متاهة الجماعات المتشددة.. واختطافها للتراث

كتاب مصري يتناول أخطاء «الجهاديين» في فهم ابن تيمية

متاهة الجماعات المتشددة.. واختطافها للتراث
TT

متاهة الجماعات المتشددة.. واختطافها للتراث

متاهة الجماعات المتشددة.. واختطافها للتراث

قلة قليلة من المتتبعين في المجال التداولي الإسلامي تعلم أن الإنتاج العلمي الضخم لابن تيمية لا يمكن قط اختزاله فيما تروج له بعض المشاريع الإسلامية الحركية، سواء كانت دعوية أو سياسية أو متشددة، ولا في موسوعة «مجموع الفتاوى» ولا في حقل معرفي مُعين دون سواه.
من هنا تأتي أهمية كتاب الباحث المصري الدكتور هاني نسيره، الذي صدر بعنوان: «متاهة الحاكمية: أخطاء الجهاديين في فهم ابن تيمية»، عن مركز دراسات الوحدة العربية. (بيروت، ط 1. 2015، صدر العمل ضمن سلسلة أطروحات الدكتوراه (115)، وجاء في 431 صفحة).
ميزة هذا العمل أنه يساهم بداية في زحزحة الاعتقاد السائد لدى القارئ العربي والغربي أيضًا (في حال ترجمة الكتاب أو ترجمة أهم مضامينه)، ولكنه يساهم أيضًا في فك الارتباط السائد منذ عقدين على الأقل بين المتن التيمي والخطاب الإسلامي الحركي في نسخته المتشددة، كما هو قائم مثلاً مع لائحة عريضة من الجماعات السائدة في الساحة، من قبيل تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (المعروف اختصارًا بتنظيم داعش).
أصاب المؤلف كثيرًا عندما أشار إلى أن ابن تيمية يُعتبر من أكثر علماء الأمة ظلمًا وافتراءً عليه بما لم يقل، وقد اختلق عليه خصومه، بدءا من محنته عام 705هـ وفي محنته حتى حبسه الأخير سنة 726هـ، كثيرا من الفتاوى والآراء التي لم يقلها، كما اختلقت عليه رسائل وكتابات لم يكتبها، كرسالة «النصيحة الذهبية»، ووصل الأمر بخصومه أن اتهموه بموالاة التتر في مشاركته الدعوية والإصلاحية غير الجهادية في حرب التتر، في معركة شقحب سنة 702 هـ، ولعل أهم رسائل الكتاب كونه يساهم في رد الاعتبار لهذا الهرم العلمي في مجالنا التداولي الإسلامي، وهذا بإقرار كثير من الرموز الفكرية في الساحة، ونذكر منها طه عبد الرحمن وأبو يعرب المرزوقي وحمو النقاري وغيرها من الأسماء.
ثمة لائحة عريضة من المقدمات أو الدوافع التي تقف وراء اشتغال نسيرة على الكتاب، وقد لخصها في ثلاثة دوافع رئيسية: أولها ضبط مسألة ومشكلة الاشتباه في فهم ابن تيمية، عبر ضبط نسقه، وفق منهج المقولات الحاكمة؛ هناك أيضًا الرغبة في استجلاء فهم هذه الجماعات لشيخ الإسلام ابن تيمية، وتأويله عند المتشددين، وكيفيات القراءة وأدواتها؛ وأخيرًا، إضافة آثار وكتابات ابن تيمية من مسائل الجهادية والإمامة والتكفير والخروج على الحكام، بما يتفق مع نسقه الكلي ويضم شوارده لوحدة خطابه المركزية.
الاشتباه في فهم ابن تيمية
فرضية الدراسة تزكي ما أشرنا إليه سلفًا: «ثمة اشتباه في فهم ابن تيمية في بعض أجزائه»، وهو اشتباه حسب هاني نسيرة، قد يكون موجودًا عند غيره من فلاسفة ومتكلمي وعلماء الإسلام، واختبارًا لصحة هذه الفرضية، سعى الكتاب إلى تعريف وتحديد الهوية والنظام المعرفي لدى كل من طرفي الدراسة: خطاب شيخ الإسلام ابن تيمية من ناحية، وخطاب الجماعات الإسلامية المتشددة المعاصرة من جهة ثانية، مع الكشف عن المقولات الحاكمة والمنطلقات الفكرية والتأسيسية المرتبطة بهما.
توزع العمل على مقدمة وخمسة فصول، حيث جاء الفصل تحت عنوان «ابن تيمية: محطات السيرة وإشكالات الخطاب» في جزأين، تطرق المؤلف في الجزء الأول لمسألة الاشتباه في فهم ابن تيمية، تعريفًا وتمثيلاً، وتطرق في الجزء الثاني لمواضع الاشتباه في مسألة خطيرة، وهي فقه الدعوة والخوارج بين ابن تيمية والمتشددين. في حين جاء الفصل الثاني بعنوان «النظرية السياسية الإسلامية من الماوردي إلى ابن تيمية» حول الفكر السياسي لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأهميته في العمل تكمن في تناول جماعات ذات هدف سياسي ديني تعود إليه، وهي الجماعات المتشددة أو قل «الجهادية»، فكان لا بد من استجلاء نظريته وفكره السياسي أولاً.
أما الفصل الثالث، فجاء تحت عنوان «ابن تيمية وتأسيسات السلفية الجهادية» للتعريف بالأسس الفكرية «للسلفية الجهادية»، وأهم مرجعياتها المعاصرة، وأجيالها المختلفة، وهو ما كان مُهمًا نظرًا إلى غيبة الاهتمام بتأسيسات الخطاب السلفي الجهادي عمومًا، أو موقع ابن تيمية فيه، حيث تطرق المؤلف في الجزء الأول من الفصل إلى ابن تيمية ومسار الحركات الإسلامية المعاصرة، في حين تطرق الجزء الثاني لروايتين مختلفتين حول نشأة التنظيمات الجهادية، قبل التوقف عند تأثير ابن تيمية في البواكير الأولى لأفكار تنظيمات «الجهاد» عند المهندس محمد عبد السلام فرج في «الفريضة الغائبة» ثم في أدبيات وتراث الجماعة الإسلامية المصرية في مرحلة تأسيسها، قبل مرحلة مراجعاتها.
وجاء الجزء الثالث بعنوان «تبلور السلفية الجهادية ومرجعياتها» تعريفًا بأهم رموزها الفكرية وأهم كتاباتهم، وأدبياتهم التأسيسية ثم بالمفاهيم المؤسّسة لخطابهم، وهي مفاهيم أربعة: «توحيد الحاكمية» أو «كفر الحكم بالقوانين الوضعية»؛ وتقسيم الديار بين «دار الإسلام ودار كفر»؛ و«الجهاد ووجوب الخروج على الحاكم»؛ و«الولاء والبراء». ومن هنا جاء الفصل الرابع بعنوان «قراءة مغايرة: مراجعات السلفية الجهادية وابن تيمية»، ومؤسّس على التفصيل في مقتضى الأسئلة التالية: ما علاقة الفتاوى بالنظرية السياسية لشيخ الإسلام بن تيمية؟ وهل يجوز استنطاق واستتباع نظرية سياسية في الإمامة والسياسة، من فتاوى شيخ ابن تيمية تحديدًا، خصوصا أن الفتاوى تظل تاريخية متغيرة وليست مبدأ عامًا كليًا لا يتغير؟ وما القواعد الصحيحة والمعرفية الواجبة في مثل هذا النوع من القراءات؟
أما الفصل الخامس، فجاء بعنوان «مراجعة ابن تيمية من فلسفة الجهاد إلى الفتاوى السياسية»، حيث حاول فيه المؤلف إنتاج قراءة مستقلة عن خطاب الحركات الإسلامية المتشددة، وتأويلاتها لابن تيمية، وكاشفة له في آن، عبر الربط بين الفتاوى والنظر السياسي عند ابن تيمية.
سوء توظيف المتن التيمي
يعج الكتاب بكثير من الخلاصات التي نحسب أنها ستفيد كثيرًا في مشاريع «المراجعات» أو تهذيب الخطاب الإسلامي المتشدد، أو لإدراجها في مشاريع إعادة تأهيل وإدماج المعتقلين الإسلاميين المتورطين في قضايا العنف والتطرف، ونجد في مقدمة هذه الخلاصات، أن كثيرًا ما خالف المتشددون ابن تيمية في كثير من المسائل وخطّأوه، وهو ما ينفي كونه مُلهما أو مَرجعًا، ولكنه كان توظيفًا لغاية الحاكمية، حيث اعتبر المؤلف أنه رغم اللبوس والصياغات السلفية لهذا الخطاب فإنه يغرق في تأويلية جديدة تستهدف الحاكمية فقط.
ليس هذا وحسب، أورد المؤلف عدة نماذج في التسامح وإنصاف المخالف لدى ابن تيمية، منها العفو عمن آذوه من متعصبي المذاهب؛ والتمييز والإنصاف للمخالف؛ وإنصاف الأشعري والأشعرية رغم خلافه مع بعضهم؛ وحمايته البكري الصوري الذي اعتدى عليه بالضرب؛ ونقده للمرزوقية ومتعصبة الحنابلة؛ ورفض تكفير المعيَّن والتماس الأعذار، وجاءت هذه الأمثلة مفصلة في ص 81 وص 88 من الفصل الأول.
من الخلاصات المهمة والمفصلية، تلك المتعلقة بالموقف من التكفير، ففي حين يبدو شيخ الإسلام ابن تيمية رفضًا ومنكرًا لتكفير المعين، يحضر إصرار الجماعات المتشددة المعاصرة على مسائل التكفير، سواء في ذلك تكفير المعين أو التكفير استنادًا إلى أحكام الديار، بل اعترض بعضهم على آرائه فيها صراحة، وخرجوا عليها ولم يقبلوا آراءه فيها، ولم يلتزموا منهجه، مخالفين له، رغم أنهم يستندون بشكل رئيس لفتواه في ماردين التي هي جزء من تصوره للديار في الإسلام، ويشير المؤلف في مقام آخر من الكتاب، وبالتحديد في خاتمة الفصل الخامس أن هذه «الفتوى كانت نظرية»، وحسب تحقيقها النصي تميز في وصفها بالدار المُركبة، بين المغول المسيطرين فعليًا والحكم الاسمي والبروتوكولي للمسلمين؛ بمعنى آخر، ترتيب الخصومة عند الفقيه ابن تيمية تقف ضد الفرق والمذاهب الإسلامية الأخرى، والتحفز ضدها انطلاقًا من هاجس الخطر على العقيدة والدولة السنية، وليس ضد الدولة رغم ما اخترم كثيرًا من حكامها من شوائب الخروج والمعاصي وفي مقدمتهم الناصر بن قلاوون الذي يبجله ابن تيمية في هذه الرسالة. (ص 389).
وفيما يتعلق بالموقف من مسألة الإمامة والحكم، يتضح كذلك أن الإمامة ومسألة الحكم لم تكن مسألة أولوية أو رئيسية في خطاب ابن تيمية وجهاده، وعلى العكس من الحركات والجماعات المتشددة، أكد شيخ الإسلام في «منهاج السنة» ردًا على الشيعة أنها ليست أشرف المسائل في الدين، بل مسألة متأخرة، لأن قضيته الأولى كانت هي التوحيد وإصلاح عقائد الناس وفهمهم للدين، والخوف من الفرق والبدع أكثر من خوفه من الملل والنحل الأخرى، وهذه خلاصة تطرق إليها المؤلف بالتفصيل في مضامين الفصل الثاني من الكتاب، وتحديدًا في الجزء الثاني منه («النظرية السياسية عند ابن تيمية»)، عندما اعتبر أن شيخ الإسلام لا ينكر جوهرية مسألة الإمامة لدنيا الناس ودينهم، عقليًا ونقليًا، ولكنه يرفض وضعها في الأصول، ويرى أن أقل ما يمكن أن تصل إليه أن تكون من الفروع وفق منطق الضرورة. (ص129).
الفروق بين شيخ الإسلام والجماعات المتشددة
إهمال المتشددين للنظرية السياسية عند ابن تيمية، كانت إحدى خلاصات الكتاب، حيث أهملت الجماعات الإسلامية المتشددة والحركات التابعة لها في مرحلتها الأولى، وفي مراجعاتها، أيضًا النظرية السياسية الإسلامية السنية في الإمامة، عندما قبلت منذ البداية بالخروج الذي كان سمة للفرق غير السنية كالشيعة والخوارج، والحال أن الخروج يبدو مستبعدًا في فكر وسيرة شيخ الإسلام الذي كان يتحرك دائمًا من داخل المشروعية الحاكمة وليس خارجًا عليها.
ولعل كبرى خلاصات العمل، تكمن في تسليط المؤلف الضوء على خطأ المتشددين في قراءتهم لشيخ الإسلام ابن تيمية وللمنظومة السلفية بعموم، من خلال تنظيماتهم المختلفة، واستخدامهم مفاهيم خلطت بين الزمني والتاريخي من جهة، والعقيدي والثابت من جهة أخرى، واستخدامهم مفاهيم وحمولات ابن تيمية النظرية بالمفاهيم نفسها المعاصرة والخاصة بها، من ذلك على سبيل المثال، مفهوم الشريعة الذي يستخدمه ابن تيمية بمفهوم كل الدين اعتقادًا وشرائع، خصوصا الأولى، بينما تستخدمه هذه الجماعات بمفهوم القوانين والتشريعات الإسلامية.

* باحث مغربي



مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي
TT

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي، تنتصب الخيمتان العملاقتان اللتان تختصران نبض سوق الفن العالمي وذاكرته، حيث تلتئم نسختا هذا العام من معرَضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لتؤكدا مجدداً أن العاصمة البريطانية ليست مجرد سوق تداول، بل مختبر نقدي حي يتلمس تحولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هذا العام ليستا مجرد مساحات لعرض السلع البصرية الفارهة، بل تحولت تحت أقدام الزوار والقيّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة، مانحةً النقاد فرصة نادرة لتشريح أين يتجه الفن المعاصر، وكيف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين.

إذا تجولنا أولاً في أروقة «فريز لندن»، سنرى كيف انشغل 172 غاليري من مختلف أصقاع الأرض بتفكيك الحاضر وتشريح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مثلاً، يقدم الفنان البرازيلي دالتون باولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاستعمارية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مستخدماً ضربات فرشاة رقيقة وسطوحاً حليبية تمنح شخوصه طابعاً طيفياً يرفض النسيان.

وإلى جوار هذه الصرامة التاريخية، تقتحم الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، فضاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والتآكل والتشكل، لاغية الحدود الفاصلة بين اللوحة ككائن جمالي مستقل وبين الطبيعة في صيرورتها الحية، وهو ما يعيدنا برهافة تشكيلية إلى «فن الأرض» Land art، ولا يقل عنها حضوراً الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكداً أن الملمس المادي للعمل الفني هو جزء لا يتجزأ من حمولته السياسية والنفسية.

وعلى الضفة المقابلة للحديقة، حيث يعيد «فريز ماسترز» كتابة التاريخ الفني بعيون واعية نقدياً، تتجلى بوضوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو» قد شكل العلامة الفارقة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل وهي تعيد تعريف الحداثة الجندرية والإنسانية النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز حضور غاليري «لوفت آرت» مسلطاً الضوء على ريادة الحداثة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الحرفي الأمازيغي. ولا يغفل المعرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات نادي الشارع الثامن (The 8th Street Club) وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكنّ وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظَللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مثل غاليري «بيري كامبل» وتكشف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة.

لغة الأرقام الفنية

أمّا على صعيد لغة أرقام المبيعات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الوزن تجسد صدارة القطع المتحفية عالمياً؛ إذ بيعت لوحة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بروغيل الأكبر لدى غاليري «هاوزر أند ويرث» بمبلغ ناهز 6.5 مليون دولار، تليها لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس بـ1.5 مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو بـ600 ألف دولار بالتساوي مع عمل برونزي لأنطوني غورملي، بينما بيعت لوحة للفنانة كارا ووكر بـ400 ألف دولار.

جغرافيا الفن العربي

ولم يكن الوجود العربي في هذا الحدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هامشية، بل امتداداً لقوة حوارية تفرض حضورها الجمالي والمفهومي بثبات؛ حيث وضعت الصالات العربية بصمتها التأسيسية من خلال مشاركات نوعية شقت قنوات جديدة للرؤية. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعد ورايان تابت، بينما نجحت صالة أثر (جدة/ الرياض) في لفت الأنظار إلى التحولات المعاصرة في المشهد السعودي عبر مقاربات فنية ومفاهيمية للفنانين مثل أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة.

وعلى صعيد «فريز ماسترز»، فرض غاليري «لوري شبيبي» (دبي) حضوره عبر عرض أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثارها الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والذاكرة والنزوح بشاعرية مكثفة.

وسجل غاليري «المرسى» حضوراً لافتأ عبر الاحتفاء بالأعمال الإيقاعية والتجريدية الفريدة للفنان التونسي-الفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسراً بصرياً يمزج بين الذاكرة الأفريقية-العربية والتقاطعات الخطية المعاصرة لتؤكد أن الجغرافيا العربية أضحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل المشهد البصري المعاصر.


«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي
TT

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر، المفضل لدى بطلها «طارق العايق»، الذي يبدو كأنه خرج من عالم الأغنية نفسها، محملاً بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق.

من هذه العتبة يمتد الطابع الشعبي عبر سطح العالم الروائي، المعبأ بأصوات الباعة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولاً إلى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكرة السينما المصرية في تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة.

ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بابنة جيرانه «ميرفت» تتسع أسئلة الخديعة لتطال تصوّرات البطل عن نفسه، وعن النجاح والمكسب والخسارة، وعن حدود إنسانيته داخل المدينة التي ينتمي إليها.

يستعيد طارق حكايته مع ميرفت بوصفها خسارته الكبرى، كأن حياته انقسمت إلى ما قبل هذه العلاقة وما بعدها، غير أن الخسارة العاطفية تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات؛ فالرجل الذي لم ينجح في الاحتفاظ بوهج قصته مع حبيبته، لم ينجح كذلك في تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابس المستعملة في سوق «البالة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحمّله مسؤولية الهزيمة.

وهكذا تتجاوز مفردة «انخدعنا» دلالتها الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة التي تضعها دينا شحاتة داخل بناء سردي يستعير منطقه من لعبة «الدومينو»، لتتوزع الرواية عبر أربع جولات، تتخللها فواصل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولاً إلى «قفلتها» الأخيرة.

لتصبح لعبة الدومينو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والخسارة، بينما تظل كل قطعة مرهونة بما يسبقها وما يليها.

من خلال هذا الترتيب، تسحبنا الرواية من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صوت سردي ثالث هو صوت المدينة، لتكتسب «بورسعيد» حضوراً سردياً مستقلاً، بوصفها ذاتاً تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها.

حدود الراوي العليم

تبلغ هذه الندية ذروتها في تحدي المدينة لمعرفة الراوي العليم نفسه، ووصفه بأنه «الراوي ناقص المعرفة»، لتشمل لعبة الرواية تحدي سلطة السارِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد بورسعيد مع حفر قناة السويس عام 1859.

في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتبط اسمها في الوجدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضاً تاريخاً من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلى مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1967، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها.

ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الروايات الكبرى عن المجد والانتصار، بما فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والحيوات الصغيرة التي توارت خلف التحولات السياسية والاقتصادية، وتستعيد المدينة تاريخ ميلادها بوصفه جرحاً جسديّاً، تتجاور فيه صورة الشريط الساحلي الذي شقته الفؤوس مع أجساد العمال الذين احتضنتهم الرمال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة.

تتبدى أنسنة المدينة في نديتها للبطل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طارق، عشر سنوات لم تكفِ الأيادي عن الحفر، تمنيت لو يتم مسحها من ذاكرتي»، لتمنح خساراته الفردية عمقاً أبعد في ذاكرة المكان، فكما يتمنى طارق نسيان سنوات عمله في التهريب وتجارة الملابس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت.

وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاً. قسوة أن ترى دون فعل؟ وما رأته عيناي في ولادتي، ما كان يجب أن يُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد.

ومن هنا تتجاوز الموازاة بين البطل «طارق العايق» ومدينة «بورسعيد» مجرد التشابه في الخسارة؛ فبينما يرى طارق أن خديعته بدأت مع ميلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حيث تتشكل مصائر الأفراد في امتداد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها.


بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية