الحكومة التركية تعلن سيطرتها على مدارس غولن

وزيرا العدل والداخلية التركيان إلى واشنطن لبحث ملف تسليم غولن

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يخاطب مؤيديه بعد صلاة الجمعة في العاصمة أنقرة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يخاطب مؤيديه بعد صلاة الجمعة في العاصمة أنقرة أمس (إ.ب.أ)
TT

الحكومة التركية تعلن سيطرتها على مدارس غولن

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يخاطب مؤيديه بعد صلاة الجمعة في العاصمة أنقرة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يخاطب مؤيديه بعد صلاة الجمعة في العاصمة أنقرة أمس (إ.ب.أ)

يتوجه وزيرا العدل والداخلية التركيان بكير بوزداغ وأفكان آلا إلى واشنطن خلال أيام لبحث ملف تسليم الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه السلطات في تركيا بالوقوف وراء محاولة الانقلاب العسكري الفاشل التي وقعت مساء 15 يوليو (تموز) الحالي. وبحسب صحيفة «خبر7» المقربة من الحكومة التركية، فإن بوزداغ وآلا سيبحثان موضوع تسليم غولن مع السلطات الأميركية بعد أن قدمت أنقرة إليها 4 ملفات تحوي أدلة تثبت تورطه في محاولة الانقلاب الفاشلة.
وأعلن آلا، أمس، أن ملفا خامسا يتم إعداده حاليا، ليتم إرفاقه بالملفات الأربعة التي أُرسلت إلى الولايات المتحدة الأميركية مطلع الأسبوع الحالي. وتواصل الحكومة التركية حملة اعتقالات واسعة بحق من تقول إنهم من الضالعين في محاولة الانقلاب التي نفذتها مجموعة محدودة داخل الجيش التركي، تتبع لمنظمة الكيان الموازي الإرهابية التي يتزعمها فتح الله غولن القابع في ولاية بنسيلفانيا الأميركية. وقال وزير خارجية تركيا مولود تشاووش أوغلو إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى سنوات لتسليم رجل الدين فتح الله غولن، الذي تتهمه تركيا بأنه العقل المدبر لمحاولة الانقلاب الفاشلة.
وكانت واشنطن قد قالت إنه يجب على أنقرة أن تقدم دليلا دامغا على تورط غولن في الانقلاب، وذكر محامون أن أي عملية تسليم قد تستغرق سنوات. وأدان غولن محاولة الانقلاب التي وقعت يوم 15 يوليو (تموز) ونفي أي دور له.
وقال تشاووش أوغلو لقناة «تي.آر.تي» التركية الحكومية: «إذا أردتم التسويف في تسليم غولن، فقد يستغرق الأمر سنوات، لكن إذا حسمتم أمركم، فمن الممكن إتمام المسألة في فترة قصيرة»، وأضاف أن الولايات المتحدة عرضت تشكيل لجنة لبحث تسليم غولن، وأن تركيا مستعدة للمشاركة فيها. وقال إنه يجب عدم السماح لغولن بالسفر إلى دولة ثالثة في الوقت الحالي.
من جانبه قال نائب وزير الخارجية الأميركي، أنطوني بلينكن، أمس الجمعة، إن بلاده تدرس طلب الحكومة التركية بتسليم فتح الله غولن.
وأضاف خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية التونسي، خميس الجهيناوي، بمقر وزارة الخارجية التونسية: «تلقينا طلبا من الحكومة التركية لتسليم غولن.. ندرس هذا الطلب مع نظرائنا الأتراك»، دون أن يضيف تفاصيل أخرى بشأن موعد الرد على الطلب.
وجدد المسؤول الأميركي إدانة بلاده لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وتضامنها مع الشعب التركي، والتزامها بدعم الديمقراطية هناك.
في الوقت نفسه، أعلن مستشار وزارة التربية التركية يوسف تكين أن جميع المدارس التابعة لحركة الخدمة أو لمنظمة «فتح الله غولن» الإرهابية، باتت تقريبا تحت سيطرة الوزارة، حيث تم تنفيذ قرارات إغلاق صدرت بحق نحو 800 مدرسة، كما وضعت الكثير من المدارس تحت الوصاية.
وأوضح تكين، خلال استضافته على قناة «سي إن إن تورك»، مساء أول من أمس، أن قرارات الإغلاق صدرت بعد عملية اتخذت فيها الإجراءات اللازمة مع تلك المدارس، بسبب اتهامها بالعمل ضد النظام الدستوري، مشيرا إلى أن الوزارة بدأت نضالا ضد المنظمة الإرهابية، منذ عام 2013، مع العمل على تحويل «مراكز التحضير لدخول امتحانات الجامعة» إلى مدارس خاصة.
وأشار تكين، إلى أن الإجراءات التي اتخذت في ذلك الحين كانت في إطار القانون، مستطردا أن عملية مماثلة تتم الآن.
وقال تكين، إنه تم الأربعاء الماضي، إلغاء تصاريح عمل 21 ألفا، من أصل 27 ألف مدرس يعملون في المدارس التابعة لغولن، مؤكدا أنه لن يسمح لأحد بالترويج لمنظمات إرهابية ولآيديولوجيات تلك المنظمات بين الأطفال الذين هم أمانة لدى الوزارة، لذلك سيتم إيقاف المدرسين الذين يثبت قيامهم بتلك الأعمال.
وفيما يتعلق بسد نقص المدرسين الذي قد ينجم عن ذلك، قال تكين، إنه «في حال موافقة الحكومة، ستتم الاستعانة بالمدرسين المتعاقدين». وحول إمكانية عودة المدرسين الذين تم إيقافهم، إلى العمل، قال تكين إن ذلك «لن يحدث قبل انتهاء التحقيقات»، مؤكدا أن الإجراءات القانونية هي الفيصل في هذا الأمر.
وفيما يتعلق بنحو 138 ألف طالب كانوا يدرسون في تلك المدارس، قال تكين إن «بإمكانهم الانتقال إلى المدارس التابعة للوزارة». وأفاد تكين أن الحكومة ستتخذ قرارات بخصوص مستقبل المدارس التي تم إغلاقها، قائلا إن تلك المدارس أسست بالثروة الوطنية لتركيا، وبإسهامات فاعلي الخير، ولا يقبل أحد بقاءها مغلقة.
واعتبر تكين أن تأييد المنظمة للانقلابات، ومشكلاتها مع النظام السياسي الاعتيادي، ليست جديدة، حيث إن هناك تصريحات لـ«غولن» تعتبر انقلاب 12 سبتمبر (أيلول) 1980 مشروعا ومقبولا، كما تعاونت المنظمة مع من حاولوا الانقلاب على الحكومة التركية في 28 فبراير (شباط) 1997.
وفي 12 سبتمبر (أيلول) 1980، شهدت تركيا انقلابا عسكريا قاده رئيس الأركان التركي الأسبق «كنعان أفرين» مع مجوعة من الضباط، أعقبه إقالة الحكومة وإلغاء البرلمان والأحزاب السياسية، فضلا عن اعتقال عشرات الآلاف.
وأصدر مجلس الأمن القومي التركي في 28 شباط (فبراير) 1997 سلسلة قرارات، بضغوط من كبار قادة الجيش بدعوى حماية علمانية الدولة من الرجعية الدينية، ما تسبب في الإطاحة بالحكومة الائتلافية التي كانت بزعامة «نجم الدين أربكان»، عن حزب الرفاه، الذي كان مستهدفا من قبل الجيش، وتانسو تشيللر عن حزب الطريق القويم، واعتبر التدخل العسكري وقتئذ، بمثابة انقلاب عسكري غير معلن (سمي بعد ذلك بانقلاب ما بعد الحداثة).
وتصف السلطات التركية منظمة «فتح الله غولن» المقيم في الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1998 بـ«الكيان الموازي»، وتتهمها بالتغلغل في أجهزة الدولة، لا سيما في الشرطة والقضاء والجيش، والوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة مساء الجمعة الماضية. وفي سياق موازٍ، اعتقلت قوات الأمن التركية، ياسمين أوزآتا شتينكايا، محافظ مدينة سينوب شمال تركيا، بعد إعفائها من منصبها، على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة.
وقالت مصادر أمنية، إن فرق مديرية مكافحة الجرائم المنظمة أوقفت شتينكايا، في العاصمة أنقرة أمس الجمعة في إطار التحقيقات المستمرة على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة. وكانت شتينكايا أُعفيت من منصبها في 16 يوليو (تموز) الحالي، فيما كانت محكمة مختصة أصدرت قرارا باعتقال زوجها تمال شتينكايا، وهو ضابط برتبة عقيد، ونائب قائد حامية «سينوب»، عقب توقيفه بتهمة «انتسابه لمنظمة فتح الله غولن الإرهابية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...