آثار قصف المدن السورية تفوق في حجمها الكارثة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية

آثار قصف المدن السورية تفوق في حجمها الكارثة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية
TT

آثار قصف المدن السورية تفوق في حجمها الكارثة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية

آثار قصف المدن السورية تفوق في حجمها الكارثة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية

تحلق طائرة تصوير من دون طيار (درون) فوق عشرات الكيلومترات من الكتل العمرانية المدمرة في مدينة حلب، عاصمة سوريا الاقتصادية وثاني كبرى مدنها، وتنقل صورًا مروّعة لحجم الدمار الذي لحق بأحيائها الشرقية. المشهد لا يشبهه في سوريا اليوم إلا مشهد الدمار الواسع الذي ضرب أحياء حمص القديمة وحي جوبر الدمشقي، رغم التفاوت بين المساحات الجغرافية للمناطق الثلاث. والحقيقة أن المدن الثلاث، دمشق وحلب وحمص، تكاد تختصر الصورة المؤلمة للمدن السورية المتشظية بفعل الحرب، والقصف الجوي العنيف الذي تعرّضت له على مدى خمس سنوات من الاقتتال، وأسفرت عن تدمير ما قيمته 300 مليار دولار أميركي من المنشآت الحيوية والكتل السكانية والبنى التحتية السورية.
غير أن حلب، قاعدة الشمال السوري، تفوق المدن السورية الأخرى دمارًا وتهالكًا، إذ يحتل الدمار فيها نحو 58 في المائة من حجم الدمار الذي حل بالمدن السورية. ذلك أنه كان التعداد السكاني لحلب يفوق الخمسة ملايين نسمة وتضم أكثر من ألفي مصنع، غير أن ضواحيها ومدن ريف محافظتها وبلداته وقراه، المنتشرة على مساحة جغرافية واسعة، تحوّلت إلى ساحة مواجهات عصية على قوات النظام يصعب حصارها. وبالتالي، تعرّضت لأعنف حملات قصف جوية، بدأت في عام 2013 بقصفها بالبراميل المتفجرة، ثم إلى ساحة اختبار لأعتى الذخائر الروسية من نوع صواريخ «جو - أرض».
تأخرت مدينة حلب بالانضمام إلى الاحتجاجات ضد النظام السوري، لكنها كانت الأسرع في خروج أحياء منها عن سيطرة قوات النظام.
في عام 2012، بدأت أحياء في المدينة تخرج تدريجيًا عن سيطرة النظام، وشهدت خريطة السيطرة الميدانية متغيّرات كثيرة بين حصار قوات النظام في أحياء خاضعة لسيطرته، وحصار أحياء خاضعة لسيطرة المعارضة، حتى استقرت في أواخر عام 2013 على الخريطة الحالية: خطوط تماس على تخوم المدينة القديمة، وأحياء شرقية وشمالية تسيطر عليها قوات المعارضة، ويسكنها الآن ما يُقدر بنحو 150 ألف نسمة. وفي المقابل، يحكم النظام سيطرته على 60 في المائة من مساحة المدينة تتركز في الأحياء الجنوبية والغربية، التي يسكنها نحو 800 ألف نسمة.
* تدشين عهد البراميل
خروج الأحياء عن سيطرة قوات النظام كان ذريعة مباشرة لقصفها يوميًا بالمدفعية، قبل أن تتحول إلى ساحة اختبار للبراميل المتفجرة المعروفة بسقوطها الحرّ وغير الموجه. ولقد دشّن النظام ذلك السلاح لأول مرة خلال العام 2013 في أحياء حلب الشرقية، ونتج عن القصف دمار واسع وجد فيه النظام «فعالية لإخراج مناطق واسعة عن الخدمة»، بحسب ما يقول معارضون. وعليه، كان الردّ من قوات المعارضة بالتكتيك نفسه، إذ لجأ هؤلاء إلى تفجير الأنفاق تحت أبنية تسكنها قوات النظام على خطوط التماس مع الأحياء التراثية.. وتسببت التفجيرات من قبل الطرفين بدمار هائل طال البنى التحتية والتجمّعات السكانية.
يقول مصدر عسكري معارض إن تفجير الأنفاق «كان أبلغ رد ردعي على القصف النظامي العنيف»، مشيرًا إلى أن قوات النظام «حين شعرت بعجزها عن العودة إلى أحياء المعارضة اتبعت سياسة «الأرض المحروقة لحرمان المدنيين في أحياء المعارضة من ملاذات آمنة، بهدف تهجيرهم، وإفقاد الثوار حاضنة شعبية». ويؤكد المصدر أن القصف «الممنهج لتدمير كل ما في المنطقة، لم يدفع السكان لإخلائها نهائيًا، كما أن المساحات الجغرافية الواسعة، حالت دون محاصرة المدينة، وهذه نقطة استراتيجية أوجدتها الجغرافيا، في حين يعتبر النظام أن فقدان سيطرته على عاصمته الثانية، أبلغ دليل على ضعفه وعجزه».
* تدمير ممنهج
خمدت المعارك في أحياء حلب الداخلية منذ أوائل 2014 مع انسحاب قوات النظام من معظم تلك الأحياء، وأهمها أحياء صلاح الدين وسيف الدولة والصاخور والسكّي ومساكن هنانو والحلوانية وقاضي عسكر وباب الحديد والقاطرجي وكرم الجبل وطريق الباب. كذلك همدت المواجهات المباشرة داخل مدينة حلب مع بروز خطوط تماس قرب أحياء مساكن هنانو وباب النيرب والمرجة، وهي المواجهات التي أسفرت عن احتراق أكبر سوق تراثية في حلب، وأحيائها القديمة، والجامع الأموي الكبير في حلب. وبعدها، باتت الأحياء عرضة للقصف الجوي الذي «يعوّض النظام عن خوض معارك مباشرة، بسبب عجزه عن الوصول إلى تلك الأحياء».
أمام هذا الواقع، تنجلي أسباب تعرّض حلب لهذا الحجم من الدمار الذي أصاب الكتل السكانية والبنية التحتية بما يتخطى ما تعرّضت له سائر المناطق السورية. وهنا يشرح الدكتور أسامة قاضي، رئيس مجموعة «عمل اقتصاد سوريا» الوضع لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «مدينة حلب لها أهمية تجارية وصناعية ولوجيستية كبيرة جدًا، وتمركز (الجيش السوري الحرّ) وتحريره بشكل جزئي مناطق كبيرة منها يُعد تهديدًا كبيرًا للنظام. ومن ثم، عندما لم يستطع النظام دحر الجيش الحر في تلك المناطق برًا وجوًا، استعان بالروس والإيرانيين والميليشيات الموالية من أجل استعادة مدينة حلب، مما جعل منها مَكسر عصا وأسهم النظام بالحجم الأكبر من تدمير مدينة عمرها 12000 سنة. ولقد جرّب النظام والروس أعتى الأسلحة التدميرية التي ستترك آثارها حتى بعد انقضاء هذه الأزمة على البشر والزرع».
وأردف أن حلب نالت بحسب آخر دراسة من البنك الدولي، 58.10 في المائة من إجمالي الأضرار حسب المدن السورية، وتضاعفت الأضرار التي حلّت بحلب خلال العامين الماضيين.
* هلاك المدن الصناعية
إلى جانب القطاع العمراني والبنى التحتية، يشير القاضي إلى أن «مدينة حلب مدينة صناعية بامتياز فيها نحو 38 ألف منشأة صناعية، وتعرضت منطقة الشيخ نجار الصناعية التي تبلغ مساحتها 4412 هكتارًا، وكذلك 15 مناطق صناعية أخرى، مثل العرقوب والليرمون وطريق المطار وجبرين والشقيف وباقي مناطق المدينة والريف الحلبي إلى عمليات سلب وحرق وتدمير. ويقدّر أن الضرر قد نال ما لا يقل عن أكثر من 60 في المائة من قدرتها التصنيعية، التي كانت تنتج تقديريًا ما لا تقل قيمته عن خمسة مليارات دولار سنويًا». ويؤكد القاضي أن «حجم الأضرار المادية التي لحقت بتلك المنشآت تقدر بأكثر من 20 مليار دولار على أقل تقدير».
إلى جانب ذلك، يضيف الدكتور القاضي: «نال التدمير جرّاء قصف النظام لأحياء حلب الكثير من الأحياء الأثرية التي تعود عمارتها لمئات السنين، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالجامع الأموي الذي شيّد عام 715 ميلاديًا، وكذلك سوق المدينة التاريخية التي تعود إلى القرن الميلادي الرابع عشر، والتي يبلغ طول حواري أسواقها مجتمعة نحو 13 كيلومترًا، وهي تتضمن خانات المدينة التاريخية التي تعود لمئات السنين. وأمكن حتى الآن إحصاء تدمير ما لا يقل عن 1500 متجر إلى الآن، وهو ما يُعد كارثة إنسانية وحضارية وتاريخية يستحيل أن تقدّر بثمن مالي».
* حمص وداريّا وجوبر
من جهة أخرى، فإن الدمار الذي لحق بحلب، مع أنه يعد الأعنف والأشد قسوة، يظل جزءًا من الدمار الذي حل بمدن سورية كثيرة، أهمها أحياء المدينة القديمة في حمص، ومدينة داريا (التي غدت ضاحية) في جنوب دمشق، وحي جوبر الدمشقي في شمال العاصمة. وأظهرت صور بطائرات معدة لتصوير تلك المدن الحجم البالغ للتدمير الذي سوّاها بالأرض. ومن شأن ذلك الدمار أن يدفع لتقديرات حول حجمه، وتكلفة إعادة إعماره.
يشير الدكتور القاضي إلى أن التقديرات الأولية للخسائر في أنحاء سوريا تفوق 300 مليار دولار، إلا أن عمليات إعادة إعمار سوريا وترميم مصانعها وإعادة الحياة الاقتصادية قد تكلف ضعف هذا المبلغ على مدى خمس سنوات على الأقل. ويوضح: «تحتاج الحكومة الانتقالية لأفكار إبداعية وبدائل تمويلية وطنية وشراكات مع الشركات العربية خاصة ما أمكن، حتى لا تغرق سوريا بالديون بعد هذا الدمار الكارثي الذي يفوق في حجمه الكارثة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية باعتراف رئيس النظام نفسه في خطابه الأخير».
ويشرح أن قطاعات «الإسكان والتعليم والصحة من أكثر القطاعات التي نالها التدمير خلال السنوات الخمس الماضية، حيث استهدف القصف الجوي وعشرات ألوف البراميل المتفجرة أحياء يسكنها مدنيون مما اضطر إلى نزوح وتهجير أكثر من 12 مليون سوري خمسة ملايين منهم خارج سوريا»، موضحًا أن «الوضع الأمني والاقتصادي المتدهور أسهم في تدمير وتعطيل القطاع الصناعي الذي يعمل ما تبقى منه بأقل من ربع إنتاجيته، وتعرّضت مئات المعامل للنهب والسرقة والتدمير، فضلاً عن هروب القوة العاملة بسبب انعدام الأمن، وأيضًا نال التدمير القطاع الزراعي، خصوصًا أن أرياف سوريا كلها مشتعلة ما عدا الساحل السوري. ثم هناك قطاع النفط الذي خرج بشكل شبه تام عن سيطرة حكومة النظام والمعارضة ووقع في يد تنظيم (داعش) الذي لم يكتفِ بالسيطرة على آبار النفط، فحسب، بل سيطر أيضًا على صوامع الحبوب والمحاصيل الزراعية في المناطق الشمالية الشرقية من سوريا. وأما القطاع السياحي فقد أصابه الشلل التام، في حين تضرّرت التجارة الداخلية بشكل كبير جدا بسبب ازدياد المخاطر الأمنية على الطرقات. وفيما يخصّ التجارة الخارجية فإنها اقتصرت على المرافئ ومعبري لبنان والعراق، بينما خرجت بقية المعابر من يد حكومة النظام بشكل كامل فضلا عن التضييق على الطيران السوري».
* مبادرة البنك الدولي
أمام هذا المشهد القاتم، ورغم استمرار الصراع على أرض الواقع، أعدت مبادرة للبنك الدولي وهي «مبادرة المعلومات والبحوث المتعلقة بسوريا» (SIRI) رسمًا تخطيطيًا للدمار الذي حل بستّ مدن رئيسية في سوريا - ومواقع هذه الأضرار - والمنشآت والخدمات التي ما زالت تعمل وتلك التي توقفت عن العمل. وفيما يساعد تطبيق «سيري أبل» (Apple’s Siri) على العثور على المعلومات، فإن مبادرة المعلومات والبحوث المتعلقة بسوريا يمكنها المساعدة على تقدير تكلفة إصلاح الأضرار، بحسب ما أعلن البنك الدولي.
وراهنًا، يسعى البنك الدولي للاستفادة من التكنولوجيا المتاحة، ويقول فريد بلحاج، المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي «إن البنك يستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا والأساليب التي سبق تجريبها ليكون على أتم الاستعداد لبدء العمل في سوريا في الوقت المناسب عندما تخف حدة الصراع. فالتكنولوجيا يمكن أن تتيح أيضًا وضع خطط واقعية وقابلة للتطبيق في سوريا قبل أن تنتهي الحرب، وبطريقة لم تكن في وسعنا من قبل».
غير أن التخطيط وحده لا يُعد كافيًا، ذلك أن التدهور الاقتصادي في سوريا يطرح علامات استفهام كثيرة حول كيفية معالجة الوقائع وترتيب استراتيجية لإعادة الإعمار.
وهنا يؤكد رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا إن إعمار سوريا قد يحتاج لأكثر من 300 مليار دولار، ولا يرى حلاً بالشراكة مع رجال الأعمال السوريين وغير السوريين وبالتعاون مع حكومات الأصدقاء والأشقاء. ويؤكد القاضي على أن «يقع عاتق الإشراف على إعادة إعمار سوريا بالمقام الأول على الحكومة الانتقالية السورية المقبلة. وهذا يستلزم رؤية اقتصادية واضحة من قبل تلك الحكومة حول قبول الشراكات العربية والعالمية في إعادة إعمار سوريا، إضافة إلى تأمين كل القوانين اللازمة للترحيب بالرأسمال الوطني والأجنبي ضمن شروط تأخذ في عين الاعتبار خلق فرص للعمالة الوطنية، والسرعة والإتقان في الإنجاز».



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.