييمك لعمل المجلس الرئاسي منذ دخوله إلى طرابلس حتى الآن؟
- بالإضافة لتخفيض مستوى الصراع، على أي حكومة أداء ثلاث وظائف أساسية، وهي: توفير الأمن، والسلع والخدمات الأساسية، والشرعية السياسية. وبما أن ليبيا ليست في حالة اعتيادية، فإن أداء هذه الوظائف بالكفاءة والفعالية المطلوبة، يحتاج لسياسات متميزة وحلول ابتكارية، وهو ما لم تنجح في تقديمه حكومة الوفاق بعد. نحن نحاول مساعدة المجلس الرئاسي، ففي نجاحه نجاح لليبيا وشعبها، ولكن لم نستطع حتى الآن تحويل التواصل معهم من آلية فردية على مستوى الأعضاء إلى آلية مؤسساتية.
* كيف ينظر المجلس الأعلى للدولة إلى الواقع الليبي اليوم؟ وهل من مقترحات أو مبادرات لدى مجلسكم لحل المشاكل السياسية والأمنية والاقتصادية خلال المرحلة المقبلة؟
- نحن نعاني حاليا من «تشظٍ سياسي» وأزمة اقتصادية مستفحلة وتدهور مضطرد في مؤشرات الحوكمة. هذا بالطبع يشكل تحديًا كبيرًا لأي سلطة وطنية، وخاصة أننا ورثنا دولة من دون مؤسسات أو مجتمع مدني نشط أو أحزاب ذات خبرة في إدارة الشأن العام. ورغم ذلك، هناك بعض المؤشرات التي تدعو للتفاؤل، وربما أهمها أن غالبية الأطراف قد وصلت إلى قناعة بأن لا حل إلا بالحوار والتوافق، وهو ما قاد إلى مفاوضات الصخيرات والاتفاق السياسي، وكذلك شعور شعبي متزايد بالإحباط والإرهاق في جميع مناطق ليبيا من استمرار الحرب وتدني الخدمات، وهو ما يشكل عامل ضغط كبير على النخب السياسية للوصول إلى حلول لهذه الأزمة. نحن في المجلس الأعلى للدولة نؤمن بأننا في مرحلة استثنائية تتطلب سياسات متميزة وحلولا ابتكارية. ونعتقد أن ذلك يجب أن يرتكز على تفعيل وتمكين الأطراف والبلديات التي هي في وضع أفضل من حيث معرفة الاحتياجات المحلية وتوفير الخدمات والحد من الفساد، فانتظار إصلاح الوزارات والمؤسسات المركزية الآن هو نوع من الترف الذي لا تتحمله ظروف الناس.
* البعض يوجِّه انتقادات للمجلس الأعلى للدولة بزعم أنه أعلن عن تشكيل نفسه قبل تضمين الاتفاق السياسي (الصخيرات) في الإعلان الدستوري، من خلال سلطة مجلس النواب. ما تعليقكم؟
- الحقيقة هي أن المادة الخاصة بتضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري نصَّت في مسودة الاتفاق الرابعة على أن «يلتزم مجلس النواب بإجراء تعديل للإعلان الدستوري بما يتفق ونصوص هذا الاتفاق». وفي مسودات لاحقة، تحولت إلى: «يقوم كل من مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام بإجراء تعديل للإعلان الدستوري بما يتفق ونصوص هذا الاتفاق»، وفي الاتفاق النهائي حُذفت الإشارة إلى مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام، وأصبحت المادة تنص على أن «يتم تعديل الإعلان الدستوري بما يتفق ونصوص هذا الاتفاق». هذا التعديل الذي وافق عليه وفد مجلس النواب تم خصيصا للسماح للمؤتمر الوطني أيضًا بتضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري، وبذلك تم تحصينه ضد أي طعون من قبل مناهضي الاتفاق. وعلى هذا الأساس قام المؤتمر الوطني في آخر جلسة له بتضمين الاتفاق السياسي وهو ما سمح ببدء أعمال «المجلس الأعلى للدولة».
* مَن تسبب، في رأيكم، في تأخير انعقاد جلسة مجلس النواب من أجل منح الثقة لحكومة السراج؟ وهل هذا التأخير وتداعياته يمكن أن يعززا الانقسام؟
- السبب الرئيسي هو خليفة حفتر وداعموه محليا وإقليميا، فتطبيق الاتفاق السياسي، بما في ذلك منح الثقة للحكومة، وبدء عملها، يخفض من الضوضاء التي يثيرها حفتر وكل من يريد الدفع بمصالحه وطموحه الشخصي على حساب مصلحة الوطن. الواقع هو أن الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما يحاول الاتفاق السياسي القيام به، لا يخدم مصلحة خليفة حفتر وداعميه، وعليه فإنهم يحاولون تعطيل الاتفاق بشتى السبل.
* البعض، خاصة في شرق البلاد، يلوح بين حين وآخر بـ«الانفصال»، أو في أحسن الأحوال، باللجوء إلى نظام الحكم الفيدرالي، بسبب غياب التوافق مع شركاء الوطن. ما تعليقكم؟
- لقد ناضل أجدادنا من أجل وحدة ليبيا. كما أن الأغلبية الساحقة من الليبيين يريدون لبلادهم أن تبقى موحدة، وهو أيضًا ما ينص عليه الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي وما يدعمه المجتمع الدولي. بالطبع يجب أن نعترف بأن هناك مشاكل حقيقية بخصوص التوافق السياسي والتنمية المكانية والاستثمار العادل لموارد الدولة، وهي مشاكل غير محصورة في منطقة بعينها، إذ نجد أنه بالإضافة إلى مناطق في شرق البلاد، ومنها على وجه الخصوص مدينة بنغازي، فإن الجنوب والجنوب الشرقي وجبل نفوسة (غرب طرابلس)، بل وبعض المناطق في طرابلس نفسها، تفتقر لأبسط صور البنية التحتية والخدمات وفرص العمل الجيدة. ولكن من الخطورة بمكان استخدام تحديات التنمية كمطية لتحقيق مكاسب سياسية على حساب وحدة الوطن.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.