مجموعة دوغان الإعلامية في تركيا.. من العداء إلى الموالاة

أطلت بوجه جديد في خضم الانقلاب الفاشل.. وسهلت أول اتصال لإردوغان مع شعبه عبر «فيس تايم»

دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث  إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» -  إردوغان على «فيس تايم»
دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» - إردوغان على «فيس تايم»
TT

مجموعة دوغان الإعلامية في تركيا.. من العداء إلى الموالاة

دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث  إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» -  إردوغان على «فيس تايم»
دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» - إردوغان على «فيس تايم»

كان ظهور الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عبر قناة «سي إن إن تورك» التابعة لمجموعة دوغان الإعلامية التي تعد أكبر المجموعات الإعلامية في البلاد وأشدها خلافا مع إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم أمرا مثيرا للاهتمام.
فقد كان اتصال إردوغان عبر تطبيق «فيس تايم» مع القناة التابعة لمجموعة دوغان، هو النقطة الفاصلة التي قلبت مجريات الأمور، حيث دعا من خلال هذه القناة جموع الأتراك للخروج إلى الشوارع والميادين والمطارات والمواقع الحيوية في أنقرة وإسطنبول وعموم البلاد لحماية إرادتهم الديمقراطية والدفاع عن شرعية السلطة الحاكمة.
قبل أشهر من محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، كانت المحاكم والصحف والقنوات الموالية للحكومة وتصريحات الرئيس إردوغان، ساحات للمعركة ضد مجموعة دوغان التي يملكها رجل الأعمال التركي آيدن دوغان، ووصل الأمر إلى حد اتهامها بدعم الإرهاب بعد نشر صحفها صورا لجنود بالجيش التركي قتلوا في اشتباكات مع منظمة حزب العمال الكردستاني المصنفة كمنظمة إرهابية.
وفتح المدعي العام لمنطقة «قاضي كوي» بوسط إسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تحقيقات قضائية مع جميع وسائل الإعلام وجميع الدوريات التابعة لرجل الأعمال التركي آيدن دوغان، على خلفية اتهامات بصلتهم بـ«الإرهاب» بعد مزاعم بحق دوغان تؤكد ترويج وسائل إعلامه لمنظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية.
وتضم مجموعة دوغان الإعلامية مجموعة من أشهر الصحف التركية أبرزها «حرييت»، و«ميلليت»، و«راديكال»، و«بوستا»، و«يورت» بالإضافة إلى قنوات «سي إن إن تورك» الإخبارية و«كنال دي»، و«ستار» العامتين ووكالة أنباء دوغان وهو ما يمثل 40 في المائة من إجمالي وسائل الإعلام في تركيا.
وبدأت الخلافات بين الحكومة التركية ومجموعة دوغان الإعلامية تتصاعد منذ عام 2009. وفي هذا العام فرضت السلطات التركية غرامة مالية ضخمة، قدرها 400 مليون يورو، على مجموعة دوغان الإعلامية أثارت جدلا كبيرا حول حرية الصحافة والتعبير في تركيا واعتبرت بمثابة محاولة من السلطات للضغط على المجموعة الإعلامية الأبرز في البلاد.
ولم يكن لرئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت رجب طيب إردوغان، الذي كانت صحف المجموعة تلقبه بـ«السلطان»، علاقة مباشرة بالغرامة المالية التي فُرضت على مجموعة شركات دوغان للإعلام، وإنما وزارة المالية هي التي انتبهت من تلقاء نفسها لملف مجموعة دوغان للإعلام.
وقتها اعتبر مراقبون أن هذه الغرامة يشتم منها رائحة عملية ثأر، كما أنها جاءت في اللحظة المناسبة للحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية، لأنه كانت هناك انتخابات محلية ستجرى في نهاية مارس (آذار) من العام نفسه. في ذلك الوقت ولسنوات امتدت حتى عام 2014 كان الصحافيون يستطيعون كتابة ما لا يجرأون عليه في أي مكان آخر في صحف مجموعة دوغان، منها على سبيل المثال أن حكومة حزب العدالة والتنمية تهدف إلى أسْلمة المجتمع شيئا فشيئا، وأن إردوغان «المسلم المتعصب» الذي تحول إلى ديمقراطي، يسير على أجندة غير صريحة.
كما أصبحت صحيفة «راديكال» التابعة أيضا لمجموعة دوغان من الصحف التي يواظب المثقفون الأتراك على قراءتها.
وزارة المالية أرادت بهذه الغرامة المالية معاقبة مجموعة دوغان رسميا بسبب مخالفة ارتكبها في صفقة بيع أسهم إحدى الشركات إلى الناشر الألماني أكسيل سبرنج نهاية عام 2006. فبدلا من أن تسجل المجموعة ثمن البيع في حسابات ديسمبر (كانون الأول) سجلته في حسابات يناير (كانون الثاني)، وبهذا شكت هيئة الضرائب في أن المجموعة فعلت ذلك للتهرب من دفع الضرائب. لكن قيمة الغرامة تجاوزت الحد المألوف، لدرجة أنها تعني مصادرة المجموعة، كما فكرت بيلا، كاتبة أحد الأعمدة بصحيفة «حرييت».
ثم تابعت تركيا فيما بعد فصلا جديدا من الحرب الإعلامية بين مجموعة «دوغان» أكبر مجموعة إعلاميّة في تركيا والصحف المقربة للرئيس رجب طيب إردوغان التي زعمت أن العطاءات التي حصلت عليها مجموعة دوغان في وقت سابق غير قانونية، ورد إعلام مجموعة دوغان بهجوم شديد بكلمات لجوزيف جوبلز وزير حملة الدعاية المشهور للزعيم النازي أدولف هتلر الذي قال: «أعطوني إعلاما بلا ضمير أعطيكم شعبا بلا وعي».
وقال آهتير كوتادجو، الرئيس المسؤول عن الاتصال المؤسسي بمجموعة دوغان القابضة، إن الادعاءات التي يسوقها إعلام إردوغان باطلة ولا أساس لها من الصحة، موضحًا أن جميع العطاءات التي فازوا بها مطابقة للإجراءات القانونية وتمت حسب الأصول.
وهاجم كوتادجو إعلام إردوغان، قائلا: «إن الصحف التي تحدث عنها جوبلز هي الصحف الموالية لإردوغان في الوقت الحاضر». وفي عام 2015 شن أنصار لحزب العدالة والتنمية هجومين على مقر صحيفة «حرييت» في إسطنبول. وعبر المتظاهرون عن رفضهم لما قالوا إنه تحوير من الصحيفة لأقوال الرئيس رجب طيب إردوغان.
وتعرض إردوغان مرارا لانتقادات منذ وصوله للسلطة في 2003 من مجموعة دوغان الإعلامية. وقبل شهرين من الانتخابات البرلمانية المبكرة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. واجه إردوغان اتهامات من معارضيه بأنه يسعى لقمع أي انتقادات لنظامه.
وكان أنصار حزب العدالة والتنمية حملوا وسائل الإعلام التابعة لمجموعة دوغان المسؤولية عن عجز حزب العدالة والتنمية عن الحصول على الأغلبية اللازمة في انتخابات يونيو (حزيران) 2015.
وردّت صحيفة «حرييت» التركية التابعة لمجموعة شركات دوغان (Dogan) الإعلاميّة التي تمتلك الكثير من القنوات التلفزيونية والصحف والوكالة الإخبارية والمجلات وتزاول فعاليات تجارية أيضًا على الاعتداءات التي استهدفتها ببعث رسالة إلى المعنيين مفادها: «لا نخافكم أبدًا».
وقالت وُصلات دوغان سابانجي رئيسة مجلس إدارة صحيفة «حرييت» في كلمتها أمام شاشات التلفزيون بحضور زملائها في مجموعة دوغان الإعلامية: «إن هذه المسألة ليست على الإطلاق مسألة كسر بعض النوافذ وبوابة مقر الصحيفة والاعتداء عليها. بل هي محاولة لتقييد حرية هذا الشعب في الحصول على الأخبار وإسكات وتكميم أفواه الصحافيين والكتّاب الذين يسعون لنشر الحقائق. إن الاعتداءات لا تخيفنا ولن تخيفنا أبدًا».
وشاركت في هذا التصريح أخوات وصلات دوغان سابانجي: أرزوهان دوغان يالتشين داغ، وهانزاده دوغان بوينير، وبيجومهان دوغان فرالياري.
وأوضحت سابانجي أنهم وُضعوا في مرمى النيران في فترة تستيقظ فيها تركيا يوميًا على وقع أنباء استشهاد جنود ورجال شرطة ومدنيين، وأنهم يتلقون تهديدات من قبل مسؤولي حزب سياسي (حزب العدالة والتنمية).
وتابعت سابانجي بأن الحكومة استخدمت أولا سلاح فرض الضرائب عليهم بهدف تخويفهم وترويعهم، كما تعرضوا لحملات تشويه واتّهامات وأكاذيب مثل «تهريب النفط»، و«التهرب الضريبي» حتى الإرهاب، رغم أن شركتهم حاصلة على الرقم القياسي في مجال دفع الضرائب.
وتعرض الكاتب البارز في صحيفة «حرييت» ومقدم البرامج على قناة «سي إن إن تورك» لهجوم أمام بيته في إسطنبول عقب الاعتداء على مقر صحيفة «حرييت» وكشفت التحقيقات عن صلات للمهاجمين مع بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية.
ولفتت مفوضية الاتحاد الأوروبي في تقريرها عن تركيا الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي إلى أن حرية الصحافة مهددة في تركيا.
وشنت مجموعة دوغان منذ عام 2008 حربا على حزب العدالة والتنمية بسبب خطواته لتخفيف قبضة العسكر على الحكم ورفع الحظر عن الحجاب، وهاجم إردوغان في خطبة في البرلمان لمدة ثلاثين دقيقة بشكل حاد مجموعة دوغان، التي حاولت صحفها من دون وجه حق انتقاد رفع حظر الحجاب في الجامعات.
واتسمت العلاقة بين مجموعة دوغان وإردوغان بالشد والجذب وبلغ الموقف قمة التعقيد عندما عادت صحف مجموعة دوغان في خريف 2008 تنشر تحقيقات صحافية عن تورط حزب العدالة والتنمية في قضية «دنيز فينيري»، المؤسسة الخيرية الإسلامية التركية الألمانية.
وفي هذه القضية أثبتت محكمة فرانكفورت أن المؤسسة الخيرية قامت بضخ تبرعات جُمعت في ألمانيا قيمتها 14.5 مليون يورو في قنوات قريبة من إردوغان.
وبعدما قامت صحف مثل «حرييت»، بالنشر حول ذلك ودعا إردوغان مرارا إلى مقاطعة شركات إعلام دوغان، وقال في إحدى كلماته «لا تعطوا هؤلاء نقودا، ولا تستضيفوهم في بيوتكم». وطالب مهددا جرائد دوغان بأن يذكروا الأسباب الحقيقية التي دعتهم إلى النشر عن قضية التبرعات وإلا سوف يقوم هو بذلك.
وفي عام 2015 أدخلت صحف مجموعة دوغان تغييرات على مجالس تحريرها وخففت من لهجتها الحادة في انتقاد الحكومة وإردوغان، ثم جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في 15 يوليو (تموز) الجاري ليفاجأ الجميع في تركيا أن قناة «سي إن إن تورك» كانت المنطلق الأول لإحباط هذه المحاولة وبعدها أيضا أصبحت المصدر الأبرز للأتراك للحصول على أحدث الأخبار حول التطورات في البلاد.



فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.


اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
TT

اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)

لاحقت اتهامات بانتهاك حقوق الملكية الفكرية شركة «بيت دانس» الصينية، مالكة منصة «تيك توك»، ما دفع الشركة لإعلان عزمها اتخاذ خطوات لتعزيز الحماية في هذا الصدد. وتوقّع خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» أن تسهم مثل هذه الاتهامات «في تغيير طريقة التعامل مع المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي»، مطالبين بوضع قواعد استخدام تحمي حقوق منتج المحتوى الأصلي.

شركة «بيت دانس» كانت قد طوَّرت، أخيراً، نموذجاً للذكاء الاصطناعي حمل اسم «سيدانس 2.0»، وأنتج النموذج عدداً من مقاطع الفيديو التي تحاكي في تفاصيلها مشاهد من أفلام هوليوود، حصدت ملايين المشاهدات على الإنترنت. وهو ما دفع الشركات المُنتَجة للمشاهد الأصلية لاتهام «بيت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهم. ولقد ذكرت «جمعية صناعة الأفلام الأميركية»، التي تمثّل شركات عدة منها «ديزني»، و«يونيفرسال»، و«وارنر»، و«نتفليكس»، في بيان لها، أخيراً، أن «نموذج سيدانس يستخدم على نطاق واسع أعمالاً محمية بحقوق الطبع والنشر الأميركية». وأضافت: «نموذج الذكاء الاصطناعي لبيت دانس يعمل من دون ضمانات فعّالة، ويجب إيقافه فوراً».

