من التاريخ: رجل الدولة الأيوبي

من التاريخ: رجل الدولة الأيوبي
TT

من التاريخ: رجل الدولة الأيوبي

من التاريخ: رجل الدولة الأيوبي

لقد كان من الصعب أن يُحسم أمر الحروب الصليبية دون مشاركة مصرية فعالة، فمصر كانت المسرح الثاني لهذه الحملات، وفي اللاحق القريب أصبحت المسرح الأول، فأخذت على عاتقها عبء الدفاع عن الأمة الإسلامية، وهو أمر طبيعي؛ إذ إن مملكة نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي على الرغم من قوتها، فإنها كانت تفتقر إلى الاستمرارية والتجانس الجغرافي والسياسي النسبي، فقد كانت عبارة عن مدن متناثرة غير مرتبطة بفكر موحد بالضرورة أو شعور بهوية مشتركة، فكانت دائما تعتمد على القائد في ذلك؛ فالدمشقي لا تربطه بالموصلي أو الحيفوي أو العكَّاوي إلا رابطة الحاكم الواحد، بل إن بعضهم آثر التحالف مع الصليبيين على الدخول في مملكة نور الدين محمود ووالده عماد الدين من قبله.
ولقد سعى الصليبيون إلى احتلال مصر في العديد من المرات، ولكن جهودهم كانت تفشل؛ تارة لصمود الشعب المصري، وتارة أخرى لأسباب تتعلق بموافقة الخليفة الفاطمي على دفع الجزية لهم. وعلى كل حال، بدأت أحوال الدولة المصرية تضطرب تدريجيا، وبات واضحا أن الخلافة الفاطمية على فراش الموت تحتضر بعدما صارت الأمور في أيدي وزرائها، وكان أشهرهم الوزيران شاور وضرغام، اللذان تنافسا على منصب رئيس وزراء مصر، وقد ملك الأول هذا المنصب وبدأ يكيد لضرغام، ولكن الأخير استطاع أن يحاصره بدعم من الصليبيين، ففر شاور إلى السلطان نور الدين محمود في الشام، مطالبا إياه بأن يرسل جيشا لمصر يسانده في منع وقوع هذه الدولة المهمة في براثن الفوضى، خاصة بعدما سعى ضرغام للتحالف مع الصليبيين لضمان منصبه. ويقال إن الخليفة الفاطمي أرسل رسالة للسلطان محمود تضمنت قصاصات من شعر بناته، وكتب عليها: «أدركني واستنقذ نسائي من أيدي الفرنج». وقد وافق الخليفة الفاطمي على شروط نور الدين محمود مقابل هذا الدعم، المتمثلة في دفع مصر ثلث خراجها، وتحملها تكلفة إرسال القوة العسكرية المطلوبة، وهو ما تم بالفعل. وقد أرسل نورُ الدين أسدَ الدين شيركوه وبصحبته ابن أخيه صلاح الدين، وأعيد منصب رئيس الوزراء لشاور بتفويض من الحاكم الشرعي الخليفة الفاطمي العاضد بعدما تخلص من رئيس الوزراء ضرغام ورمى جثته للكلاب بسبب خيانته.
ولم تكن مصر صيدا سهلا لنور الدين أو الملك عموري ملك بيت المقدس، فلقد دخل الاثنان في صراع مباشر على مصر، فخاضا خمس جولات من الصراع بينهما، وفي كل مرة يتفقان على الخروج من مصر بقواتهما وإعادة الدولة للخليفة العاضد ورئيس وزرائه ضرغام الذي أصبح المسيطر على الأوضاع في مصر، ولكن ميوله لصالح الصليبيين بدأت تظهر تدريجيا، فلقد كان يدرك أن الصليبيين ليست لهم شرعية ليحكموا مصر من خلالها، ولكن نور الدين يستطيع أن يمثل سلطة شرعية يقبلها المصريون، بالتالي، فهو أشد خطرا عليه من الصليبيين، فآثر اللعب لصالح الصليبيين على الانضمام لنور الدين. وما كان من الخليفة الفاطمي الشاب إلا الرضوخ لسياسة رئيس وزرائه، الذي فرض عليه التحالف مع الصليبيين، ولكن هذا التحالف لم يدم طويلا؛ حيث سعى الملك عموري، على غير رغبة ضرغام، لمحاولة الاستيلاء على مصر بحملة كبيرة دخلت إلى مدينة بلبيس واستباحتها بالكامل، فزاد عناد المصريين لمقاومة هؤلاء المحتلين، واضطر ضرغام لتغيير ولائه مؤقتا، فطلب دعم نور الدين محمود، فجاءت الحملة مرة أخرى على عجالة لتقف أمام سقوط مصر في أيدي الصليبيين، وهنا قرر ضرغام حرق مدينة الفسطاط من أجل منع الصليبيين من الاستيلاء عليها، وهي فعلة لم ينسها المصريون له رغم الضرورة الاستراتيجية لذلك من وجهة نظره، تماما مثلما لم ينسوا خيانته وتواطئه مع الصليبين. وقد انتهت الحملة الصليبية بانسحابها من مصر عام 1167، وقام صلاح الدين بقتل ضرغام بنفسه جزاء ما اقترفت يداه، وقام الخليفة المغلوب على أمره بتعيين أسد الدين شيركوه رئيسا لوزراء مصر.
