موسكو تشدد قوانين مكافحة «الإرهاب».. والمعارضة تحتج

سنودن: القانون الجديد يشكّل انتهاكًا للحقوق غير مبرر ولا يمكن تنفيذه وينبغي عدم نشره

إيرينا ياروفايا - إدوارد سنودن
إيرينا ياروفايا - إدوارد سنودن
TT

موسكو تشدد قوانين مكافحة «الإرهاب».. والمعارضة تحتج

إيرينا ياروفايا - إدوارد سنودن
إيرينا ياروفايا - إدوارد سنودن

وجه إدوارد سنودن انتقادات حادة اللهجة لحزمة تشريعات أقرها مجلس الدوما الروسي (مجلس النواب) في مجال مكافحة الإرهاب، وحذر سنودن، الموظف سابقًا في الاستخبارات الأميركية، والذي يحمل حاليًا صفة «لاجئ مؤقت» في روسيا من الانتهاكات للحريات التي تنطوي عليها تلك التشريعات. وفي تغريدة له على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي كتب سنودن أن «الرقابة الشاملة لا تستقيم»، وأن «حزمة التشريعات الجديدة ستكلف الكثير من الأموال، وسيدفع ثمنها كل روسي من حريته دون أن تؤدي إلى تحسين الأمن». وقال إن «القانون الروسي الجديد يشكّل انتهاكًا للحقوق غير مبرر ولا يمكن تنفيذه وينبغي عدم نشره».
وإلى جانب «اللاجئ» الأميركي سنودن وجهت مؤسسات رسمية حكومية، وأخرى حقوقية، وشركات اتصالات، ووسائل إعلام روسية، انتقادات حادة لنصوص تشريعات مكافحة الإرهاب، التي أقرها مجلس الدوما، والتي كانت مثار جدل منذ أن عرضتها على المجلس رئيسة لجنة لشؤون الأمن في الدوما، البرلمانية عن حزب «روسيا الموحدة» (حزب السلطة) إيرينا ياروفايا، والتي صاغت نص القانون بالتعاون مع فيكتور أوزيروف رئيس لجنة الشؤون الأمنية في المجلس الفيدرالي.
وكان مجلس الدوما قد أقر خلال آخر جلسة له يوم الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) القانون المعروف باسم «قانون ياروفايا»، أو «حزمة تشريعات ياروفايا - أوزيروف» في مجال مكافحة الإرهاب. وبعد تعديلات أدخلت على نص القانون المذكور منح 287 برلمانيًا أصواتهم لصالح الدستور، بينما رفضه 147، وامتنع برلماني واحد عن التصويت، علمًا بأن كل الأصوات التي وافقت على مشروع القانون هي أصوات أعضاء تكتل حزبي «روسيا الموحدة» و«روسيا العادلة» في البرلمان، الذين كانوا قد أيدوا مشروع القانون في القراءة الأولى في الثالث عشر من مايو (أيار)، بينما رفضت كتلتا الحزب الشيوعي والحزب الليبرالي الديمقراطي المشاركة حينها في التصويت، واعتبرتا أن التشريعات في القانون «تتناقض مع الدستور».
أما الفقرات الأكثر جدلاً في نص مشروع القانون فهي تلك التي تنظم عمل شركات الاتصالات والإنترنت، ففي إحدى الفقرات يفرض القانون المذكور على شركات الإنترنت «الاحتفاظ بالمعلومات عن إرسال واستقبال الاتصالات، ونصوص الرسائل، وملفات الصور والصوت والفيديو على الأراضي الروسية لمدة عام واحد»، بينما يطالب شركات الاتصالات بالاحتفاظ بنفس المعلومات لكن لمدة ثلاث سنوات، هذا على أن يتم الاحتفاظ بمضمون المحادثات (خلال الاتصالات)، ونصوص الرسائل لمدة تصل حتى ستة أشهر. وفي فقرة أخرى تُلزم «حزمة تشريعات ياروفايا - أوزيروف» شركات الاتصالات والإنترنت بتقديم معلومات حول المستخدمين والخدمات المقدمة لهم. أما برامج «الماسنجر» بمختلف أنواعها، وكذلك شبكات التواصل الاجتماعي، فيُلزمها القانون المذكور بأن تقدم «مفتاحًا» لفك التشفير، بحال كانت تستخدم «آليات تشفير» إضافية، وعدم الامتثال لهذا الأمر سيؤدي إلى معاقبة المواطن بغرامة مالية من 3 إلى 5 آلاف روبل، والشخصيات الرسمية (المسؤولين) بغرامة من 30 إلى 50 ألف روبل، أما الشخصيات الاعتبارية فتتراوح غرامتها ما بين 800 ألف وحتى مليون روبل روسي. أما التعديل الآخر الذي أُدخل على التشريعات فهو المتعلق بسحب الجنسية ممن يثبت ضلوعه في نشاط إرهابي، أو يروج للإرهاب والتطرف، حيث تم حذف هذه الفقرة بعد موجة اعتراضات واسعة من جانب حقوقيين وسياسيين أشاروا إلى أن سحب الجنسية إجراء يتناقض مع نص الدستور الروسي.
