طائرات «درون».. {السلمية}

بعدما حصدت الأرواح في اليمن وباكستان وأفغانستان.. فتحت الباب أمام ثورة عالمية جديدة

طائرات «درون».. {السلمية}
TT

طائرات «درون».. {السلمية}

طائرات «درون».. {السلمية}

رغم أن أسامة بن لادن، مؤسس وزعيم منظمة القاعدة، لم يقتل بطائرة دون طيار (درون)، فإن هذه الطائرات حصدت العشرات من عناصر «القاعدة»، ومعهم العديد من المدنيين، في كل من اليمن والصومال وباكستان وأفغانستان والنيجر، مما أثار نقاشا كبيرا وجدلا في الولايات المتحدة، وفي الدول التي قتل فيها المدنيون، بشأن جدواها.
لكن الـ«درون» من جهة أخرى تخطت مهمة ما يسمى بالحرب على الإرهاب إلى ميادين سلمية أخرى، ولم تعد النظرة لها الآن مثار ريبة فقط.. بل محل تقدير. والآن أمام الـ«درون»، التي بات تصنيعها لا يتعدى تسع ساعات، مهمة توصيل النت لدول تحجبه، وتوصيل الطلبات إلى المنازل.. وواجبات أخرى تثير الدهشة.. حتى يقال إنه من بين كل خمسة أميركيين سيمتلك واحد طائرة «درون» في القريب العاجل.
ربما أشهر ضحايا الـ«درون» هو اليمني الأميركي من أصل يمني أنور العولقي، الذي ترك الولايات المتحدة واستقر في موطنه الأصلي ليقود حملة هجوم على السياسة الأميركية في المنطقة. قتلته طائرة «درون» في عام 2011. ثار صخب في الولايات المتحدة لمقتل مواطن أميركي: كيف تقتل أميركا أبناءها؟ كانت واشنطن تتهم العولقي بأنه المنظر السياسي لفرع «القاعدة» في اليمن. وبالتورط في سلسلة من محاولات إرهابية، منها محاولة الاعتداء على طائرة لشركة طيران أميركية في عيد الميلاد عام 2009، والتي قام بتنفيذها شاب نيجيري هو عمر الفاروق عبد المطلب، الذي خبأ المتفجرات في ملابسه الداخلية. أما المواطن الأميركي الرابع الذي قتل في الخارج بطائرة «درون»، فهو جود كنعان محمد الذي ولد، بحسب ملف البحث عنه لدى الشرطة الفيدرالية، في عام 1988 في فلوريدا، من والدين باكستانيين.
نبيلة وملالا
حسب استطلاع أجراه، السنة الماضية، مركز «غالوب»، يظل الأميركيون يؤيدون عمليات «درون»، ويتحمس أعضاء الكونغرس لها أكثر منهم.
قبل ثلاثة شهور، وللمرة الأولى منذ أن بدأت عمليات «درون»، ظهر باكستانيون من الذين استهدفتهم طائرات «درون» خلال جلسة استماع في الكونغرس. وظهرت «نبيلة»، الفتاة التي قتلت «درون» بعض أفراد عائلتها. لكن، لم يهتم الإعلام الأميركي كثيرا بالجلسة.
ظهر تناقض بين إهمال «نبيلة» (التي قتلت «درون» أفرادا في عائلتها) والضجة الضخمة حول ملالا (الفتاة الباكستانية التي كادت طالبان تقتلها)، رغم أن أخبارا قالت إن «ملالا»، عندما قابلها الرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض، اشتكت من عمليات طائرات «درون». إذا كان الرئيس بوش الابن هو الذي أمر باستعمال «درون» في ما سماها «الحرب ضد الإرهاب»، فإن الرئيس أوباما ضاعف عملياتها ثلاث مرات تقريبا. في عهده، افتخر البنتاغون بما سماه «خطوة أخرى إلى الأمام في عالم الطيران، وتطورا في الإمكانيات»، وذلك بعد نجاح أول تجربة لطائرة «درون» أقلعت من حاملة طائرات، ثم هبطت عليها بعد فترة. وكان العسكريون الأميركيون نجحوا في تجربة إقلاع «درون» من حاملة طائرات، لكن كانت تلك أول مرة تهبط فيها عليها.
في ذلك الوقت، قال راي مابوس، وزير البحرية، الذي شهد التجربة على حاملة الطائرات «إتش دبليو بوش» (الرئيس بوش الأب)، قرب ساحل ولاية فرجينيا «نشاهد اليوم الجيل الجديد من الطائرات العسكرية البحرية. نشاهد بداية أشياء مثيرة سوف يشهدها المستقبل». هكذا، بعد مرور مائة عام تقريبا على استعمال نوع بدائي من طائرات «درون» في الحرب العالمية الأولى، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على استعمال القوات الأميركية المسلحة المكثف لها في «الحرب ضد الإرهاب»، وبعد بداية حملة انتقادات ضد ذلك داخل أميركا وخارجها، يريد الأميركيون «درون السلام».
قبل أسبوعين، قالت مصادر إخبارية أميركية إن مارك زوكربيرغ، مؤسس ومالك شركة «فيسبوك» للاتصالات الاجتماعية، يتفاوض لشراء شركة «تيتان» الفضائية التي تنتج طائرات «درون»، وإنه يريد استعمال الطائرات لاتصالات «فيسبوك» في أفريقيا والشرق الأوسط وأميركا الجنوبية وآسيا.
وكانت شركة «تيتان» أعلنت أنها ستبدأ إنتاج طائرات «درون» تعمل بالطاقة الشمسية. وتقدر، لهذا، على أن تحلق في الفضاء لفترات طويلة. ولهذا، أكثر المناطق التي يمكن استعمالها فيها هي المناطق الحارة، بسبب توافر الطاقة الشمسية.
وكان زوكربيرغ اشتكى، في مؤتمر تكنولوجي في السنة الماضية، من أنه ضاق ذرعا باستعمال خطوط شركات الاتصالات التليفونية لنقل إشارات «فيسبوك». وسأل «كيف نعتمد، ونحن شركة عالمية عملاقة، على شركات أخرى يمكن أن تزيد أسعارها، أو يمكن أن تقاطعنا؟». وانتقد وكالة الأمن الوطني (إن إس إيه)، بعد كشف عمليات تجسس واسعة شملت اتصالات شركات مثل «فيسبوك» و«تويتر» و«غوغل» و«مايكروسوفت».
وحسب معلومات نشرتها «فيسبوك»، لا يقدر ثلثا سكان العالم على الوصول إلى الإنترنت. نشرت المعلومات في نطاق اتصالات يجريها زوكربيرغ مع رؤساء شركات مثل «سامسونغ» و«نوكيا» و«كوالكوم» لتحسين الاتصالات الإلكترونية حول العالم. وأيضا، لتحاشي عمليات التجسس التي تقوم بها الحكومة الأميركية، أو أي حكومة أخرى.
وقالت صحيفة «تيك كرنش» (المتخصصة في أخبار التكنولوجيا والعلوم) إن خطة زوكربيرغ «ستكون وسيلة جديدة، وأيضا وسيلة سريعة لتوسيع الاتصالات الاجتماعية حول العالم. خاصة في دول العالم الثالث». وأضافت «من دون حفر في الأرض، ومن دون مد أسلاك تحت الأرض، تقدر (درون) الشمسية على نقل الإنترنت إلى أي منزل، وأي مزرعة، وأي مرعى».
وحسب موقع شركة «تيتان»، تقدر هذه الطائرة الجديدة على الإقلاع والهبوط تلقائيا. وتقدر على الاتصال مع أي محطة أرضية من مدار جوي على ارتفاع 65.000 قدم (أعلى بكثير من مدارات الطائرات العادية). وتقدر على البقاء في الغلاف الجوي لمدة تصل إلى خمس سنوات من دون أن تتزود بالوقود. وتقدر على ضمان اتصالات لمسافة 100 ميل (120 كيلومترا تقريبا).
وفي بيان لها، قالت شركة «تيتان» إنها لا تبيع هذه الطائرات في الوقت الحاضر، وإن هذه الطائرات في «مرحلة التطوير»، وإن «العمليات التجارية» ستبدأ في العام المقبل. غير أن الشركة ركزت على «عقودات البنتاغون»، إشارة إلى إمداد العسكريين الأميركيين بطائرات «درون» التي تستعمل الآن في الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان واليمن والصومال وغيرها.
استخدامات مثيرة
قبل شهرين، أعلن جيفري بيزوس، مؤسس ورئيس شركة «أمازون» الذي اشترى صحيفة «واشنطن بوست»، أنه سيستخدم طائرات «درون» لتوزيع الكتب. يطلب الشخص كتابا، وبدلا من الانتظار أياما لإرسال الكتاب من مخزن الشركة الرئيس، تلتقط الكتاب طائرة «درون» من مخزن فرعي، وتنقل الكتاب إلى المشتري، خلال ساعات قليلة، في أقل من الزمن الذي تستغرقه طلبات البيتزا.
خلال الشهر الماضي، أعلنت إدارة الطيران الاتحادية (إف إيه إيه) بداية دراسة لاختبار استعمال طائرات «درون» لأغراض سلمية في مختلف المناخات والمناطق الجغرافية في الولايات المتحدة.
ويعد أعضاء «جمعية واشنطن للدرون»، وهم مجموعة من الهواة وطلاب المدارس، مستقبل «درون» السلمي لا حدود له. يقول كريستوفر فو، رئيس الجمعية، بعد عرض طائرة «درون» في حجم قرص بيتزا، ووزنها ثلاثة أرطال «أريدها أن تهبط هنا (في موقف سيارات) لأختبر قدرتها على المناورة». وقال كارل أرنولد، مهندس في مجال الاتصالات التكنولوجية «هذه مجرد هواية بالنسبة لي»، وكان يعرض طائرة صغيرة، قال إنه صنعها في تسع ساعات.
وكتب دان زاك، صحافي في صحيفة «واشنطن بوست»: «غدا، ستكون (درون) في كل مكان. ستلتقط أشياء من فوق سطح منزل. سترعى أبقارا وأغناما، وستلتقط صور سليف (صور ذاتية يلتقطها الآن التليفون الذكي)».
وفي لقاء «جمعية درون واشنطن»، قال مهندسون كبار في السن، أو شبان يريدون أن يكونوا مهندسين، إنهم يعترضون على لصق سمعة القتل والحرب بطائرات «درون». يرونها «مجرد معجزة تكنولوجية»، حتى قبل أن تستعمل لأغراض عسكرية، ويعتبرون استعمالاتها العسكرية شيئا هامشيا.
يقول رجال أعمال إنهم يبحثون عن فرص استثمار أموالهم في مثل هذه المشاريع، إذا اقتنعوا بان لها فوائد في المستقبل. قال أحدهم إنه يأمل في صناعة «درون» تراقب الأبقار، أو تشرف على المزارع، وذلك بالتحليق، والتقاط صور للمناطق المروية، وغير المروية، والتي جاء وقت حصادها، أو لم يجئ.
وقال مستثمر آخر إنه يخطط لطائرات «درون» مثل مصور طائر. يلتقط صور الزفاف، مثلا، ليس فقط بالوقوف أمام العروسين، ولكن بالتحليق فوقهما.
غير أن دان زاك، صحافي «واشنطن بوست»، كتب قائلا «إذا حدث هذا، ربما يخاف العروسان والحاضرون. ربما يعتقدون أنها طائرة (درون) تحمل صواريخ هيل فاير (نار الجحيم)، مثل التي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قتلت في اليمن عشرة أشخاص كانوا يحضرون حفل زفاف».
رئيس «جمعية واشنطن للدرون» يقول إن تكنولوجيا هذا النوع من الطائرات لا تزال في بدايتها، وإن أبحاثا كثيرة يجب أن تجرى قبل الوصول إلى النوع الذي «يمكن أن يفعل أي شيء يطلبه منه صاحبه». ويعتقد تيموثي رويتر، من قادة الجمعية، أنه، على الأرجح «سيكون وسط كل خمسة أميركيين.. واحد يملك طائرة درون».