يبرز هنا مرة أخرى الموت بوصفه عنصرا حاسما في تاريخ مصر، تماما كما حدث لصالح محمد علي بعدها بستة قرون؛ إذ سرعان ما مات أسد الدين شيركوه بعد أن تناول وجبة دسمة وكبيرة لم يستطع هضمها، فخلا كرسي رئاسة الوزراء، أو مركز السلطة الحقيقي في البلاد، فتم اختيار صلاح الدين رئيسا للوزراء بدلا منه، ويقال إن البعض أوعز بهذا للخليفة اعتقادا منهم أنه لا يزال شابا في العشرينات من عمره، وبالتالي يمكن أن يؤمن شره ويستمال، لضعف خبرته، ولكنهم تناسوا أن هذا البطل هو الذي صد الحملات الصليبية عن الإسكندرية عندما كانت محاصرة وخرج منها خروج الأبطال، كما أنه ظل يحارب إلى جوار والده وعمه منذ نعومة أظافره، وخبراته تتراكم سنة بعد سنة، وقد انطبق عليه المثل العربي القائل:
ولا تحتقر كيد الضعيف فربما
تموت الأَفاعي من سموم العقارب
وقد تزامن مع ذلك مزيد من الضعف في دور الخليفة الفاطمي العاضد، خاصة بعدما بدأ السلطان نور الدين يضغط على صلاح الدين من أجل حسم مسألة الخلافة بإعادة مصر لعباءة الخلافة العباسية في العراق واستعادتها إلى أهل السنة، ولكن صلاح الدين كان يخشى حدوث ثورة في البلاد لأن فريقا من المصريين كان قد اعتنق المذهب الشيعي، وعندما نودي في إحدى صلوات الجمعة من على المآذن بالصدفة لصالح الخليفة العباسي، فإن الشعب لم يثر على الإطلاق وتقبل الأمر بهدوء واطمئنان، وبالتالي لم يجد صلاح الدين ما يمنع من النداء للخليفة العباسي المستضيء من وقتها فصاعدا من فوق مآذن أرض الكنانة، ويقال إن بغداد تزينت سبع ليال بسبب هذه الخطوة.
لقد لعب الموت مرة أخرى لصالح صلاح الدين الأيوبي؛ إذ مات الخليفة العاضد عليلا قبيل أن يأتيه خبر انتزاع الملك منه، وقد حرص صلاح الدين على عدم إبلاغه بذلك لأنه كان يحبه ويقدر ضعفه ومرضه. ومن مفارقات القدر أن بعض كتب التاريخ تشير إلى أن المعز لدين الله مؤسس الدولة الفاطمية عندما أتى إلى القاهرة طلب من أحد الفقهاء كتابة مجموعة من الألقاب أو الصفات ليتزين بها ومن بعده خلفاء هذه الدولة، فكان آخر لقب كُتب له هو «العاضد»، فشاء المولى عز وجل أن يكون آخر خليفة فاطمي هو العاضد. وعادت مصر إلى أحضان الخلافة العباسية واستمر صلاح الدين رئيسا للوزراء.
لم يؤثر صغر سن صلاح الدين على نضجه السياسي عند توليه مقاليد الأمور في مصر، فلقد كان حاسما منذ اليوم الأول، واستمال البعض بالمحبة، والبعض الآخر بالعنف، فكانت أولى خطواته هي طرد أغلبية من الموظفين الذين دانوا للوزراء السابقين بالولاء، ووضع في مفاصل الدولة رجاله الذين يثق فيهم، كما أنه رفع عن كاهل المصريين بعض الضغوط المالية، فتغنى الشعراء بهذا الاختيار، وكتبوا للقائد الجديد أبياتا من الشعر يمتدحونه؛ منها:
رب كما ملكتها يوسف الـ
صديق من أولاد يعقوب
يملكها في عصرنا يوسف الـ
صادق من أولاد أيــــوب
بينما دعا له شاعر آخر بأبيات جاء فيها:
هنيئا لمصر حوز يوسف ملكها
بأمر من الرحمن كان موقوتا
ما كان فيها قتل يوسف شاورا
يماثل إلا قتل داود جالوتا
واقع الأمر أن العلاقات بين صلاح الدين الأيوبي ونور الدين محمود كانت في توتر منذ أن دانت مصر للأول، فلقد بدأ صلاح الدين يشعر برغبته في نوع موسع من الحكم الذاتي بعيدا عن نور الدين محمود، ولكنه لم يكن ليخلع نفسه من دولته في هذا التوقيت الدقيق، وقد بدأ نور الدين يدرك ذلك مع مرور الوقت. وحقيقة الأمر، أن صلاح الدين لم يخرج عن طاعة نور الدين محمود بشكل رسمي، ولكنه تفادى اللقاء معه كلما طُلب منه ذلك، متعللا كل مرة بأسباب مختلفة، ولكن الموت تدخل مرة أخرى ليُخرج البطل نور الدين محمود من المعادلة السياسية لصالح صلاح الدين الأيوبي، كما لو أن القدر يريد أن ينقل الشارة من بطل استهلكته المعارك والأزمنة إلى شاب يافع يستطيع أن يحمل اللواء ليواجه الخطر الصليبي، دون أن تدور رحى الحرب بينهما فتضعف جبهة المسلمين. فلقد فتح موت نور الدين الطريق أمام صلاح الدين لإعلان نفسه سلطانا على مصر، فاستمال مملكة نور الدين محمود معه بالكامل، فقد كان يملك القوة العسكرية ومركز القوة الجيوستراتيجي في المعادلة، ممثلا في مصر.
لقد ساعد صلاح الدين على هذه الخطوة إصلاحاته الداخلية التي جعلت مصر تدين له بسرعة شديدة للغاية، فلقد استمال الشعب المصري مباشرة من خلال إلغاء المكوس التي كانت تقدر بقرابة مائة ألف دينار سنويا، كما قام بإصلاحات زراعية واسعة، وعكف على إصلاح الري في مصر. من ناحية أخرى، قام بتصفية الميليشيات التي كانت قائمة في ذلك الوقت من أجل تثبيت أركان الدولة المركزية المصرية، وعلى رأسهم الأرمن والصقالبة، بالإضافة إلى بعض الزنج من العبيد، خاصة الطائفة الأخيرة التي دخل معها في صراع مرير إلى أن قضى عليها، فأصبحت القوة المركزية للقاهرة ولا يحكمها إلا هو، مؤكدا مرة أخرى حقيقة أن من دانت له القاهرة دانت له باقي مصر.
ولعل من أهم قرارات صلاح الدين الأولية قراره بعزل كل قضاة مصر واستبدال قضاة ينتمون للمذهب الشافعي بهم، وهي خطوة أراحت كثيرا من المصريين، فهذا الشعب لم يكن شيعي الهوى في أي وقت من تاريخه، كما أنه اتخذ الخطوات اللازمة من أجل جعل الأزهر الشريف منبرا للعالم السني وليس الشيعي كما كان مقصودا من إنشائه.
تعمدت بعض المصادر التاريخية الإشارة إلى صلاح الدين الأيوبي على أنه اتخذ من الوسائل القهرية أداة للسيطرة على مصر، وأنه كان ديكتاتورا قمعيا، تماما كما يحدث اليوم مع محمد علي لتوصيفه على أنه شخص همجي لا يراعي الحقوق الأساسية للمصري. وتقديري أن هذه محاولات فكرية طائشة لإخضاع التاريخ لمفاهيم عصرنا في محاولة لتطبيق بعض المعايير الدولية على عجلة التاريخ التي هي في عزلة عن واقعها وفي غفلة عن زمنها، فالأوضاع في مصر إبان حكم صلاح الدين لم تكن تسمح بخلق توافق في الآراء مبنى على الشرعية القائمة، فمصر كانت في هذا الوقت في ثورة حقيقية أعمق بكثير من أية ثورات مرت بها منذ الثورة ضد الحكم البيزنطي، فمن الخطأ أن نعتبرها مجرد عملية تغيير حاكم قد خلت من قبله الحكام العوج، فما حدث في مصر في حقيقة الأمر كان دخولها مفترق طرق واضحا.. فما الشرعية الجديدة التي ستُحكم بها مصر؟ هل سيستمر الحكم الشيعي؟ كيف سيستتب الحكم السني مرة أخرى بعد مائتين وستة أعوام من الحكم الفاطمي؟ والأهم من ذلك هو: كيف ستحمي مصر نفسها من براثن الاستعمار الغربي ممثلا في الحملات الصليبية المتتالية؟ وكيف ستحمي نفسها من مجموعات من الخونة باعوا الذمم لصالح الصليبيين ومنهم رؤساء وزراء؟ وفي مثل هذه الظروف، فإن الدول تحتاج لرجل دولة يستطيع أن ينتشلها من هذه المعطيات الخطيرة وحالة التفتت المتعمقة،



