رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية: نعاني من «تشظٍ سياسي» وأزمة اقتصادية

السويحلي قال إن مجلسه ضغط بقوة لمحاربة «داعش» ودعا المجتمع الدولي للوفاء بالتزاماته

رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية: نعاني من «تشظٍ سياسي» وأزمة اقتصادية
TT

رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية: نعاني من «تشظٍ سياسي» وأزمة اقتصادية

رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية: نعاني من «تشظٍ سياسي» وأزمة اقتصادية

من بين جدران مكتبه في منطقة الهضبة في طرابلس، وجبهات القتال ضد تنظيم داعش في مدينة سرت، مرورا بالخصومات السياسية ومحاولات رأب الصدع، يحاول الدكتور عبد الرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية، رسم مستقبل آمن لبلاده التي تعيش في فوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011.
وكشف السويحلي، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، قبل ساعات من إعلان وزارة الدفاع الأميركية توجيه ضربات جوية ضد «داعش» في سرت أول من أمس، عن وقوف «المجلس الأعلى للدولة» وراء قرار تشكيل القوة التي تقوم بتنفيذ عملية «البنيان المرصوص» ضد التنظيم الإرهابي في سرت، قائلا إن «المجلس الأعلى للدولة» كان وما زال من أقوى الداعمين لـ«عملية البنيان المرصوص»، وإنه يطالب كلا من «المجلس الرئاسي» و«المجتمع الدولي» بالوفاء بالتزاماتهما تجاه المنخرطين في قتال «داعش».
وعما إذا كان يمكن أن تتعاون قوات «البنيان المرصوص» مع قوات الجيش الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر للقضاء على «داعش» في عموم ليبيا، رد السويحلي قائلا إن «التشكيل المسلح الذي يقوده حفتر ليس هو الجيش»، إلا أنه أضاف أن «المنطق يحتم علينا توحيد الصفوف في مواجهة (داعش)»، ولكن ذلك يجب أن يكون وفقا للالتزام بمسؤولية الدولة الحصرية عن مكافحة الإرهاب: «كما ينص الاتفاق السياسي الذي يستمر حفتر في رفضه».
وأسس المجلس الأعلى للدولة، الذي يعدّ بمثابة إحدى السلطات العليا في ليبيا، بناء على اتفاق الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة. وانتخب أعضاء المجلس السويحلي، ابن مدينة مصراتة، رئيسا له، قبل نحو ثلاثة أشهر. وفيما يلي نص الحوار..
* بعد نحو مائة يوم من انتخابكم رئيسا للمجلس الأعلى للدولة، ما أهم الإنجازات التي قام بها المجلس في ظل الأزمة التي تمر بها ليبيا؟ وما أهم العراقيل التي تواجه عملكم؟
- الاتفاق السياسي أسَّس لعلاقة تكافلية بين كل من المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب والمجلس الرئاسي. وجعل الكثير من القرارات المهمة تتطلب التوافق بينهم، وعليه فإن عدم قدرة مجلس النواب على الوفاء بالتزاماته أو حتى الانعقاد، انعكس سلبًا على أداء بقية الأجسام وبالتالي على قدرة الدولة على الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه المواطنين.
* ما موقف المجلس من الحرب التي تشنها قوات عملية «البنيان المرصوص» ضد «داعش» في مدينة سرت؟