وعلى الرغم من أن التعديلات خففت فترة الاحتفاظ بالمعلومات فإنها لم تجعل نص التشريعات أفضل في المجال الحقوقي، ذلك أنها تلزم الشركات بتقديم كل المعلومات التي تحتفظ بها (تخزنها) للجهات الأمنية دون قرار قضائي، ما جعل بعض وسائل الإعلام الروسية تكتب في تعليقها على القانون المذكور أنه سيؤدي إلى «انتهاك سرية الاتصالات (أي الخصوصية)، وتراجع مستواها وزيادة تكلفتها، وكذلك الأمر بالنسبة للإنترنت». وكان لافتًا أن الانتقادات التي طالت «تشريعات ياروفايا - أوزيروف» جاءت من جهات رسمية روسية إلى جانب كبرى شركات الاتصالات والإنترنت. إذ انتقد «مجلس الخبراء» لدى الحكومة الروسية القانون، واعتبر أن «تخفيض الفترة الزمنية التي يجب على الشركات الاحتفاظ خلالها بالمعلومات (تخزين المعلومات) لمدة ستة أشهر لن ينقذ شركات الاتصالات، ذلك أنه للاحتفاظ بحجم كهذا من المعلومات سيضطرون بكل الأحوال لإنشاء منظومة تخزين ومعالجة جديدة، وتكلفة هذه المنظومة تزيد على حجم دخل كبرى شركات الاتصالات خلال سبع سنوات»، وفق ما جاء في تقرير أعده مجلس الخبراء لدى الحكومة الروسية حول تشريعات ياروفايا. أي أن مجلس الخبراء في الحكومة الروسية يرى أن الامتثال لنص «قانون ياروفايا» سيكون شبه مستحيل من الجانب المادي، ومعقدا للغاية من الجانب التقني.
وكانت كبرى شركات الاتصالات في روسيا قد قدمت لمجلس الخبراء لدى الحكومة جدوى اقتصادية حول تكلفة إنشاء مراكز لمعالجة وتخزين المعلومات، وأشاروا إلى أن مثل هذا العمل سيكلف 50 مليار روبل روسي، بينما قدرت مؤسسة «روس تيليكوم» الحكومية الروسية، أكبر مخدم اتصالات في البلاد المبالغ التي قد تنفقها على هذا الأمر بما يقارب واحد تريليون روبل روسي سنويًا. أما شركات الاتصالات الصغيرة فيحذر الخبراء في المجلس الحكومي من أنها لن تتمكن من الالتزام بنص التشريعات، وستعلن إفلاسها. وفي وقت سابق حذر نيكولاي نيكيفوروف، وزير الاتصالات الفضائية من أن إقرار مشروع قانون ياروفايا «سيؤدي إلى زيادة مؤلمة جدًا على أسعار الخدمات»، بينما قدر سيرغي إيمدين، المدير العام لشركة «تيلي2» أن القانون المذكور سيؤدي إلى ارتفاع أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت بمرتين عما هي الآن.
إلى جانب العقبات المالية التي تجعل الامتثال لنص القانون أمر شبه مستحيل، هناك الجانب التقني، والآخر المتعلق بالحقوق. في هذا الشأن أشار ميخائيل غابريليان نائب رئيس مجموعة «mail.ru» إلى أن مطالبة القانون بأن نقدم كل المفاتيح لفك التشفير إلى هيئة الأمن الفيدرالي الروسية (وريثة الكي جي بي) عمل يستحيل تنفيذه، موضحًا أن المفاتيح في برامج الاتصال الرقمية الحديثة تكون لدى المتصلين، ولا تكون لدى الشركة التي تقدم الشبكة. وفي الجانب الحقوقي يرى غابريليان أن «تقديم الشهادات التي تساعد على فك التشفير لهيئة الأمن الفيدرالي ينطوي على تقييد خصوصية المراسلات بين المستخدمين، وهذا أمر من صلاحيات القضاء، ويمكن اللجوء إليه فقط بحق شخص محدد». وتتفق إيرينا ليفوفا، العضو في مجموعة «الاتصالات وداعش» مع الرؤية التي عبر عنها غابريليان، وتضيف أن «تقديم كل كلمات المرور، ووسائل وصول المواطنين إلى المعطيات المالية أو غيرها من معطيات خاصة، تقديمها لهيئة الأمن الفيدرالي الروسي يشكل انتهاكا للدستور». كما لم يكن مجلس الخبراء لدى الحكومة الروسية بعيد جدًا عن وجهتي النظر السابقتين، وحذر من أن «تجميع كل تلك المعلومات لدى جهة واحدة سيجعلها أقل حماية وضعيفة أمام الاختراقات من جانب قراصنة الإنترنت، والإرهابيين والاستخبارات الأجنبية».
هذه ليست كل الانتقادات التي صدرت عن جهات حكومية ورسمية روسية، كما وعن جهات حقوقية وشركات اتصالات لنص «تشريعات ياروفايا - أوزيروف»، إلا أن الواقع اليوم هو أن مجلس الدوما أقر في جلسته الختامية تلك التشريعات، التي يرى مراقبون أنها ستبقى مثار جدل، ولن يكون من السهل إقرارها قريبًا في المجلس الفيدرالي.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».