دول أخرى على الخط
بعد أن أثارت «درون» الاهتمام في العالم بعد كثرة استخدامها في الحرب الأميركية ضد الإرهاب، خاصة في أفغانستان، وباكستان، واليمن، والصومال، بدأت دول أخرى تنتج هذا النوع. في عام 2000، كانت الولايات المتحدة تحتكر صناعة وتطوير هذه الطائرات. ثم صارت تنتجها كل من بريطانيا وإسرائيل أيضا.
وفي عام 2010 وفي استعراض جوي، فاجأت الصين العالم، وكشفت عن 25 موديلا جديدا من هذه الطائرات. وفي عام 2011، قدرت البرامج البحثية لتطوير هذه الطائرات عن طريق الحكومات، أو الشركات، أو المعاهد البحثية في العالم بـ680 برنامجا. وفي عام 2012، قال تقرير للكونغرس إن هناك 76 دولة تعمل على تطوير وتصنيع 900 نظام من نظم الطائرات من دون طيار، وإن العدد قفز من 41 دولة في 2005، وإن سبب هذا الإقبال هو النجاح الذي أظهرته الطائرات خلال حروب أميركا.
ومن الدول التي قررت الاستثمار في هذا النوع من الطائرات للمنافسة العسكرية والاقتصادية مصر، وتونس، والجزائر، وسوريا، والإمارات العربية المتحدة، وإيران.
وحسب التقرير، تعمل السويد، وإسبانيا، واليونان، وإيطاليا، وسويسرا، وفرنسا، على برنامج بحثي مشترك لصناعة طائرة حربية من دون طيار عالية التقنية.
مهام التجسس
في عام 2011، كشف مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي)، روبرت مولر، أن المكتب يستخدم طائرات «درون» لمراقبة أشخاص داخل الولايات المتحدة ولكن «بشكل محدود جدا». وكانت هذه أول مرة يكشف فيها أميركيون أن «درون» تستعمل داخل الولايات المتحدة، ليس مباشرة في «الحرب ضد الإرهاب»، ولكن لأهداف أخرى أيضا.
جاء هذا «الاعتراف» خلال جلسة استجواب في اللجنة القضائية التابعة لمجلس الشيوخ. وكان من الذين استغربوا السيناتور الجمهوري تشاك غراسلي الذي سأل مولر «هل تستخدم طائرات من دون طيار للمراقبة داخل أراضي الولايات المتحدة؟» فرد مولر، الذي كان أقسم بقول الحق في بداية الاستجواب «بطريقة محدودة جدا، وبشكل نادر جدا».
لم يقدم مولر تفاصيل خلال الجلسة. لكن، في وقت لاحق، أصدرت «إف بي آي» بيانا قالت فيه إن الطائرات من دون طيار تستخدم فقط لمراقبة «أهداف غير متحركة». وتهدف «لتفادي تعرض رجال الشرطة لمخاطر شديدة، وهم يؤدون واجباتهم». بالإضافة إلى «إف بي آي»، وبسبب الضجة حول هذه التصريحات، اعترفت إدارة الهجرة والجوازات (آيس) بأنها تستخدم «درون»
بعد هذا الاعتراف الثاني، وخلال حلقة نقاش على الإنترنت أشرف عليه محرك البحث «غوغل»، واجه الرئيس أوباما سلسلة أسئلة ملحة عن عمليات طائرات «درون»، وعما إذا كانت الحكومة الأميركية تستخدمها داخل الولايات المتحدة. ونفى أوباما استخدام تلك الطائرات داخليا ووعد بتقديم مزيد من التفاصيل والالتزام بالشفافية. لكنه، حقيقة، لم يفعل.
السيناتور تشاك غراسلي (جمهوري، ولاية أيوا) قال في تصريح إن وزير العدل، إيريك هولدر، أكد له كتابة أن إدارة مكافحة المخدرات (دي آي إيه)، ومكتب مراقبة الكحول والتبغ والأسلحة (آي تي إف) «اشتريا طائرات من دون طيار، لاستخدامها في تطبيق العدالة». وأضاف غراسلي لتلفزيون «سي إن إن»: «إذن يوجد سبب يتعلق بتطبيق القانون بصورة شرعية يبرر استخدام تلك الطائرات، يجب أن يصرحوا بذلك علنا. بسبب انعدام الثقة في الحكومة، علينا أن نوضح هذه الأمور».
في ذلك الوقت، جاءت الانتقادات في الكونغرس من قادة في الحزب الجمهوري، وذلك لأن قادة الحزب الديمقراطي ظلوا يدافعون عن استعمال الرئيس أوباما لطائرات «درون»، سواء خارج أميركا، أو داخلها، رغم أن القادة الجمهوريين لم ينتقدوا الاستعمال خارج أميركا.
السيناتور الجمهوري راند بول أعرب عن قلقه بشأن عمليات المراقبة الداخلية. وقال إن الطائرات من دون طيار يجب ألا تستخدم من دون مذكرة تفتيش من المحاكم. وأضاف «أعتقد أنهم لا يحصلون على مذكرات للقيام بهذه الأمور، وأنا أعارض ذلك». وأضاف «يمكن أن يخاف الأميركيون من هذه الطائرات التي يتيح لها حجمها الصغير الهبوط على شباك أحد المنازل، أو الدخول إلى المنزل. أعتقد أن هناك طائرة يقل وزنها عن كيلوغرام واحد».
معارضة «درون» الخارج
في عام 2010، كان جون برينان، مستشار الأمن الوطني للرئيس باراك أوباما، وأصبح، في ما بعد مدير «سي آي إيه». في ذلك الوقت، قال إن الولايات المتحدة، بدلا من استعمال «المطرقة» في حربها ضد الإرهاب، تقدر على الاعتماد على «المشرط». قصد أن هذا النوع الجديد من الحرب، بدلا من الحروب التي تكلف الكثير من أرواح الأميركيين والمال، صار مثل جراحة دون مضاعفات.. جراحة سهلة وسريعة.
وفي مقابلة مع «الشرق الأوسط»، قال مارك مازيتي، الحائز لجائزة «بوليتزر» للصحافة، والذي يعمل مع صحيفة «نيويورك تايمز»: «إنها ليست جراحة بالمشرط.. بل جراحة بالسكين، لأنها غير دقيقة، وتخطئ وتصيب، ودمها يلوث المريض والطبيب». وأضاف «للمرة الأولى في تاريخنا، وفي تاريخ الحروب، يمكن قتل الأعداء وهم على مسافة آلاف الأميال. الآن، يقدر الرئيس الأميركي، بدلا من إعلان حرب على بلد ما، أن يجتمع مع مستشاريه داخل البيت الأبيض، وينظر إلى قائمة بالأسماء، ويؤشر على اسم ليقتل صاحبه في باكستان، أو أفغانستان، أو اليمن، أو بلد آخر بعيد».
معارضة عامة
تبدو أن معارضة الناس خارج الولايات المتحدة لهجمات «درون» ليست إلا جزءا من معارضة عامة للسياسة الأميركية (خاصة في الدول العربية والإسلامية) وليست إلا جزءا من اتهامات «استعلاء» أميركي على بقية الشعوب.
عن هذا قال لـ«الشرق الأوسط» لانس جونسون، مؤلف كتاب «ما يجب أن يعرفه الأجانب عن أميركا: من ألف إلى ياء»: «لا أستعمل كلمة استعلاء. لكن، لا أنفي أننا نحب أن نتنافس، وطبعا، نحب أن نفوز.. غير أن شعوبا كثيرة ترى أن هذه المنافسة تتعدى، أحيانا، حدودها».
لم يدافع جونسون عن عمليات «درون»، لكنه قال «خلال مقابلاتي مع أجانب، هنا وفي الخارج، سمعت أسبابا كثيرة. سمعت شكوى متكررة، حتى من الأوروبيين، بأننا لا نعرف الكثير عن أي شعب، ولكن عن أنفسنا. إلى حد ما، هذا صحيح. نحن نتكلم لغة واحدة فقط. لا نسافر إلى الخارج كثيرا. نميل إلى التركيز على أنفسنا. نحب العمل. لهذا، يقول الأجانب إننا لا نهتم بالشعوب الأخرى، وإن سياسات حكومتنا نحوهم عدائية، سواء عسكرية أو سياسية. لكن، ببساطة، ليس هذا صحيحا بالنسبة للأميركي العادي».
وفي سؤال من «الشرق الأوسط» إلى بيل كيلار، رئيس تحرير سابق لصحيفة «نيويورك تايمز»، والآن كاتب زاوية فيها، يقول «كثيرون خارج الولايات المتحدة (خاصة وسط المسلمين والعرب) يتذمرون بسبب هجمات درون، والعمليات العسكرية الأميركية الأخرى في الدول العربية والإسلامية، منها غزو واحتلال كل من أفغانستان والعراق..هذا منطقي.. نحن فعلنا أشياء كثيرة جعلت العالم الإسلامي يغضب علينا، ولا يثق فينا. لا أعتقد أننا، معشر الأميركيين، نفهم جيدا الإهانة التي يحس بها شعب آخر عندما تحتل دولة أجنبية وطنه. ويعود هذا إلى أننا لم نتعرض لاحتلال أجنبي».
وأضاف كيلار «لكن، يجب ألا تنسى الآتي: أولا.. أحيانا، تدخلنا للدفاع عن المسلمين، مثلما فعلنا في البوسنة وألبانيا. وأحيان تدخلنا لتحرير المسلمين، مثلما فعلنا في ليبيا. ثانيا: كلفنا احتلالنا لدول إسلامية آلافا من أرواح مواطنينا. ثالثا: يقل كثيرا عدد المسلمين الذين قتلناهم، أو عذبناهم، عن عدد المسلمين الذين قتلهم، أو عذبهم، مسلمون».
ويعترف كيلار بأخطاء عمليات طائرات «درون» وعمليات قتل عسكرية أميركية أخرى. لكنه يقول إن «درون»، والأسلحة الأميركية الأخرى تقتل مسلمين أقل ممن يقتلهم مسلمون مثلهم.

* تاريخ «درون»
* مع نهاية الحرب العالمية الأولى، اخترع البريطاني آرشبولد لو (توفي سنة 1956) أول طائرة من دون طيار، وكان عالما لاسلكيا تخصص في الاتصالات اللاسلكية.
* بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، طور الأميركيون الاختراع. وتخصصت في هذا المجال شركة «تيتان» للصناعات الجوية (هي الشركة نفسها التي تريد شركة «فيسبوك» شراءها). في ذلك الوقت، كان الهدف هو تدريب قوات الصواريخ المضادة للطائرات، وذلك بإطلاق الطائرة، ثم إسقاطها بصاروخ. من هنا جاء اسم «تارغيب درون» (هدف اختباري، من دون فائدة فعالة). ويشير ذلك إلى أن «درون» شيء غير مفيد، وهو اسم ذكر النحل الذي لا يلسع، ولا ينتج عسلا (عكس النحلة الأنثى).
* خلال الحرب العالمية الثانية، وضع الأميركيون كاميرات في طائرات «درون»، للتجسس على الأعداء، ثم وضعوا صواريخ فيها، لضرب الأعداء.
* في سنة 1951، اخترع الأميركيون أول طائرة نفاثة من دون طيار، وسلحوها، وطلوها بلون أحمر، وسموها «فاير بي» (النحلة النارية). وأكدوا أن «درون»، حقيقة، ذكر نحل لا يلسع، ولا ينتج عسلا. لكن، يمكن أن يقتل ويدمر. في ذلك الوقت، لم تكن «درون» تقلع وتهبط تلقائيا كما تفعل اليوم. كانت تحملها طائرات، ثم تطلقها في الجو. وبعد نهاية مهمتها، تلتقطها طائرات هليكوبتر، أو تزود بمظلات تساعدها على الهبوط.
* حسب تقرير الجيش الأميركي: «عيون الجيش: خريطة طريق أنظمة الطائرات من دون طيار من سنة 2010 إلى سنة 2035»، الاسم الرسمي لطائرة «درون» هو «أنماند إيركرافت فيكل» (مركبة طائرة من دون طيار)، ويختصرها العسكريون باسم «يو إيه في» وهي الأحرف الأولى للاسم.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.