بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب

دعاة «البقاء» يحذّرون من المجازفة بالاقتصاد.. ومناصرو «الخروج» يلوّحون بـ«غول» الهجرة

بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب
TT

بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب

بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب

حدّقت لورين هوتن، وهي طالبة جامعية بريطانية تدرس اللغات وعلم الاجتماع في جامعة ويستمنستر بلندن، بمحتويات صحيفة ما حال إلى تأجيل إكمالها وجبة طعام قدمتها لها نادلة بولندية. وبعد فترة وجيزة عادت لورين لإكمال طعامها مع صديقتها وزميلتها في الجامعة السويدية آنا. إنه مشهد يحمل جملة من المفارقات التي تبرز إيجابيات الاتحاد الأوروبي وسلبياته. منها على صعيد الإيجابيات أن النادلة البولندية التي تعمل في مطعم يملكه بريطاني قد تفقد منافع نظام الإعانات الاجتماعية لأولادها إذا ما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وسيتهدّد صاحب المطعم بزيادة النفقات جراء استقدام عمالة أعلى أجورًا، وستواجه آنا صديقة لورين صعوبات جمّة في دخول سوق العمل.

خيار «البقاء» أو «الخروج» ما عاد بإمكان أي شخص في بريطانيا البالغ عدد سكانها 64 مليون نسمة أن يتلافى الحديث عنه. ولا صوت يعلو الآن على صوت الاستفتاء الذي ستشهده البلاد، انطلاقا من العاصمة لندن، ووصولاً إلى أبعد أطراف البلاد، فالجميع مشغول بإقناع الآخرين: «ابقوا».. أو «اخرجوا».
وبطبيعة الحال، احتدمت في أوساط النخبة السياسية الحرب الكلامية بين ناشطي معسكري «البقاء» - وعلى رأسها الحكومة المحافظة الحالية ورئيسها ديفيد كاميرون - و«الخروج» من الاتحاد الأوروبي خلال الأيام والأسابيع الماضية، وضاعفت الحملتان من جهودهما لإقناع الناخبين للتصويت، كل وفق مصالحه.
* ثلاثة محاور
وفي حين تظهر استطلاعات الرأي تقاربا بين مؤيدي المعسكرين، يدرس المحللون التداعيات المحتملة لـ«الخروج» على بريطانيا.. اجتماعيًا، وسياسيا، واقتصاديا؛ وكذلك ما يمكن أن يحمله انتصار خيار «البقاء» إلى الاتحاد الأوروبي. والواضح اليوم أن ثمة 3 محاور أساسية تهيمن على النقاش:
المحور الأول يتعلق بالاعتبارات الاقتصادية، حيث تُصدر الحملتان المتنافستان أرقامًا متضادة شبه يومية عن حجم الخسائر أو المكاسب التجارية والمالية المترتبة على «الخروج» أو «البقاء».
والمحور الثاني يتصل بقضية الهجرة الساخنة في دول الاتحاد الأوروبي، وهذه «فزّاعة» يستغلها معسكر «الخروج» بقوة للترهيب من تدفق ضخم للمهاجرين - وبالأخص، من دول شرق أوروبا - إذا ما ظلت الحدود مع القارة الأوروبية «مفتوحة».
أما المحور الثالث، فيمسّ وحدة كيان بريطانيا نفسها إذا انتصر دعاة «الخروج»، وذلك في ظل تلويح اسكوتلندا بتنظيم استفتاء جديد على بقائها ضمن كيان «المملكة المتحدة لبريطانيا وآيرلندا الشمالية» (وهذا هو الاسم الرسمي للبلاد).
* انكماش الاقتصاد البريطاني
لقد حذّرت وزارة الخزانة البريطانية مرارًا من الانكماش الاقتصادي الذي قد يضرب البلاد إذا ما خرجت من أسرة الاتحاد الأوروبي، في تصريحات وتقارير عزّزت موقف رئيس الحكومة وأثارت غضب دعاة «الخروج» والمدافعين عنه. وبعد تحذيرها في شهر مارس (آذار) من «صدمة اقتصادية عنيفة» سيتسبب بها على الأمد الطويل الخروج من الاتحاد الأوروبي، نشرت وزارة الخزانة معطيات مثيرة للقلق حول تأثير هذه الخطوة على الأمد القصير، فقالت إن «الاقتصاد البريطاني سيشهد انكماشًا على مدى سنة»، مشيرة إلى أن بريطانيا ستظهر فجأة وكأنها «أقل انفتاحًا على التجارة والاستثمار»، وستعاني من تأثير الشكوك في نشاط الشركات ومن تقلّبات قويّة في أسواق المال. كذلك، توقّع خبراء الوزارة أن إجمالي الناتج الداخلي للبلاد سينخفض خلال سنتين بنسبة 3.6 في المائة مما كان سيسجّله إذا صوّت البريطانيون لصالح «البقاء» في أوروبا، وبنسبة 6 في المائة مائة في توقعات أخرى أكثر تشاؤما. كذلك، وفق وزارة الخزانة، قد يكبّد «الخروج» من أوروبا الاقتصاد البريطاني خسارة ما بين 520 و820 ألف وظيفة، ويسبب انخفاضا في قيمة الجنيه الإسترليني تتراوح بين 12 و15 في المائة بحسب الوزارة.
* المصارف مع «البقاء»
وبهذا الصدد، أوضح أنتوني براون، رئيس جمعية المصارف البريطانية أن «السوق الموحّدة تتميز بأهمية جوهرية بالنسبة للقطاع المصرفي البريطاني الذي يشمل أكثر من نصف مليون موظف، وتسهم بأكثر من 31 مليار جنيه إسترليني من الضرائب سنويًا، كما أنها تعد أكبر قطاع تصديري في بريطانيا. وفي جردة لمواقف نحو 147 مصرفا بريطانيا، وجدت جمعية المصارف البريطانية - التي هي أكبر مظلة تمثيلية للمصرفيين البريطانيين - أن نحو 60 في المائة من المصارف تعتبر أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤثر سلبًا عليها، بينما رأت 26 في المائة أن العواقب الاقتصادية ستكون وخيمة.
إعلان وزارة الخزانة كان الأحدث الأخير في سلسلة تحذيرات من العواقب الاقتصادية المحتملة لـ«الخروج» من الاتحاد أطلقتها في الأسابيع الأخيرة مؤسسات مرموقة عدة، مثل بنك إنجلترا، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الأوروبية، وصندوق النقد الدولي، بل وحتى وزراء مال «مجموعة السبع». كذلك أكّد قادة الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا أنه في حال أدى استفتاء 23 يونيو (حزيران) الحالي إلى «خروج» بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك سيشكل «خطرًا جسيمًا على النمو العالمي». وأوضحوا في بيان نشر عقب القمة التي عقدوها في اليابان أخيرًا أن تلك الخطوة «ستعكس اتجاه نمو التجارة العالمية والاستثمار، وكذلك فرص العمل التي تحدثها، وستشكل خطرًا جسيمًا جديدًا على النمو».
* ذرائع دعاة «الخروج»
في المقابل، بينما تشكل هذه المواقف دعمًا لموقف رئيس الحكومة ديفيد كاميرون، المتحمس لـ«البقاء»، فإنها تزيد من غضب مناصري «الخروج» الذين يرون فيها «مؤامرة» تهدف «لإخضاع» البريطانيين إلى سلطة المفوضية الأوروبية والطبقة الحاكمة في العالم. وفي هذا السياق، أدان إيان دنكان سميث، الزعيم اليميني السابق لحزب المحافظين، الذي استقال من منصبه كوزير للعمل في مارس (آذار)، دراسة وزارة الخزانة، معتبرًا أنها «غير نزيهة، وموجهة بشكل واضح، ويجب ألا تؤخذ على محمل الجدّ». وأردف «في الواقع، نحن ندفع 350 مليون جنيه (450 مليون يورو) أسبوعيًا إلى الاتحاد الأوروبي. وإذا ما صوّتنا لصالح مغادرته سنتمكن من وضع أيدينا على هذه الأموال واستخدامها هنا في بريطانيا». ويضيف: «سنستعيد أيضا التحكم باقتصادنا عبر إحداث مئات الوظائف وإبرام اتفاقات للتبادل الحر». غير أن محللين يشيرون إلى أن دنكان سميث «يذكر رقمًا لا يأخذ في الاعتبار الاستثناء الممنوح للندن من قبل المفوضية»، موضحين إلى أن المبلغ الصحيح الذي يدفع أسبوعيًا إلى ميزانية الاتحاد يقدّر بـ280 مليون جنيه.
أما رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون، الذي يعدّ الشخصية الأبرز بين دعاة «الخروج»، وبالتالي خلفًا محتملاً لرئيس الوزراء كاميرون في زعامة المحافظين - إذا كسب معسكره الاستفتاء - فقد سخر في مقالة نشرتها صحيفة «ديلي تلغراف» المحافظة مما أسماه «معسكر الخوف»، راسما صورة مثالية لمملكة متحدة حرة ومزدهرة بعد خروجها من الاتحاد.
لقد كتب جونسون في المقالة أن «الأسواق بدت هادئة والجنيه لم يهبط (...) وأقيمت علاقة جديدة (مع المفوضية الأوروبية) بسرعة تستند إلى التبادل الحر والزعامة البريطانية التقليدية». ومن ثم، دعا مواطنيه إلى التفكير بـ«الخطر الهائل» الذي سيشكله «البقاء» في الاتحاد على استقرار البلاد، حسب قوله.
وفي مواجهة هذا التحدي الصريح لسياسة رئيس الوزراء، دأب الأخير على التشكيك في صحّة ادعاءات دعاة «الخروج»، وانتقد مرارًا عبر شاشات التلفزيون ما يصفه بأساليبهم «المخادعة». وأكّد كاميرون الذي يراهن بمستقبله السياسي وموقعه في التاريخ مع هذا الاستفتاء، أنه سيكون لمغادرة الاتحاد وقع «القنبلة» على الاقتصاد البريطاني، وستحكم عليه «بعقد من البلبلة» لحاجة البلاد إلى التفاوض على عقود تجارية جديدة في حال خروجها من كتلة الـ28.
* هزّة مالية مزدوجة
إلى جانب فقدان بريطانيا لأسواق الاتحاد الأوروبي وانكماش الاقتصاد، يحذّر مؤيدو «البقاء» من مخاطر زعزعة الأسواق المالية وانعكاسات ذلك على الجنيه الإسترليني. وحقًا، تراجع سعر صرف الجنيه الأسبوع الماضي بعدما كشف معدل لنتائج ستة استطلاعات رأي نشره موقع «وات – يوكاي - ثينكس» (بماذا تفكّر بريطانيا) تقدّم معسكر «الخروج» على معسكر «البقاء» بنسبة 51 في المائة مقابل 49 في المائة وذلك للمرة الأولى منذ شهر. إذ هبطت قيمة الجنيه آنذاك إلى 1.4353 دولار، وهو أدنى مستوياته خلال ثلاثة أسابيع، كذلك هبط الجنيه مقابل «اليورو» (العملة الأوروبية) إلى 78.61 بنس (البنس يوازي 0.1 جنيه)، ووصل مع بدء التبادلات الآسيوية 79.05 بنس لليورو، أي أدنى مستوياته منذ ثلاثة أسابيع ونصف أسبوع.
وعلى الأثر علقت المحللة آنا ثيكر، من «فيليب كابيتال يو كاي» بالقول إن «الاستطلاعات تواصل لعب دور المحرّك للعملة التي تواجه هذا الشهر مستوى عاليًا من الغموض». وتوقعت تقلّبات «أكبر» مع اقتراب موعد الاستفتاء. ومن جانبها بدأت المصارف تعد لسيناريو «الخروج» فبدأت تعمم على موظفيها إرشادات حول النصائح للزبائن في حال صوت البريطانيون لصالح «الخروج»، وفقا لصحيفة «فاينانشال تايمز»، كما ركزت على وجه الخصوص على الحؤول دون «إصابتهم بالذعر».
* «غول» الهجرة
كما سبقت الإشارة، إذا كان المعسكر المؤيد لـ«لبقاء» بريطانيا ضمن الأسرة الأوروبية يلعب على وتر الخوف من العواقب الاقتصادية، فإن دعاة «الخروج» يركبون موجة التخويف من الهجرة واليد العاملة الأجنبية. ولقد استغلت حملة «الخروج» الجدل القائم حول اتفاق الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، ومطالب أنقرة بتحرير التأشيرة لمواطنيها، للتحذير من عواقب «البقاء»، زاعمة أن ذلك سيؤدي إلى تدفّق ملايين الأتراك إلى بريطانيا. وهذا ما أجاب عنه كاميرون قائلا إنه «في ضوء وتيرة تقدّم الأمور، علينا أن ننتظر عام 3000 لكي نرى (تركيا) تنضم إلى الاتحاد الأوروبي». إلا أن هذا لم يحل دون مواصلة دعاة «الخروج» تخويف الناخبين وتحذيرهم من «غول» الهجرة، فنشرت حملة «فوت ليف» (صوتوا للخروج) على موقعها الأسبوع الماضي ملفا حول خمسين أوروبيًا متّهمين بارتكاب جرائم في بريطانيا، ولكن لا يمكن للقضاء طردهم بسبب القانون الأوروبي. وعلّق وزير الدولة للعدل، دومينيك راب، المؤيد لـ«الخروج» بالقول إن «هذا يشكل خطرا على الأسر البريطانية»، فرد عليه وزير الدولة للهجرة جيمس بروكنشير، المدافع عن «البقاء»، بأنه «تمّ بالفعل طرد 6500 مجرم من بريطانيا منذ 2010، تحديدًا بفضل آلية التوقيف الأوروبية».
* استقلال اسكوتلندا
على الصعيد الاسكوتلندي، رفضت نيكولا ستيرجن، رئيس وزراء إقليم اسكوتلندا، أول من أمس استبعاد استفتاء جديد حول استقلال بلدها، معتبرة أنه يصعب معالجة قضايا مثل حقوق العمال وتغير المناخ بمعزل عن العالم. وكان الاسكوتلنديون قد رفضوا الاستقلال في استفتاء عام 2014 بنسبة 55 إلى 44 في المائة، ولكن منذ ذلك الحين اكتسب الحزب القومي الاسكوتلندي المزيد من الدعم، بل وحصل على 56 مقعدًا من أصل 59 مقعدًا مخصصًا لاسكوتلندا في مجلس العموم البريطاني بلندن خلال الانتخابات العامة التي أجريت بشهر مايو (أيار) الماضي. كذلك التقى رئيسا وزراء بريطانيا السابقان توني بلير (عمالي) وجون ميجور (محافظ) الخميس الماضي للتحذير معًا، من منبر جامعة ألستر شمال إقليم آيرلندا الشمالية، من أن التصويت لصالح «الخروج» سيهدد وحدة البلاد عن طريق تقويض السلام في آيرلندا الشمالية وتشجيع حركة الاستقلال في اسكوتلندا. وحذر الزعيمان السابقان، اللذان لعبا أدوارًا مهمة في عملية السلام بالإقليم خلال التسعينات من أن «الوحدة في بطاقة الاقتراع». وقال ميجور (حكم بين 1990 و1997) في كلمة أمام طلاب الجامعة: «تخلوا عن عضوية أوروبا ولا تندهشوا إذا تبين لنا في النهاية أننا تخلينا بطريق الخطأ عن وحدتنا. إن أنجح اتحاد في تاريخ العالم، قد يتفكك إلى الأبد». ثم حذّر من أنه إذا صوتت اسكوتلندا لـ«البقاء» واختارت باقي البلاد «الخروج» فإن الضغوط بشأن تنظيم استفتاء جديد على استقلال اسكوتلندا «قد تخرج عن السيطرة، ولن يتسنى مقاومتها سياسيا».
أما بلير فرأى الاستفتاء قد يقوّض أيضا اتفاقية السلام الخاصة بآيرلندا الشمالية الموقعة في عام 1998، التي أنهت ثلاثة عقود من صراع دامٍ بين الآيرلنديين الكاثوليك القوميين (المناصرون لاتحاد الإقليم مع آيرلندا) وخصومهم من البروتستانت (الراغبين بإبقاء الإقليم داخل كيان المملكة المتحدة) حصد أكثر من 3600 شخص. وأوضح بلير الذي أشرف على اتفاق السلام عندما كان رئيسا للوزراء بين 1997 و2007 «إذا تركنا الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو، فإن ذلك سيضع مستقبل آيرلندا الشمالية في خطر، وسيجعل اتحادنا في خطر وسيلحق ضررًا عميقًا. إنه مسار ينطوي على مجازفة». وفي الاتجاه نفسه، تدخّل الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون - الذي لعب بدوره دورًا محوريًا في سلام آيرلندا الشمالية - في النقاش، فكتب في مقالة بمجلة «نيو ستيتسمان» بأن عملية السلام استفادت من عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، مضيفا: «إنني أشعر قلق من أن يتعرض مستقبل الرخاء والسلام في آيرلندا الشمالية للخطر إذا انسحبت بريطانيا (من أوروبا)».
غير أن تصريحات بلير وميجور لم تحظ بدعم الجميع، إذ وصفت تيريزا فيلرز، وزيرة الدولة لشؤون آيرلندا الشمالية - وهي معارضة لعضوية الاتحاد الأوروبي - تعليقاتهما بأنها غير مسؤولة، وأردفت «مهما كانت نتيجة الاستفتاء، فإن آيرلندا الشمالية لن تعود إلى متاعب الماضي.. وقول ما سوى ذلك ينطوي على عدم الشعور بالمسؤولية».
* تسييس لمصالح حزبية
خلال الأسبوعين المتبقيين قبل تاريخ الاستفتاء الموعود، سيواصل المعسكران حشد أصوات الناخبين، ولا سيما من الشباب الذي يجدون أنفسهم في قلب حملة متعددة المستويات تشجعهم على التسجيل والتصويت. إلا أن الخطابات المتضادّة والاتهامات المتبادلة بتزوير الحقائق والتحايل على الأرقام تزيد من تردد الناخبين الشباب. وبهذا الصدد، قالت لورين إن تصريحات المسؤولين المتضاربة وتسييس النقاش حول الاستفتاء لمصالح حزبية خالصة زادت حيرتها ما قد يدفعها إلى الإحجام عن التصويت. وأضافت: «لا أريد أن أصوت لصالح البقاء، فتنهال علينا كميات مهاجرين تزعزع استقرارنا الاجتماعي، أو لصالح الخروج ونصبح في معزل عن العالم.. أفضل الاحتفاظ بصوتي».
أما ريتشارد ويتمان، الزميل في «المعهد الملكي للشؤون الاستراتيجية» (تشاتهام هاوس) والخبير في الشؤون الأوروبية، فرأى أن إحدى أبرز خواص النقاش السياسي حول الاستفتاء الأوروبي بين حملتي «الخروج» و«البقاء» تتمثل في «التلاعب بالمعطيات، فكل معسكر يركّز على الرسائل التي يتجاوب معها الناخبون» واستطرد «المعركة السياسية هنا تختلف عن ما نشهده في الانتخابات حيث يتنافس الأحزاب على مقاعد برلمانية.. هنا نشاهد تحالفات حزبية غير معتادة». وفعلاً ويبدو هذا جليًا في صفوف حزب المحافظين بالذات، حيث هدد ثلاثة نواب رئيس الوزراء بحجب الثقة عنه، بينما انتقد كاميرون وزراء ضمن حكومته التي شهدت استقالة وزير العمل أخيرًا.
* ماذا سيعني «البقاء».. إذا اختاره البريطانيون؟
- إذا ما اختار الناخبون البريطانيون التصويت لصالح «البقاء» ضمن الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك سيشكل نصرًا تاريخيًا لديفيد كاميرون الذي يواجه مطالب بالاستقالة من رئاسة الوزراء من طرف بعض نواب حزبه. وبمجرّد إغلاق صناديق الاقتراع في 23 يونيو الحالي، ستتبيّن بوادر النتيجة ليتنفس كاميرون وأنصار «البقاء» الصعداء. وعند الإعلان عن النتائج النهائية بعد يوم من ذلك مبشّرة مؤيدي «البقاء» بنجاح حملتهم، من المتوقع أن تتوالى تصريحات مسؤولي الاتحاد الأوروبي لتهنئة البريطانيين، وأن يلقي كاميرون خطاب نصر خارج مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت»، قبل أن يذكّر بأن الوقت حان لالتزام الاتحاد الأوروبي بالإصلاحات التي تطالب بها لندن. وبعد ساعات من ذلك، سيرسل كاميرون طلبًا رسميًا لرئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك لمصادقة وتطبيق الاتفاق الذي توصّلا إليه حول صلاحيات لندن الجديدة داخل التكتل الأوروبي في شهر فبراير (شباط) الماضي.
وقد يستغل قادة الاتحاد الأوروبي القمّة التي ستنظم في بروكسل في 28 - 29 يونيو الحالي للموافقة على الاتفاق. وللعلم، يطالب كاميرون بتمديد السوق الموّحدة وتعزيز التنافسية في الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال تسهيل حركة رؤوس الأموال من جهة، وتخفيف القوانين الأوروبية المنظمة للشركات الصغيرة والمتوسطة. كما يشترط كاميرون إعفاء بريطانيا من المبادئ التأسيسية لاتحاد أكثر ترابطا، إلى جانب تعزيز الرقابة الوطنية وحق النقض في البرلمانات الوطنية.
أما المطلب الأخير والأكثر تعقيدا وإثارة للجدل، فيتعلق بـ«حرمان» الوافدين الأوروبيين إلى بريطانيا من استحقاقات الرعاية الاجتماعية بشكل خاص، وبحرية تنقّل مواطني الاتحاد الأوروبي بشكل عام.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.