تداعيات «حرب إيران» على اليابان وكوريا الجنوبية

لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)
لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)
TT

تداعيات «حرب إيران» على اليابان وكوريا الجنوبية

لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)
لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)

لم تنتظر الأسواق الآسيوية طويلاً لتستوعب أبعاد ما جرى في الخليج، فبعد ساعات قليلة من اندلاع حرب إيران أواخر فبراير (شباط)، هوى مؤشر «نيكاي» الياباني أكثر من أربعة آلاف ومئتي نقطة في جلسة واحدة، وانزلق الين الياباني نحو مائة وستين مقابل الدولار. وفي سيول، سجّل مؤشر «كوسبي» COSPI (الكوري الجنوبي) أسوأ انهيار له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وبلغت نسبة التراجع 12 في المائة في يوم واحد. فكانت الرسالة صريحة لا تحتمل التأويل: الحرب ليست حرب المنطقة وحدها، بل هي اختبار وجودي لأمن الطاقة والتوازن الاستراتيجي في آسيا بأسرها. وحقاً يكشف النظر في أرقام الاعتماد النفطي لليابان وكوريا الجنوبية التي نقلتها مجلة «ذي ديبلومات» في عدد 11 مارس (آذار) المنصرم، عن هشاشة بنيوية عميقة؛ إذ إن اليابان تستورد ما يزيد على 95 في المائة من احتياجاتها النفطية من الخارج، وتعتمد في نحو 70 في المائة منها على مضيق هرمز. أما كوريا الجنوبية فتستورد كل برميل تستهلكه تقريباً، وتعتمد على قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة في أكثر من 13 في المائة من وارداتها من الغاز المسال. ولذا فإن إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، بات يشكل تهديداً مباشراً لخُمس الإمدادات النفطية العالمية. وللعلم، فإن ما يزيد على 80 في المائة من النفط والغاز المسال المشحون عبر هرمز كان موجهاً عام 2024 إلى الأسواق الآسيوية، وتتصدّر القائمة كل من الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان. وحين أصابت الطائرات المسيّرة الإيرانية منشآت قطر في رأس لفان، قفزت أسعار الغاز المسال الفوريّة في آسيا لتتجاوز 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، مسجّلةً أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات.

في تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، كانت الدكتورة فاليري نيكيه، الباحثة المتخصّصة في الدراسات الآسيوية بـ«مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية»FRS في العاصمة الفرنسية باريس، واضحة بهذا الخصوص؛ إذ قالت إن «الاحتياطيات الاستراتيجية متاحة لفترة محدودة، وليست حلاً مستداماً، لا سيما أن النفط لا يزال يمثّل نحو 35 في المائة من استهلاك اليابان الأولي للطاقة. أما الحكومة الكورية الجنوبية فقد أعلنت عن تجميد تاريخي لأسعار الوقود، هو الأول منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهدّدت بفرض غرامات على المتلاعبين بالأسعار». وتضيف الباحثة الفرنسية: «بالتالي، ترسّخ هذه قناعة عند صنّاع القرار في طوكيو وسيول بأن التنويع في مصادر الطاقة لم يعُد رفاهاً استراتيجياً، بل صار ضرورة أمنية لا تقبل التأجيل... ومن ثم، فإن الأنظار تتجه أكثر فأكثر نحو الطاقة النووية المدنية، ليس لاعتبارات بيئية فحسب، بل لأنها تقدّم بديلاً حقيقياً عن التبعية لممرّات الشحن المكشوفة».

«الكُمون النووي» والاختبار الإيراني

من جهة ثانية، لعل أعمق ما أثارته هذه الحرب في دوائر الاستراتيجية الآسيوية هو سؤال «الكُمون النووي». والمقصود بهذا المفهوم امتلاك دولة ما القدرة التقنية على صنع أسلحة نووية من دون أن تعلن ذلك رسمياً. أي أنها تمتلك المعرفة التقنية والبنية التحتية الصناعية اللازمة، بحيث تستطيع التحوّل إلى دولة نووية إذا اتخذت قراراً سياسياً.

بيد أن الحرب على إيران أثبتت أن استراتيجية «الكُمون النووي» تحمل في طيّاتها ثغرات جوهرية: ذلك أن الدولة التي تمتلك قدرة قريبة من العَتَبة النووية قد تكون كافية لإثارة قلق خصومها، لكنها ليست كافية لردعهم فعلياً. ولذا فإن اليابان، مثلاً، تتبّنى سياسة «الكُمون النووي» ليس فقط كدرع تقنية، بل كـ«رافعة دبلوماسية».

ووفقاً لتقرير نشرته «مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية» الفرنسية بعنوان «الكُمون النووي: رافعة دبلوماسية مزدوجة الاستخدام»، تهدف اليابان من خلال الحفاظ على قدراتها النووية الكامنة إلى التحوُّط من التهديدات المتزايدة في محيطها الجغرافي، عبر رسالة ردع للصين وكوريا الشمالية مفادها أن اليابان قادرة تقنياً على التحوّل إلى قوة نووية في وقت قصير جداً إذا ما تعرّض أمنها للخطر. وفي الوقت ذاته، توظيف هذا الملف كـ«ورقة ضغط» في علاقتها مع واشنطن، لضمان استمرار «المظلة النووية» الأميركية والحؤول دون تخلي واشنطن عن التزاماتها الدفاعية تجاه اليابان، وإلا فإن اليابان قد تتّجه نحو «انتشار نووي سريع» لضمان أمنها القومي.

هنا تذكّرنا الباحثة نيكيه، في تعقيبها لـ«الشرق الأوسط»، بـ«الحساسية التاريخية» لهذا الموضوع، بالذات في اليابان، فتضيف: «النقاش لا يزال محتدماً بسبب (عقدة) هيروشيما وناغازاكي، حيث يواجه أي توجّه نحو التسلّح النووي معارضة شعبية مبنية على إرث تاريخي مؤلم لا تزال جروحه مفتوحة في ذاكرة اليابانيين».

من جهة ثانية، تبدو كوريا الجنوبية أكثر اندفاعاً وأقل مواربة في مساعيها لامتلاك قدرات نووية بالمقارنة مع اليابان؛ إذ إنه على الرغم من القيود الصارمة التي تفرضها «اتفاقية التعاون النووي المدني مع الولايات المتحدة الأولى» عام 1974 و«الثانية» عام 2015، في ملف تخصيب اليورانيوم، فإن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ يقود منذ وصوله للحكم في يونيو (حزيران) 2025 حراكاً تفاوضياً مكثفاً لتعديل هذه الشروط. ويتركز طموح سلطات سيول حالياً على نيل حق التخصيب لغاية تشغيل غوّاصات تعمل بالطاقة النووية.

واللافت، كما يشرح لـ«الشرق الأوسط»، أنطوان بونداز، الباحث الفرنسي المتخصّص في شؤون كوريا الجنوبية بـ«مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية» في باريس، أن «هناك تحوّلاً جذرياً في الداخل الكوري؛ إذ لم يعد التوجّه النووي حكراً على اليمين المحافظ، بل بات يتمتع بإجماع وطني عابر للأطياف السياسية... ينادي بضرورة امتلاك قدرة نووية مستقلة، وبالأخص لأن كوريا الجنوبية تعيش تحت تهديد مباشر ومستمر من الترسانة النووية لـ«جارتها» كوريا الشمالية، ما يدفع كثيرين إلى الشعور بأن الاعتماد الكلي على الحماية الأميركية لم يعد كافياً الآن».

وبالفعل، فإن هذه الوضعية المشتركة بين اليابان وكوريا الجنوبية فتحت الباب لـ«سيناريوهات» مستقبلية جريئة، تشرحها الدكتورة نيكيه لنا بالقول: «حرب إيران أعادت إلى الواجهة خطر العدو المشترك (أي كوريا الشمالية) والمنافس القوي (أي الصين)، ولذا فمن الممكن جداً التنبؤ بقيام شراكة نووية بين القطبين الآسيويين، حيث يصار إلى دمج الخبرة التقنية المتقدّمة لكوريا الجنوبية بالمواد الانشطارية المتوفرة لدى اليابان»، قبل أن تستدرك فتضيف: «مع هذا، يظل هذا التصوّر مجرّد تكهّنات أكاديمية، ذلك أنه يصطدم بواقع مرير من الإرث التاريخي المُثقل بالخلافات، وثمة عقبات سياسية مهمة تحول دون تحقيق تكامل استراتيجي من هذا النوع في المدى المنظور».

فرضت «حرب إيران» على طوكيو وسيول معادلة صعبة هي:

إما الانخراط في الجهد العسكري الأميركي

وإما التمسك بحياد تتآكل صدقيتُه

الضغط الأميركي... و«ورطة» الاختيار

في مطلق الأحوال، فرضت «حرب إيران» على طوكيو وسيول معادلة صعبة هي: إما الانخراط في الجهد العسكري الأميركي وإما التمسك بحياد تتآكل صدقيتُه. ولقد بلغت هذه الضغوط ذروتها أخيراً مع تصريحات الرئيس دونالد ترمب الذي شّدد على أن «الحماية الأميركية ليست خدمة مجانية»، مطالباً الحلفاء بتأمين إمداداتهم بوسائلهم الخاصة.

في استجابة رسمية، صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي بأن طوكيو ستلتزم بما هو «ممكن دستورياً» فقط، ملمحةً إلى تقديم دعم لوجيستي محدود لتجنّب الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران. أما الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، فقد حذّر من أن سحب المنظومات الدفاعية الأميركية يخلق «فجوة أمنية» تستدعي من سيول تسريع امتلاك قدرات دفاعية أكثر استقلالية. وللعلم، كانت كوريا الجنوبية قد تعرّضت لقلق إضافي حين علمت بنقل واشنطن البطاريات الأميركية المضادّة للصواريخ من أراضيها إلى منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يُعزّز الشعور بأن واشنطن مستعدة لتهميش حلفائها في شرق آسيا متى اقتضت مصالحها الآنية ذلك. وهذا التأثير ليس وهماً أو مبالغة؛ بل ينعكس على حسابات الردع الإقليمية، ويُعمّق الشك في صلابة الضمانات الأميركية الممتدة.

أما اليابان فتجد نفسها أمام معضلة هوية لا معضلة سياسية فحسب؛ إذ إن هذه البلاد التي عانت ويلات الدمار النووي عام 1945، تحمل في دستورها و«هويتها الجمعية» التزاماً راسخاً بنبذ السلاح النووي وترسيخ سيادة القانون الدولي.

وبالتالي، من شأن التداعيات الحاصلة تعميق التوتر القائم بين الولاء للحلف مع واشنطن والانسجام مع المبادئ التأسيسية التي قامت عليها هوية اليابان في مرحلة ما بعد الحرب، مُربكةً بذلك النخب السياسية والرأي العام معاً.

الباحث الفرنسي بونداز، من جانبه، لا يرى في موقف اليابان وكوريا الجنوبية «مجرد تردد ظرفي»، بل يُشخّصه على أنه «أزمة ثقة بنيوية في منظومة التحالفات الأميركية». ويلفت الخبير المتخصص بالشأن الكوري إلى أن نقل منظومات الدفاع الجوي من شبه الجزيرة الكورية شكّل ضربةً لمبدأ الاطمئنان الاستراتيجي الذي طالما أبقى الحلفاء الآسيويين في المدار الأميركي، مُضيفاً أن كلاً من طوكيو وسيول باتت تُعيد رسم خرائط تحالفاتها الاستراتيجية بصمت، بعيداً عن الإعلان الرسمي.في الوقت عينه، ولكن من منظور مغاير، يرى باسكال بونيفاس، مدير «المعهد الدولي والاستراتيجي» IRIS، أن «الغموض الأميركي الاستراتيجي لم يعُد رادعاً، بل أضحى مُقلقاً حتى لأقرب الحلفاء وأكثرهم موثوقية». ووفق بونيفاس، فإن ما تعيشه منطقة شرق آسيا يُمثّل اختباراً حقيقياً لمدى صمود نظام التحالفات الذي بنته واشنطن على مدار سبعة عقود، محذّراً من أن كل تردد أميركي يفتح الباب أمام شكوك يصعب محوها.


إعادة رسم خريطة النفوذ... ونهاية الغموض الاستراتيجي

الدكتورة فاليري نيكيه (معهد اليابان للشؤون الدولية - JIIA)
الدكتورة فاليري نيكيه (معهد اليابان للشؤون الدولية - JIIA)
TT

إعادة رسم خريطة النفوذ... ونهاية الغموض الاستراتيجي

الدكتورة فاليري نيكيه (معهد اليابان للشؤون الدولية - JIIA)
الدكتورة فاليري نيكيه (معهد اليابان للشؤون الدولية - JIIA)

> تتجاوز تداعيات الحرب أبعادها الثنائية مع إيران لتطول بنية النظام الدولي برمته. فالانتشار العسكري الأميركي الهائل في الشرق الأوسط يُفرغ الالتزامات المُعلنة بالمحور الإندو باسيفيكي من مضمونها، ويمنح الرواية الصينية عن «الأفول الأميركي» صدقية ميدانية إضافية.

لقد رصد محللون أن ما يزيد على 40 في المائة من السفن العملياتية للبحرية الأميركية باتت مُحتشدة حول الشرق الأوسط، ما يُقلّص الحضور الرادع في المياه الآسيوية بصورة مباشرة. وفي هذا الإطار، قال سيدريك بيران، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي، إننا نشهد «منعطفاً جيوسياسياً تاريخياً لم يعرف العالم مثيله منذ سقوط جدار برلين»، مشيراً إلى أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية ستسعى بسرعة إلى الضغط على واشنطن لوقف التصعيد. أما زميله كريستيان كامبون، عضو مجلس الشيوخ التابع لحزب الجمهوريين اليميني، فحذّر من أن أي صدمة نفطية ستُلقي بظلالها بصورة كاملة على آسيا أكثر من سواها.

في المقابل، كشفت الحرب عن حدود الدور الصيني بوضوح. فعلى الرغم من «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» التي أبرمتها بكين مع طهران عام 2021، واستثماراتها الضخمة ضمن إطار «مبادرة الحزام والطريق»، لم تتدخل الصين لحماية إيران من الضربات الأميركية الإسرائيلية، ما يؤكد نهجها الحذر في قضايا الأمن الإقليمي. وهذا ما لخّصه لنا الباحث الفرنسي أنطوان بونداز، عندما علّق بأن «الصين تخاطر بأن تبدو عاجزة عن نجدة حلفائها في أوقات الشدة، وهذا واقع يُقوّض رصيدها الجيوسياسي في المنطقة وخارجها. وبالتالي، بناءً على هذه المعطيات ستحتاج كل من اليابان وكوريا الجنوبية إلى تسريع تطوير قدراتهما العسكرية، ولا سيما قدرات الضرب بعيد المدى وأنظمة الدرع الصاروخية المتعددة الطبقات، في مستقبل لم يعد فيه مجال للاتّكال على الضامن الأميركي».

يُفاقم هذا كله أن النظام الإقليمي في شمال شرقي آسيا يعاني أصلاً من ضغوط بنيوية متراكمة: كوريا الشمالية وبرنامجها النووي الذي لا يتوقف، والخلاف الصيني التايواني الذي ينتظر شرارةً قد لا تُشبه سابقاتها. وهنا يحذّر بونداز من أن «خطر تأثير الدومينو نحو اليابان وكوريا الجنوبية قائم فعلاً، إذا ما شكّكتا في الضمانات الأمنية الأميركية».

وبالفعل هذا الخطر بات اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، فبعد الضربات الأميركية على إيران، باتت كوريا الشمالية تأخذ التهديد الأميركي المحتمل لبلادها بجدّية بالغة، من دون التفكير بالتخلّي عن برنامجها النووي، بل على العكس من ذلك. إذ يبدو الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون قادراً على التوجه إلى قياداته العسكرية بالقول: انظروا إيران كونها لا تمتلك القنبلة النووية ينتهى بها الأمر على هذا النحو، فكيف لا نمضي بقدراتنا النووية قدماً...

في سياق آخر، كانت سياسات اليابان وكوريا الجنوبية تُدار منذ عقود وفق منطق الغموض الاستراتيجي المحسوب: تحالف وثيق مع واشنطن، وعلاقات اقتصادية مع بكين، ومسافة حذرة من أي تصعيد. غير أن الحرب على إيران تُضيّق الآن هامش هذا الغموض يوماً بعد يوم، وتطرح على دوائر صنع القرار في طوكيو وسيول سؤالاً ملحّاً؛ إلى متى سنستطيع الموازنة؟

ما يمكن استخلاصه هو أن ثّمة هشاشة مادّية تسبق كل نقاش استراتيجي، إذ غدا معروفاً أن اليابان وكوريا الجنوبية تستوردان معظم احتياجاتهما النفطية من الخليج. وعليه، فمجرّد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز لأسابيع معدودة كفيل بشلّ إنتاجهما الصناعي وإرباك توقّعات نموّهما لسنوات. وحقاً، دفع هذا الواقع البلدين إلى إعادة الاعتبار للطاقة النووية المدنية، لكن التوسّع في البنية النووية المدنية يُقصّر موضوعياً، المسافة إلى عتبة الامتلاك العسكري.

وفي قراءته لمستقبل توجّهات كوريا الجنوبية، يرى الخبير الفرنسي أنطوان بونداز «أن قضية امتلاك أسلحة نووية مستقلة باتت تحظى الآن بتأييد شعبي واسع»، معتبراً أن ذلك «يمثل حسابات استراتيجية أكثر من كونه حماسة مؤقتة، وهذا في ظل شكوك متصاعدة حول صمود الضمانة الأميركية».

أما بالنسبة لليابان، فتُلاحظ الدكتورة فاليري نيكيه «أن تحولاتها الأمنية الأخيرة، رغم ضخامتها، تبقى رهاناً على استمرار المظلة الأميركية أكثر من كونها مشروع استقلالية حقيقية». وتتابع: «الأخطر في المشهد أن الصين لن تخسر شيئاً من هذه الحرب، فانشغال واشنطن في الخليج يُخفف الضغط عن بكين في ملف تايوان، ويكشف محدودية القدرة الأميركية على الوفاء بالتزاماتها في جبهتين متزامنتين. هذا يجعل الحرب على إيران أكثر من نزاع إقليمي، لتغدو اختباراً لصمود النظام الأمني بأسره، وقد تكون نتيجته إعادة رسم خريطة الانتشار النووي في منطقة ظنّت نفسها بعيدة عن هذه المعادلات».


الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا