سفن الموت

20 ألف مهاجر غير شرعي قضوا خلال 20 سنة في رحلات الوصول بحرا إلى أوروبا

سفن الموت
TT

سفن الموت

سفن الموت

«إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا.. فما حيلة المضطر إلا ركوبها»..
بيت شعر قيل منذ أكثر من ألف عام، صار مضرب مثل في ركوب الصعاب. ولكن الأسنة في زمننا هذا هي ركوب «سفن الموت» أو قوارب الموت، تلك التي تحمل المهاجرين غير الشرعيين، الذين تضطرهم أوضاعهم المعيشية، وظروف بلدانهم القاسية، جنوب المتوسط، إلى الإبحار وركوب الأمواج العالية، مخاطرين بأرواحهم بحثا عن شواطئ أمان على الجانب الآخر من البحر المتوسط.. هذه الرحلة التي باتت أشبه برحلة إلى الموت في أحشاء أسماك البحر، والناجون منها قلة.
تقول المنظمة الدولية للهجرة، ومقرها جنيف، إن 20 ألف مهاجر غير شرعي لقوا حتفهم، خلال السنوات العشرين الأخيرة، وسط أمواج البحر المتوسط، معظمهم في السنوات الأخيرة، حيث تسارعت الرحلات غير الشرعية التي تنظمها «مافيا» بحرية تتلقى آلاف الدولارات من مهاجرين يائسين من دول البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، بمن فيهم لاجئون سوريون وفلسطينيون مقيمون في سوريا وهاربون من مصر. يحلم هؤلاء بتسفيرهم إلى أوروبا، بلاد الأحلام، في رحلة جنونية محفوفة بالمخاطر والعواصف، تستغرق نحو عشرة أيام يقتاتون خلالها الخبز فقط.

