المنفي الذي يمكن أن يحبط مخطط إردوغان الكبير

غولن: هدفي الخدمة.. لا السلطة

الداعية فتح الله غولن المطلوب الأول لتركيا في لقطة من منزله في بنسلفانيا بأميركا («الشرق الأوسط»)
الداعية فتح الله غولن المطلوب الأول لتركيا في لقطة من منزله في بنسلفانيا بأميركا («الشرق الأوسط»)
TT

المنفي الذي يمكن أن يحبط مخطط إردوغان الكبير

الداعية فتح الله غولن المطلوب الأول لتركيا في لقطة من منزله في بنسلفانيا بأميركا («الشرق الأوسط»)
الداعية فتح الله غولن المطلوب الأول لتركيا في لقطة من منزله في بنسلفانيا بأميركا («الشرق الأوسط»)

أولئك الذين يبحثون عن مكان «بعيد عن كل المتاعب» في الولايات المتحدة من غير المرجح أن يجدوا مكانا أفضل من البوكونو، وهي منطقة في ولاية بنسيلفينيا تمتزج فيها الجبال والغابات والبحيرات والأنهار، وتقع في منتصف الطريق بين نيويورك وواشنطن. يأتي الناس إلى هنا لينسوا العالم، ويستمتعوا بشلالات المياه في بوشكيل، والصيد في بحيرة والينبوباك الخلابة، أو الخضوع لدروة «استشفاء» في أحد منتجعات المنطقة الكثيرة.
البعض يأتون إلى هنا للاختباء أيضا، ومن هؤلاء شخصيات عصابات من روايات الإثارة والغموض لـهارلان كوبين وجاك هيغينز. ومع هذا، فمؤخرا جدا، بات هذا الركن من «الجنة» الأميركية، بيتا لشخص هارب من نوع خاص يريد أيضا أن يختبئ عن أنظار أعدائه، بينما يواصل الاتصال مع «شبكة» أصدقائه، ومساعديه وأتباعه في أنحاء العالم.
هذا الوافد الجديد، وبعد صار مقيما هنا منذ عام 1999، هو محمد فتح الله غولن، الرجل الذي يحمله الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المسؤولية عن قيادة الانقلاب الفاشل في أنقرة يوم الأربعاء الماضي.
ظاهريا، لا يعدو غولن أكثر من كونه «الزعيم الروحي» لخيط من الجماعات غير الرسمية التي تشكل معا ما يسمى حركة «الخدمة». سبب وجود الحركة، كما ورد عن غولن في بعض من كتاباته، هو أن يثبت أعضاء «الخدمة»، التي توصف كذلك أحيانا بـ«الجماعة» أنهم مسلمون صالحون، بوضعهم أنفسهم في خدمة المجتمع بوجه عام.
هكذا تعبر عن هذا أحد قصائد غولن المفضلة: «ما العبادة إلا خدمة الناس، ليست بالسبحة ولا السجادة».
ولهذا فإن حركة «خدمة» التي يقودها غولن شبكة عملاقة من الشركات التي تتركز في تركيا لكن لها وجود أيضا في أكثر من 12 بلدا آخر بما في ذلك في أوروبا وأميركا الشمالية. تعتمد الشبكة على خلايا شبه سرية من الطرق الصوفية التركية، مثل البكتاشية والنقشبندية، من دون تبني خطابها اللاهوتي أو الفلسفي.
ولد غولن في قرية باسينلر، قرب إرضروم في شرقي الأناضول في 27 أبريل (نيسان) 1941، لعائلة من الدعاة الدينيين الذين عاشوا فترة عصيبة، بسبب النظام العلماني الذي أدخله مصطفى كمال (أتاتورك)، مؤسسة الجمهورية التركية بعد إلغاء الخلافة العثمانية في 1924.
كان على من يبحثون عن تعليم ديني لأبنائهم الاعتماد على بضع آلاف من رجال الدين الذين كانوا لا يزالون موجودين، وكان جد غولن واحدا منهم، كما كانوا يتحصلون على أجر زهيد من إقامة الشعائر الضرورية في حفلات عقد القران أو الجنازات. وبحسب حاشية غولن فإن عددا من أفراد عائلته كانوا يريدون له «تعليما حديثا»، يتفق أكثر مع الحقبة الأتاتوركية. ومع هذا، فقد قرر والده أن يسير الشاب فتح الله على تقاليد العائلة التي تعود لقرنين من الزمن، وأن يصبح عالم دين.
غير أن قريته، باسنيلر، كانت تفتقر إلى المنشآت المطلوبة للدراسات الإسلامية المتقدمة. وبعد مكوث قصير في إرضروم، انتهى بالمطاف بالصغير فتح الله في إزمير، الواقعة على الطرف الآخر من تركيا، حيث لطالما كان التأثير الأوروبي قويا. وهناك أصبح على معرفة بتعاليم عدد من الطرق الصوفية، وتقارب معهم لفترة من الزمن. غير أن المواجهة التي كان لها أن تغير مسار مستقبله جاءت عندما اكتشف كتابات سعيد نورسي، العالم اللاهوتي، الذي كان طموحه «إحياء» المدرسة الحنفية، وهي أحد المذاهب الإسلامية الأربعة، التي يتبعها غالبية الأتراك. في كتابات نورسي اللاهوتية، كانت الفكرة الأساسية هي «النور»، بمعنى أن الهدف الرئيس للإيمان هو بث النور في ظلمة الجهل البشري وهدي الناس إلى «الصراط المستقيم». تستعير المدرسة النورسية بعضا من مصطلحات الصوفية من دون أن تبتعد عن الإيمان باتجاه الفلسفة، كما حذر الإمام أبو حامد الغزالي قبل ألف عام. وبحسب كل الروايات، كان غولن بين خيارين: أن يصبح مفكرا دينيا أو زعيما سياسيا اجتماعيا. جرب الرجل كلا الخيارين. نظم مئات القصائد شبه الفلسفية، يمكن وصف أفضلها بـ«المتوسطة» في أحسن الأحوال، كما نشر عددا من المقالات اللاهوتية التي تتكون في معظمها من عملية إعادة طرح متعجلة للنصوص الحنفية الكلاسيكية.
وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، كان لا بد لغولن أن يدرك أن مستقبله كعالم دين قد لا يكون مشرقا كما كان يأمل من قبل. ومن ثم، فقد غير مساره بحشد مواهبه القيادية التي لا جدال عليها. ومن خلال عقد صلات وثيقة مع مجموعة متعاقبة من الأحزاب الإسلامية، بداية من حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان، نجح في تأمين ما يكفي من النفوذ والاحترام ليجتذب الاهتمام، لكن حافظ على مسافة كافية لا يتعداها، عندما فشلت التجربة بالكامل. تبنى التكتيك نفسه في مواجهة حزب الفضيلة الذي أعقب حزب الرفاه، فيما استمر في بناء شبكة نفوذه الاقتصادي والسياسي والعسكري.
وبعد أن أقام في إسطنبول، أكبر مدن تركيا وعاصمتها الثقافية والاقتصادية، اتجه غولن إلى رجب طيب إردوغان، وهو من المتعاطفين مع الإخوان المسلمين، ونجم صاعد في جيل جديد من «المهندسين المسلمين». يصغر إردوغان غولن بـ13 عاما، وبحسب معظم الروايات، كان يعتبر الداعية الأكبر سنا بمنزلة «الأخ الأكبر والمعلم».
وعلى رغم حاجته إلى دعم غولن لبدء مسيرته، فلم يكن إردوغان تابعا لأحد. كان باستطاعته أن يقف ويقاتل بمفرده، كما فعل من خلال فوزه بمنصب عمدة إسطنبول المهم في 1989، خلفا لبدر الدين دالان الذي كان قد وضع المدينة الرئيسية العظيمة على مسار جديد.
ما من شك بأن غولن لعب دورا مهما، وإن كان وراء الكواليس، في تأسيس حزب العدالة والتنمية الذي أصبح أداة إردوغان للوصول إلى السلطة، أولا رئيسا للوزراء، ثم رئيسا بعد ذلك، و كما يأمل الآن أن يكون نوعا من الزعامة العظمى في فصل جديد من تاريخ تركيا.
من خلال مظهره كشخصية تترفع عن الاختلافات السياسية، تمكن غولن من توحيد ما يزيد على 12 جماعة وحزبا سياسيا مختلفا لتكوين حزب العدالة والتنمية. كان هو «الراعي الأمين»، الرجل الذي «ليس له أي مصلحة شخصية»، والذي يمكن أن يثق به ويعتمد عليه الجميع. في كل اجتماع كان يكرر لازمته المفضلة: «هدفي الخدمة، لا السلطة».
قدم غولن كثيرا من الإسهامات المهمة لتطوير الخطاب الجديد للتيار الإسلامي في تركيا. وكان الإسهام الرئيسي من بين تلك الإسهامات هو قبوله بالعلمانية، وإن كان وفقا للطريقة التي أعاد بها تفسير العلمانية، كان يرى بأن العلمانية الأتاتوركية لم تفصل الدين والدولة، وإنما خلقت مزيجا من الاثنين.
ولتحقيق الفصل الحقيقي، كان على تركيا أن تطور «دولة علمانية في مجتمع ديني»، وبالمعنى التطبيقي، لا بد أن يعني هذا استعادة الأوقاف التي صادرتها الدولة منذ عشرينات القرن الماضي، وبحساب الأوقاف الدينية والشركات التي استثمروا فيها على مدار ما يزيد على 8 عقود، فإنها تمثل ما بين 10 و15 في المائة من الناتج القومي الإجمالي لتركيا. ومن شأن إعادتهم إلى «الشعب» في إطار برنامج واسع من الخصخصة، أن يمنح «المؤمنين الصادقين» قاعدة اقتصادية يمكنهم من خلالها تحدي الدولة متى وإذا حاولت تجاوز سلطاتها.
تسببت الخلافات حول كيفية توزيع الغنائم أول صدع في العلاقة بين غولن وإردوغان الذي مع نمو نفوذه وتعمق ثقته بنفسه، بدأ يستاء من نعته بـ«صبي غولن». أراد إردوغان أن يستأثر بنصيب الأسد بين القاعدة الواسعة من أنصار التيار الإسلامي، لفصيله هو، وأراد غولن نصيبا مناسبا لأنصاره. وبنهاية التسعينات كان غولن قد بدأ يشعر بالقلق بشأن سلامته الشخصية، وتوصل إلى أن مكوثه في المنفى الاختياري لفترة من الزمن ربما يقنع إردوغان بأن حزب العدالة والتنمية لن ينجح من دون دعم «خدمة». وبالنظر إلى هذا القرار الآن، كان ذلك خطأ من غولن.
نادرا ما يعود المنفيون إلى مراكز السلطة، ومعظمهم يموتون في أرض غريبة، بعد أن يكون أنهكهم الحنين للوطن.
كما وكان لغولن دور مؤثر في تشجيع إردوغان على اللعب بالورقة الأوروبية كوسيلة لتبديد المخاوف الغربية من أسلمة السياسة في تركيا، كذلك فإن سلسلة من المبادئ «التقدمية» في ظاهرها، التي تنسب الآن لإردوغان، في أمور كـ«المساواة بين الجنسين» و«الحرية الثقافية للأقليات»، تأتي مباشرة من كتابات غولن الأولى.
كذلك ساهم غولن في التخفيف من حدة صورة الحركة الإسلامية التركية ككل من خلال تكوين علاقات مع زعماء الطوائف الدينية الأخرى. التقى البابا الراحل يوحنا بول الثاني، وكتب زجلا عن «القيم المشتركة». كما صار غولن صديقا مقربا لرئيس طائفة اليهود الشرقيين في إسرائيل، الحاخام إلياهو بكشي دوران، وكان الاثنان يهاتفان بعضهما في كثير من الأحيان، ويتبادلان النكات والأفكار وحديث النميمة. وساعد اتصالات غولن مع الكنيسة الأرثوذكسية في تخفيف حدة المعارضة اليونانية لمحاولات تركيا الانضمام للاتحاد الأوروبي. ومع هذا، فلقد كان حلف غولن - إردوغان يتجه للدخول في أزمة؛ إذ لا يمكن لشخصيتين تبلغان في حجم اعتدادهما بنفسيهما، جبال إيفرست، أن تتعايشا لوقت طويل. يمكن لأربعين درويشا أن يناموا على حصيرة واحدة، لكن لا يمكن لقارة واحدة تسع لزعيمين، كما يقول المثل التركي.
بدأ إردوغان يفكر في أن غولن فاز بالصفقة الأفضل، وجنى كل مكاسب السلطة، وإن كثيرا منها موزع بين أتباعه، لكنه لا يحمل معه أي قدر من عناء المعارك السياسية الشرسة.
جاءت نقطة اللاعودة فيما كان علاقة صداقة جميلة، وإن كانت مضطربة أحيانا، في 2012، عندما بدأ إردوغان تشكيل «مشروع إسطنبول الكبيرة». سيكون هذا أكبر مشروع حضري من نوعه للتجديد وإعادة التأهيل في القرن الجديد في العالم. وتتفاوت التقديرات لحجم الأعمال التي يمكن للمشروع توليدها ما بين 120 إلى 250 مليار دولار. وبالنسبة إلى غولن، فقد كان أمرا لا يمكن التسامح معه بالطبع، أن يذهب كل هذا لفصيل واحد داخل الحركة الإسلامية، فيما ينتهي المطاف بالجيش التابع له من أعضاء «خدمة» إلى الحصول على الفتات، إذا حصل على شيء من الأساس.
تغير توجه غولن تجاه إردوغان ببطء من «الانتقادي الودي» إلى «الانتقادي الخبيث»، وبحلول 2013، صار «الانتقادي العدائي».
يزعم المعجبون بتجربة غولن أنه «رجل يفتقر إلى المعلومات الدقيقة». وهو كذلك بالتأكيد، حتى ولو كان يمتلك مصادر في كل ركن وزاوية من جهاز الدولة، وخاصة المخابرات السرية. بحلول صيف 2013، جاء رسل سريون من أنقرة وإسطنبول بـ«ملفات زرقاء» إلى مقر إقامة المرشد في سايلورسبرغ، كانت الملفات الزرقاء تحتوي وثائق بخصوص طيف من الممارسات الفاسدة المزعومة على صلة، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، بإردوغان أو أسرته.
في لحظة ما، ورغم أنه أنكر ذلك مرارا، بدا كأن غولن قرر أن الوقت قد آن لـ«فضح معارضة» إردوغان على أمل إبعاده عن السلطة. حدث في ذلك الوقت أن تسرب بعض هذه «الملفات الزرقاء» إلى وسائل الإعلام، ما أضعف موقف إردوغان مع استعداد حزب العدالة والتنمية لانتخابات عامة صعبة.
خلص إردوغان، سواء كان محقا في هذا أم جانبه الصواب، إلى أن معلمه وصديقه السابق أعلن الحرب عليه، ومع هذا، فإردوغان ليس إلا مقاتلا، ولهذا دشن في 2014 حملة تطهير واسعة للعناصر الموالية لغولن في كل قطاعات الجيش والقضاء والخدمة المدنية، بل استحوذ على عدد من الشركات، بما في ذلك المنافذ الإعلامية التي كانت تابعة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لحركة «خدمة».
كان أكثر ما يخشاه إردوغان، وربما ما زال يثير مخاوفه، هو أن ينشأ تحالف بين معسكر غولن وأنصار الحركة القومية التركية والأتاتوركيين لوقف صعوده نحو السلطة المطلقة، إن لم يسقطوا نظامه فعليا. ولهذا كان يستعد لموجة ثانية من التطهير في أغسطس (آب)، لكن الانقلاب الذي نفذه مجموعة من الهواة أجبره على التعجيل بخطط التطهير هذه.
أراد غولن نصيبا، لكنه لم يحصل على أي شيء، ويريد إردوغان التركة بالكامل، وقد ينتهي به المطاف وقد خسر كل شيء أيضا.



عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».