بدورها، أقرَّت «بايت دانس» بما عدّتها «مخاوف بشأن برنامج سيدانس 2.0»، معلنة اعتزامها «اتخاذ خطوات لتعزيز إجراءات الحماية الحالية، ومنع الاستخدام غير المُصرَّح به للملكية الفكرية والصور من قبل المستخدمين»، وفق بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

هذا، ويتوافر نموذج «سيدانس 2.0» حالياً بوصفه نسخةً تجريبيةً محدودةً في الصين فقط. وأفادت شركة الاستشارات السويسرية «سيتول ديجيتال سوليوشنز» بأنه «أكثر نماذج توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي تطوراً»، إذ يتفوَّق على نماذج أخرى طوَّرتها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الاتهامات الموجّهة لنماذج الذكاء الاصطناعي بشأن انتهاكات حقوق الملكية الفكرية لن تتوقف. وتابع أن «نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد في الأساس على المحتوى المنشور (المقروء أو المرئي)، ما يجعلها بالتبعية تنتهك حقوق المنتج الأصلي عند توليد أي نوع من المحتوى». وأردف إكو: «إن التطورات المتسارعة لنماذج الذكاء الاصطناعي تحتم ضرورة العمل على حوكمتها، ووضع قواعد تحمي حقوق المنتج الأصلي، وهي قواعد تتضمَّن التفرقة بين معايير الاستخدام التجاري وغير التجاري، والإشارة بوضوح... إلى أن هذا المُنتَج مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، والإشارة للعمل الأصلي الذي استُعين به في توليد هذا المحتوى».

من جهة ثانية، سبق أن أثارت نماذج الذكاء الاصطناعي جدلاً بشأن اعتدائها على حقوق الملكية الفكرية؛ ففي عام 2024 نُشرت مقالات على مدوّنة قديمة متخصصة في التكنولوجيا تابعة لشركة «أبل» تحمل اسم «تي يو إيه دبليو (TUAW)»، مع أنها مغلقة منذ عام 2011، وتبيَّن أن «المقالات الجديدة أنتِجت بواسطة الذكاء الاصطناعي، ونُشرت بأسماء كتاب وصحافيي المدونة السابقين، بعد استيلاء مالك جديد على المدوّنة المغلقة». وهو ما أثار تساؤلات في حينه عن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية لمنتجي المحتوى الأصليين.

في حوار مع «الشرق الأوسط»، صرَّح الصحافي المصري محمد فتحي، المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، بأن «اتهامات الشركات لبايت دانس وتيك توك بانتهاك حقوق الملكية الفكرية ستدفع إلى إعادة صياغة قواعد إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي» وأشار إلى أنه «من دون إطار تنظيمي واضح، يُشكِّل الذكاء الاصطناعي تهديداً مباشراً لحقوق المبدعين، مع استمرار ظهور منتجات تُعاد فيها تهيئة محتوى أصلي دون تعويض أو إذن».

ثم أضاف: «القوانين الحالية حول حقوق النشر لم تُصمَّم للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يؤكد الحاجة لإطار جديد... وهذا الإطار يشمل تحديد معنى الاستفادة المشروعة للبيانات، وأنواع البيانات، التي يمكن استعمالها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن تعويض حقوق للمصادر الأصلية، مع وضع معايير واضحة للاستعمال التجاري، ومعايير يجري على أساسها تصنيف الفيديو المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ليكون مستقلاً عن الأصل، أو متضمناً حقوقاً للمبدعين الأصليين».

ومن ثم، طالب فتحي بـ«تحديث القوانين لتشمل الذكاء الاصطناعي، ووضع تعريف قانوني لكيفية استخدام البيانات للتدريب، وإلزام الشركات باشتراطات شفافة حول مصادر البيانات، ووضع أنظمة ترخيص مرنة وعادلة». ودعا إلى «وجود اتفاقات تسمح باستخدام المحتوى مقابل تعويض، واستحداث تراخيص تشمل نظام مكافآت واضح للمطوّرين... إلى جانب وضع أنظمة تتبُّع وتحرّي محتوى الفيديو لحماية أصحاب الحقوق الأصلية، ووضع علامات مائية ذكية يمكن تمييزها حتى بعد إعادة استعمال المادة المُصوَّرة».

واختتم بالتأكيد على «أهمية تعزيز وعي المبدعين، بشأن كيفية حماية أعمالهم، مع وضع إرشادات حول حقوق الترخيص واستخداماتهم في الذكاء الاصطناعي».


قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