لم تفلح جميع الصيحات الدولية ومحاولات المسؤولين على جانبي المتوسط، والإجراءات التي تتخذ من هنا أو هناك، في الحد من الظاهرة. وشهد الشهر الحالي وحده عددا من الحوادث المرعبة، بغرق قوارب كانت تنقل نحو 500 مهاجر، وصلت قواربهم إلى شواطئ قريبة من جزيرة لامبيدوزا الإيطالية التي تبعد 113 كيلومترا عن تونس، فانقلبت في البحر بسبب الأجواء المناخية السيئة والعواصف والرياح العاتية، ومات منهم مائتان.
وفي الشهر نفسه غرق 360 مهاجرا على بعد 500 متر فقط من الشاطئ، بعد أن توقف محرك القارب القديم فأشعل القبطان النار في بطانية كي يلفت الأنظار، لكن النار انتشرت في القارب كله وأجبرت الركاب على القفز في ماء البحر وأغلبهم لا يعرف السباحة، فغرقوا على الفور. ووصف بابا الفاتيكان تلك الحادثة بأنها مصيبة.
وتكرر الحادث مرة أخرى بعد يومين من الحادث الأول، وغرق العشرات من الضحايا. ورصدت قوات خفر السواحل الإيطالية على بعد 8 كيلومترات من لامبيدوزا قاربا يقل 210 أشخاص من سوريا وإريتريا والصومال، بينهم 36 طفلا و32 امرأة، وقد استخدم الركاب هاتفا نقالا لإرسال إشارات استغاثة، كما اهتدت الدوريات الإيطالية إلى قارب آخر تم إنقاذه وفيه 80 مهاجرا من نيبال وبنغلاديش ونيجيريا، منهم 10 نساء أربع منهن حوامل.
هزت هذه الأحداث حكومة إنريكو ليتا الإيطالية، والاتحاد الأوروبي، فقام رئيس الوزراء الإيطالي برفقة خوسيه مانويل باروزو رئيس المفوضية الأوروبية، بزيارة الجزيرة. وقال باروزو إنه مصدوم لرؤية التوابيت «فرؤيتها أمام العين تختلف عن رؤيتها أمام شاشة التلفزيون». ووعد ليتا بإقامة جنازة رسمية للضحايا.. أما باروزو فأعلن في منتصف الشهر الحالي أن إيطاليا ستحصل على 30 مليون يورو (ما يزيد على 40 مليون دولار) للمساعدة في زيادة عدد الدوريات البحرية والجوية في البحر المتوسط ما بين قبرص وإسبانيا، ودعم إدارة الأمن الأوروبية لتكتشف القوارب القادمة إلى الشواطئ الإيطالية.
كما لو أن الحكومة الإيطالية لا تكفيها مشاكلها هذه الأيام فأضافت إليها أزمة المهاجرين غير الشرعيين، وغرق قواربهم وموت المئات منهم، لتضيف عبئا على أعباء تثقل كاهل رئيس الوزراء إنريكو ليتا.
قامت المظاهرات الصاخبة في روما في عطلة نهاية الأسبوع الماضي بعد الإضراب العام الذي سبقها بيوم واحد، وأعلنت حالة الحصار في وسط العاصمة الإيطالية، بينما كان المتظاهرون يصطدمون بالشرطة والدرك أمام وزارة الاقتصاد ويجرحون 20 منهم وهم يهتفون «يسقط قانون بوسي - فيني حول الهجرة»، و«يا للعار»، ثم يصيحون «أوقفوا التقشف.. ضربنا الخيام في الساحات وسنهاجم قصور السلطة.. يكفيكم تهريجا».
فروما تعيش حاليا جوا من التوتر. رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني حاول إسقاط الحكومة الائتلافية الحالية وفشل، بل سبب الانقسام في حزبه اليميني وحكم عليه القضاء بعدم صلاحيته لتولي أي منصب عام لمدة سنتين، مما هدد حكومة الائتلاف بين اليمين واليسار بإمكانية الانهيار.
والأزمة المالية تتفاقم رغم الوعود البراقة، وحالة الانكماش الاقتصادي تدفع البلاد إلى حافة الهاوية مع ازدياد الدين العام إلى حد خطير. وشركة الطيران الإيطالية «أليطاليا» على وشك الإفلاس، وميزانية عام 2014 مكروهة لدى رجال الأعمال والنقابات العمالية على حد سواء.
فوق هذا كله يتزايد عدد القوارب والسفن الصغيرة التي تنقل المهاجرين غير الشرعيين من دول البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، ويزداد عدد الموتى والهالكين. وبعد أسبوعين من هذا الكلام لم تقم الجنازة، وتناست الحكومة وعودها، وانتهت رحلة المهاجرين المعذبين بالموت مرتين، الأولى بموت الأمل الذي بدأوا فيه الرحلة القاسية، والثانية أن 85 من الأموات الغرقى دفنت جثثهم من دون جنازة ومن دون اسم بل من دون رقم في مقبرة خارج مدينة اغريجنتو بجزيرة صقلية التي تتبع لها إداريا جزيرة لامبيدوزا الصغيرة وسكانها الذين لا يتجاوز عددهم 4500 نسمة.
المسؤول عن المقبرة سالفاتوري دانا قال إن الحكومة لم تبعث حتى بممثل لها، مما يثبت ذروة عدم الاكتراث الحكومي بعد أيام من ذرف الدموع الكاذبة. ودفنت 200 جثة أخرى في مناطق متعددة في جزيرة صقلية. ويضيف بقوله «ما زلت أرى بعيني ست شاحنات نقلت الجثث الملقاة فوق بعضها». أما عمدة لامبيدوزا جوزي نيكوليني فتقول «لم تصلنا أي تعليمات من روما، ولو علمنا أن مصير الغرقى سيكون بهذا الشكل لأقمنا لأولئك المساكين جنازة هنا.. ما جرى ليس إنصافا للضحايا من إريتريا والصومال وسوريا، فأغلبهم في مقتبل العمر.. ووضعت جثث طفل وامرأة حامل وزوجين مع جثث 11 مهاجرا». وأردفت «زوار المقبرة هنا يضعون الزهور على قبور أحبائهم ولا أحد يلتفت إلى قبور المهاجرين في الحوادث السابقة أو يصلي لهم طلبا للغفران والرحمة سوى بضعة زوار من إريتريا يتمتمون بعبارات الأسى».
وفي روما تجمع أفراد من الجاليتين الإثيوبية والإريترية أول من أمس، لتأبين مهاجرين غرقوا في زورق في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. حملوا الشموع واللافتات، التي كتب على إحداها «احترموا معاهدة دبلن»، في إشارة إلى قانون الاتحاد الأوروبي المتعلق بطالبي حق اللجوء. وكتب على أخرى «قتلى لامبيدوزا سيبقون في قلوبنا».
وقالت أنا، وهي إثيوبية حضرت حفل التأبين «نشعر بالكثير من الألم والغضب». وردت على سؤال عما إذا كانت تعتقد أن إيطاليا قدمت ما يكفي من المساعدة للمهاجرين قائلة «الناس تصرفوا بشكل رائع، لكن المسؤولين عن هذه الأمور لم تكن استجابتهم مناسبة». وأضافت «لامبيدوزا كانت تمثل الأمل لهؤلاء، لكنها أصبحت مقبرة للعديد من الناس.. إننا لا نريد أن يحدث ذلك مرة أخرى». ولتجنب المزيد من الكوارث تعمل إيطاليا عن كثب مع دول الاتحاد الأوروبي على مراقبة البحر. ورغم أن إيطاليا نشرت حتى الآن سفينة برمائية تحمل مستشفى عائما وطائرات هليكوبتر تطير لمسافات بعيدة وخمس سفن تابعة للبحرية، وطائرة مجهزة بأجهزة رؤية ليلية ورادار، إضافة إلى طائرة من دون طيار متمركزة في صقلية، فإن القوارب لا تزال تختفي في أعماق المتوسط، والناجون منها قليلون.
وتعد إيطاليا منذ وقت طويل نقطة وصول للمهاجرين غير الشرعيين الساعين إلى حياة أفضل في الاتحاد الأوروبي. وطلبت روما إدراج موضوع الهجرة على جدول أعمال المجلس الأوروبي ورؤساء الدول خلال اجتماعه المقرر يومي 24 و25 أكتوبر الحالي.
المشكلة أوروبية بامتياز، والرأي العام في إيطاليا وأوروبا غير متعاطف مع مآسي المهاجرين غير الشرعيين بسبب الأزمة الاقتصادية المؤلمة والكساد في أغلب دول أوروبا. يصل الآن 70 في المائة من المهاجرين إلى فرنسا وبلجيكا وألمانيا وبريطانيا والسويد من بين 330 ألفا من مقدمي طلبات الهجرة كل عام، وتم طرد 115 ألفا عام 2012، منهم 73 ألفا جاءوا بطرق غير قانونية سهلتها منظمات إجرامية كالمافيا وغيرها هربا من الأوضاع السياسية والأمنية والحروب في بلادهم الأصلية، والواقع أن نحو 190 مليون نسمة (أي 3 في المائة من سكان العالم) يعيشون الآن خارج أوطانهم ومسقط رأسهم.
يقول المهاجر السنغالي أحمد كامو، الذي يعمل حاليا في روما «لم أجد عملا في بلدي يمكنني من العيش الشريف في السنغال، وعن طريق وسيط دفعت منذ ثلاث سنوات مبلغ ألف دولار للسفر إلى ليبيا، وعملت فيها مؤقتا في قطاع البناء، ثم دفعت ألف دولار من جديد لأصل إلى لامبيدوزا، ولم أعرف إلى أي بلد أوروبي سوف أحط الرحال».
في الماضي كان المهاجرون إلى إيطاليا يأتون من بوركينا فاسو وإثيوبيا وساحل العاج والسنغال وبنغلاديش، وما زال أبناء الصومال وإريتريا (من المستعمرات الإيطالية سابقا) يتدفقون على إيطاليا حيث يقضي من يصل منهم إلى لامبيدوزا بضعة أيام للتحقيق والتأكد من هويتاهم، ثم ينقلون إلى مراكز إقامة مؤقتة (يسمونها مجازا مراكز الضيافة) حتى تتم تسوية أوضاعهم وقبول طلبات اللجوء أو الطرد. كانت تلك المراكز وعددها 11 تعيش ظروفا سيئة لا تختلف كثيرا عن السجون، وأحدها يقع بالقرب من روما في بونته غاليريا. لكن الآن باتوا يأتون أكثر من سوريا ولبنان وفلسطين.
حسين خضر باع متجره الصغير في شمال لبنان ليدفع 80 ألف دولار مقابل تهريبه مع أسرته إلى أستراليا بحثا عن حياة أفضل. لكن خضر (44 عاما) عاد خالي الوفاض بمفرده إلى قريته قرب طرابلس بعد أن غرق القارب الذي كان يستقله مع أسرته وعشرات المهاجرين الآخرين قبالة سواحل إندونيسيا الشهر الماضي، وغرقت زوجته وأبناؤه الثمانية. وشدد خضر على أنه على الرغم من تلك الفجيعة فإنه عازم على الهجرة من لبنان. وقال «تسألني لماذا؟.. أؤكد لك أن كل اللبنانيين يرغبون في ذلك.. وسيأتي يوم يظل فيه السياسيون وحدهم يتطلعون إلى الحيطان».
وبات لبنان يؤوي ما يزيد على مليون سوري فروا من جحيم الحرب الأهلية في بلدهم. في الوقت نفسه يستميت كثير من اللبنانيين للهجرة من بلدهم خصوصا أهالي منطقة عكار الفقيرة في الشمال التي امتدت إليها هذا العام أعمال العنف المستمرة في سوريا. وسجل ما يزيد على 230 ألف سوري أسماءهم لدى الأمم المتحدة في شمال لبنان، وباتوا يشكلون عبئا على البنية الأساسية الضعيفة بالفعل، وأدى وجودهم إلى انخفاض الأجور في المنطقة.

الهجرة والعنصرية

ينص قانون الهجرة الإيطالي المسمى بأسماء السياسيين الذين وضعوه عام 2002 «بوسي وفيني» على فرض عقوبات مالية وغرامة تصل إلى 5000 يورو (أي 6650 دولارا) والطرد لمن يصل إيطاليا حيا، ويتهم من يساعدهم مثل الصيادين في البحر بتهم جنائية. والحقيقة أنه مع تزايد الاضطرابات في العالم فلا يمكن لأوروبا وحدها خاصة أنها تعاني من البطالة والمشاكل الاقتصادية أن تستوعب المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين كل سنة، بل أصبح الأمر مأساة إنسانية عالمية.
حين سئل امبرتو بوسي، الزعيم السابق لحزب «رابطة الشمال» اليميني، منذ أيام عن احتمال إلغاء القانون الذي أسهم في وضعه، قال «لا توجد دول من دون حدود، ولن نستغني عن حدود إيطاليا». أما نائب رئيس مجلس الشيوخ والوزير السابق من الحزب نفسه روبرتو كالديرولي فأطلق تعليقا عنصريا من العيار الثقيل حين شكلت الحكومة الحالية قبل شهور وضمت لأول مرة وزيرة سوداء من أصول أفريقية (الكونغو الديمقراطية) سيسيل كيينغه، واصفا الوزيرة بأنها «تذكره بالقرود»، وتبعه بعض المتطرفين بإلقاء الموز عليها وهي تخطب في اجتماع حزبي مطالبة بتسهيل إجراءات قبول المهاجرين الجدد.
يتساءل البعض في إيطاليا، ومنهم جيمس والتسون أستاذ السياسة في الجامعة الأميركية في روما، قائلين «طلب زعماء اليمين من كالديرولي الاعتذار من الوزيرة، لكنهم لم يطلبوا منه الاستقالة»، لذا بعث لها كالديرولي باقة من الورود، لكن البعض يطرح السؤال «هل تغطي الورود على التفكير العنصري؟». الغريب أن رئيس حركة الاحتجاج «خمس نجوم» اليساري بيبي غريللو صرح منذ أيام منتقدا الحكومة على تساهلها مع المهاجرين غير الشرعيين، مما هدد بشق حزبه الحاصل على ربع أصوات الناخبين. وأردف أن «تفكير الحكومة في تعديل قانون الهجرة الحالي هو دعوة لبلاد الشرق الأوسط وأفريقيا لإرسال المزيد من المهاجرين غير القانونيين إلى إيطاليا». أما السياسي اليميني أرمينيو بوسو فقال إنه سعيد لأن قارب المهاجرين قد غرق.
الخلاصة أن إيطاليا منقسمة حول تعريف العنصرية ومعالجة مسألة الهجرة، فهناك نحو 5 ملايين مواطن من أصل أجنبي (أو ما يزيد على 7 في المائة من عدد سكان إيطاليا)، أي بزيادة 334 ألفا عن العام الفائت، خمسهم جاءوا من رومانيا ونحو نصف مليون من ألبانيا وأكثر من نصف مليون من المغرب و305 آلاف من الصين و123 ألفا من مصر و121 ألفا من تونس و87 ألفا من السنغال. أما عدد المهاجرين غير الشرعيين فيقدر بـ670 ألفا يعيش أغلبهم في شمال ووسط إيطاليا.

أبرز حوادث غرق السفن خلال الأشهر الأربعة الأخيرة

> شهد شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي 3 حوادث غرق لسفن تنقل مهاجرين، قضى فيها أكثر من 550 شخصا بين قتيل ومفقود.
> في الثالث من الشهر الحالي أحصت البحرية الإيطالية مقتل أكثر من 363 مهاجرا غير شرعي، معظمهم من الفلسطينيين والسوريين، إضافة إلى الأفارقة، نتيجة انقلاب سفينة كانت تقلهم قبالة سواحل لامبيدوزا.
> وشهدت السواحل الإيطالية في الحادي عشر من الشهر الحالي غرق زورق مهاجرين انطلق من ليبيا وعلى متنه نحو 300 راكب، معظمهم من السوريين. وأنقذت البحرية الإيطالية نحو 50 مهاجرا، فيما قتل 34 آخرون على الأقل، ولا يزال 200 في عداد المفقودين.
> في اليوم ذاته غرق قارب كان يقل عشرات المهاجرين العرب غير الشرعيين قبالة السواحل المصرية، خلال توجهه إلى أوروبا. وانتشلت قوات البحرية المصرية 12 جثة، فيما أنقذت 116 شخصا.
> قبل هذه الحادثة بأيام لقي 13 مهاجرا على الأقل حتفهم في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي غرقا قبالة سواحل صقلية، بعد أن حاولوا السباحة إثر جنوح زورق صغير كانوا على متنه، فيما تمكن حراس السواحل من إنقاذ مائتين آخرين كانوا برفقتهم على الزورق ذاته.
> في الثالث والعشرين من الشهر ذاته غرقت عبارة تقل نحو سبعين شخصا، أكثر من نصفهم من اللبنانيين، بعد انطلاقها من الشواطئ الإندونيسية متوجهة إلى أستراليا. ونجا 18 لبنانيا بعد أن تمكنوا من السباحة والوصول إلى الشاطئ، فيما مات 14 آخرون غرقا، غالبيتهم من الأطفال.
> خلال شهر أغسطس (آب)، وتحديدا في التاسع عشر منه، أنقذ خفر السواحل الإيطالية أكثر من 600 مهاجر غير شرعي، بينهم نساء وأطفال، من الموت المحقق خلال وجودهم في زورق غير شرعي في المياه الإقليمية الإيطالية قرب سواحل جزيرة لامبيدوزا وبمحاذاة جزيرة صقلية، علما بأن العدد الأكبر منهم جاء من سوريا وباكستان.
> في الثالث عشر من الشهر ذاته، نجا 163 مهاجرا غير شرعي، معظمهم من المصريين والسوريين، بعد أن انتشلهم خفر السواحل الإيطالية على بعد 50 كم من سواحل صقلية.
> في العاشر من أغسطس الماضي، قضى ستة مهاجرين سوريين غرقا في البحر المتوسط قرب جزيرة صقلية، فيما أنقذ نحو مائة آخرين، عند مدينة كاتانيا الصقلية، بعد أن علق مركب صيد صغير كانوا على متنه بالرمال.
> وقبلها لقي ما لا يقل عن 24 مهاجرا غير شرعي حتفهم قبل أيام غرقا في عرض السواحل التركية خلال توجههم على متن قارب إلى جزيرة ليسبوس اليونانية. وتمكن خفر السواحل التركية من إنقاذ 12 مهاجرا كانوا على متن القارب ذاته.
> في التاسع والعشرين من شهر يوليو (تموز)، أنقذ خفر السواحل الإيطالية أكثر من خمسمائة مهاجر غير شرعي، فيما اعتُبِر أكثر من ثلاثين في عداد المفقودين. ويتحدر معظمهم من بلدان أفريقية، وحاولوا الوصول إلى أوروبا انطلاقا من السواحل الليبية. ووجه الناجون إلى مراكز استقبال في جزيرة صقلية.
> في الرابع والعشرين من شهر يوليو الماضي، أنقذ خفر السواحل الأسترالية نحو 160 مهاجرا غير شرعي، في طريقهم إلى أستراليا، إثر غرق زورقهم قبالة سواحل جزيرة جاوا الإندونيسية، على مقربة من المرفأ الذي أبحر منه، في حين غرق سبعة أشخاص آخرين، واعتبر العشرات في عداد المفقودين.
> خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي، وتحديدا في السادس عشر منه، قضى 54 شخصا على الأقل، غالبيتهم من الصوماليين، إثر غرق قارب يقل أكثر من 600 مهاجر عربي وأفريقي قبالة سواحل طرابلس الغرب. وجاءت حادثة الغرق هذه بعد شهرين ونصف الشهر من اختفاء قاربين إثر مغادرتهما ليبيا في نهاية مارس (آذار) الماضي، كان يقل أحدهما 320 راكبا والآخر 160، مما أدى إلى مصرع 240 راكبا على الأقل.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.