- لقد ضغط المجلس الأعلى للدولة بقوة من أجل اتخاذ المجلس الرئاسي قرار تشكيل القوة التي تنفذ الآن عملية «البنيان المرصوص»، وكان وما زال من أقوى الداعمين لها ومن ذلك تسهيل الاهتمام بالجرحى، والاستمرار في مطالبة المجلس الرئاسي والمجتمع الدولي بالوفاء بالتزاماتهما تجاه هؤلاء الأبطال. من جهة أخرى، التشكيل المسلح الذي يقوده حفتر ليس هو الجيش. نحن لسنا وحيدين في هذا الموقف، فهو ما ينص عليه الاتفاق السياسي وهو أيضًا موقف المجتمع الدولي الذي رفض دائمًا تسليحهم رغم اعترافه سابقًا بالبرلمان وحكومة (عبد الله) الثني (تمارس عملها من مدينة البيضاء، شرق البلاد) كسلطات شرعية في ليبيا. ومع ذلك، فإن المنطق يحتم علينا توحيد الصفوف في مواجهة «داعش» الذي يشكل خطرًا جليًا وداهمًا على الوطن، ولكن ذلك يجب أن يكون بناء على الالتزام بمسؤولية الدولة الحصرية عن مكافحة الإرهاب كما ينص الاتفاق السياسي الذي يستمر حفتر في رفضه.
* بعض المراقبين يرون أن مشكلة ليبيا تكمن في استمرار وجود الميليشيات والكتائب المسلحة منذ سقوط نظام القذافي حتى الآن. كيف تنظرون إلى هذه القضية، وهل من خطة عملية لمعالجتها؟
- من أحد أهم متطلبات بناء الدولة الليبية الحديثة تأسيس قطاع أمني قوي تحتكر فيه الدولة استخدام القوة، وهو ما دفعنا به منذ أيام المؤتمر الوطني (البرلمان السابق)، وخلال مفاوضات الاتفاق السياسي، وهو أيضًا ما نحاول حث حكومة الوفاق (برئاسة السراج) على القيام به، وخاصة أن الاتفاق ينص على ذلك. ومع ذلك، يجب الاعتراف بأن المهمة صعبة، خاصة عندما يصر أحد التشكيلات المسلحة على أنه وحده الجيش وأن جميع الأطراف الأخرى، بما فيها الثوار الذين أسقطوا نظام القذافي، ليست سوى مجموعات إرهابية لا يحق لها المشاركة في تأسيس جيش وطني حِرَفي موحد كما ينص على ذلك الاتفاق السياسي.
* يفترض أن هناك علاقة تعاون بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، وفقا لمخرجات اتفاق الصخيرات. هل هذا التعاون موجود عمليا؟
- كما ذكرت سابقًا.. الكثير من القرارات المهمة تتطلب التوافق بين «المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، ومنها، على سبيل المثال، التعيينات في المناصب السيادية والتعديلات الدستورية وما إلى ذلك. ورغم استمرار التواصل بين أعضاء المجلس ومجلس النواب، فإن الأزمة التي يمر بها مجلس النواب، الذي لم يستطع عقد جلسة بنصاب منذ أشهر، وغياب الطابع المؤسساتي في هذا التواصل، يجعل من تحقيق الاستحقاقات المطلوبة، وبالتالي العمل على تحسين الأوضاع المعيشية للشعب، أمرا صعبا للغاية.
* ما طبيعة العلاقة الفعلية في الوقت الراهن بين كل من مجلسكم، والمجلس الرئاسي وحكومته؟ وما تقييمك لعمل المجلس الرئاسي منذ دخوله إلى طرابلس حتى الآن؟
- بالإضافة لتخفيض مستوى الصراع، على أي حكومة أداء ثلاث وظائف أساسية، وهي: توفير الأمن، والسلع والخدمات الأساسية، والشرعية السياسية. وبما أن ليبيا ليست في حالة اعتيادية، فإن أداء هذه الوظائف بالكفاءة والفعالية المطلوبة، يحتاج لسياسات متميزة وحلول ابتكارية، وهو ما لم تنجح في تقديمه حكومة الوفاق بعد. نحن نحاول مساعدة المجلس الرئاسي، ففي نجاحه نجاح لليبيا وشعبها، ولكن لم نستطع حتى الآن تحويل التواصل معهم من آلية فردية على مستوى الأعضاء إلى آلية مؤسساتية.
* كيف ينظر المجلس الأعلى للدولة إلى الواقع الليبي اليوم؟ وهل من مقترحات أو مبادرات لدى مجلسكم لحل المشاكل السياسية والأمنية والاقتصادية خلال المرحلة المقبلة؟
- نحن نعاني حاليا من «تشظٍ سياسي» وأزمة اقتصادية مستفحلة وتدهور مضطرد في مؤشرات الحوكمة. هذا بالطبع يشكل تحديًا كبيرًا لأي سلطة وطنية، وخاصة أننا ورثنا دولة من دون مؤسسات أو مجتمع مدني نشط أو أحزاب ذات خبرة في إدارة الشأن العام. ورغم ذلك، هناك بعض المؤشرات التي تدعو للتفاؤل، وربما أهمها أن غالبية الأطراف قد وصلت إلى قناعة بأن لا حل إلا بالحوار والتوافق، وهو ما قاد إلى مفاوضات الصخيرات والاتفاق السياسي، وكذلك شعور شعبي متزايد بالإحباط والإرهاق في جميع مناطق ليبيا من استمرار الحرب وتدني الخدمات، وهو ما يشكل عامل ضغط كبير على النخب السياسية للوصول إلى حلول لهذه الأزمة. نحن في المجلس الأعلى للدولة نؤمن بأننا في مرحلة استثنائية تتطلب سياسات متميزة وحلولا ابتكارية. ونعتقد أن ذلك يجب أن يرتكز على تفعيل وتمكين الأطراف والبلديات التي هي في وضع أفضل من حيث معرفة الاحتياجات المحلية وتوفير الخدمات والحد من الفساد، فانتظار إصلاح الوزارات والمؤسسات المركزية الآن هو نوع من الترف الذي لا تتحمله ظروف الناس.
* البعض يوجِّه انتقادات للمجلس الأعلى للدولة بزعم أنه أعلن عن تشكيل نفسه قبل تضمين الاتفاق السياسي (الصخيرات) في الإعلان الدستوري، من خلال سلطة مجلس النواب. ما تعليقكم؟
- الحقيقة هي أن المادة الخاصة بتضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري نصَّت في مسودة الاتفاق الرابعة على أن «يلتزم مجلس النواب بإجراء تعديل للإعلان الدستوري بما يتفق ونصوص هذا الاتفاق». وفي مسودات لاحقة، تحولت إلى: «يقوم كل من مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام بإجراء تعديل للإعلان الدستوري بما يتفق ونصوص هذا الاتفاق»، وفي الاتفاق النهائي حُذفت الإشارة إلى مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام، وأصبحت المادة تنص على أن «يتم تعديل الإعلان الدستوري بما يتفق ونصوص هذا الاتفاق». هذا التعديل الذي وافق عليه وفد مجلس النواب تم خصيصا للسماح للمؤتمر الوطني أيضًا بتضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري، وبذلك تم تحصينه ضد أي طعون من قبل مناهضي الاتفاق. وعلى هذا الأساس قام المؤتمر الوطني في آخر جلسة له بتضمين الاتفاق السياسي وهو ما سمح ببدء أعمال «المجلس الأعلى للدولة».
* مَن تسبب، في رأيكم، في تأخير انعقاد جلسة مجلس النواب من أجل منح الثقة لحكومة السراج؟ وهل هذا التأخير وتداعياته يمكن أن يعززا الانقسام؟
- السبب الرئيسي هو خليفة حفتر وداعموه محليا وإقليميا، فتطبيق الاتفاق السياسي، بما في ذلك منح الثقة للحكومة، وبدء عملها، يخفض من الضوضاء التي يثيرها حفتر وكل من يريد الدفع بمصالحه وطموحه الشخصي على حساب مصلحة الوطن. الواقع هو أن الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما يحاول الاتفاق السياسي القيام به، لا يخدم مصلحة خليفة حفتر وداعميه، وعليه فإنهم يحاولون تعطيل الاتفاق بشتى السبل.
* البعض، خاصة في شرق البلاد، يلوح بين حين وآخر بـ«الانفصال»، أو في أحسن الأحوال، باللجوء إلى نظام الحكم الفيدرالي، بسبب غياب التوافق مع شركاء الوطن. ما تعليقكم؟
- لقد ناضل أجدادنا من أجل وحدة ليبيا. كما أن الأغلبية الساحقة من الليبيين يريدون لبلادهم أن تبقى موحدة، وهو أيضًا ما ينص عليه الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي وما يدعمه المجتمع الدولي. بالطبع يجب أن نعترف بأن هناك مشاكل حقيقية بخصوص التوافق السياسي والتنمية المكانية والاستثمار العادل لموارد الدولة، وهي مشاكل غير محصورة في منطقة بعينها، إذ نجد أنه بالإضافة إلى مناطق في شرق البلاد، ومنها على وجه الخصوص مدينة بنغازي، فإن الجنوب والجنوب الشرقي وجبل نفوسة (غرب طرابلس)، بل وبعض المناطق في طرابلس نفسها، تفتقر لأبسط صور البنية التحتية والخدمات وفرص العمل الجيدة. ولكن من الخطورة بمكان استخدام تحديات التنمية كمطية لتحقيق مكاسب سياسية على حساب وحدة الوطن.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.