الاندماج النووي.. طاقة لا تنضب

العلماء لا يزالون يطاردون حلم المستقبل

الاندماج النووي.. طاقة لا تنضب
TT

الاندماج النووي.. طاقة لا تنضب

الاندماج النووي.. طاقة لا تنضب

الاندماج النووي هو العملية التي تولد طاقة الشمس، وهي الحلم الأبدي لعلماء الطاقة، فالطاقة هذه أمينة، ونظيفة، وغير ملوثة، ولا تنضب تقريبا. وحتى هنا في مختبرات لورانس ليفرمور الوطنية حيث التركيز الأساسي لعمليات الاندماج ينصب على صناعة الأسلحة النووية، يتحدث الكثير من العلماء بشاعرية عن أنها قد تنهي إدمان العالم الوقود الحجري.

* طاقة المستقبل
«إنها حلم المستقبل»، كما يقول ستيفن ئيز بوندر، العالم الفيزيائي المتقاعد الذي عمل في هذا المجال بمختبرات ليفرمور، بين الستينات والسبعينات من القرن الماضي، متذكرا أن التركيز العسكري كان في الأساس غطاء بغية الحفاظ على تدفق الأموال الحكومية إلى المختبر لإنفاقها على أبحاث الطاقة: «فالكل كان يتغاضى عن الحقيقة، والكل كان يعلم الكثير».
والمبدأ الأساسي من وراء الاندماج النووي كان بسيطا. قم بعصر ذرات الهيدروجين وضغطها معا بشدة لتندمج وتتحول إلى ذرات هليوم. وذرة الهليوم تزن أقل قليلا من ذرات الهيدروجين الأصلية. ووفقا لمعادلة ألبرت أينشتاين (E = mc2) فإنها تحرر قليلا من الكتلة التي تتحول إلى طاقة. ويتوافر الهيدروجين بكميات كبيرة خلافا للوقود الحجري، والمواد الانشطارية مثل اليورانيوم، لذلك فهو لن ينضب بتاتا.
لكن التحكم في الاندماج ما يزال حلما، يطارده العلماء بشوق، وهو دائما صعب المنال، فهؤلاء لم يتمكنوا بعد من إيجاد وسيلة للحفاظ على تفاعل اندماجي يدوم فترة تكفي لتوليد طاقة نافعة يمكن استخدامها. والطرفة المتداولة حاليا هي أن «الاندماج سيحدث في الـ30 سنة المقبلة، وسيظل كذلك دائما»!
بيد أن العلماء هنا قدموا للعالم بعض الأمل في حصول تقدم. فقد أعلن فريق يرأسه عمر إيه. هاريكاين في الشهر الماضي، أنه استخدم إشعاعات الليزر العملاقة الموجودة في المختبر لدمج ذرات الهيدروجين، وإنتاج ومضات من الطاقة أشبه بقنابل هيدروجينية صغيرة. وكانت كميات الطاقة المنتجة ضئيلة، مما تعادل طاقة مصباح ضوئي بقوة 60 واط يجري استهلاكها خلال خمس دقائق. لكن هذه كانت خمسة أضعاف محاولات الإنتاج قبل سنتين، عندما قام الفيزيائي هاريكاين بتوليد رشقات انفجارية مهمة من الطاقة الاندماجية هذه عن طريق 192 ميغا ليزر.
يعلق هاريكاين، (45 سنة)، أنه من السابق جدا التكهن بمستقبل إقامة محطات مستقبلية تعمل بالاندماج النووي، عن طريق الليزر. وأشار بالفضل في هذا العمل إلى مجهود أكثر من 20 عالما من أعضاء الفريق.
وقد حصل التفاعل الاندماجي هذا في «مرفق الاشتعال القومي» (National Ignition Facility) الذي هو أحد مشاريع «ليفرمور» الذي له تاريخ مكلف ومثير للجدل، فبعدما أنهت الولايات المتحدة التجارب النووية تحت الأرض عام 1992 قال المسؤولون عن المختبر إنهم بحاجة إلى أسلوب لإثبات صحة أن الأسلحة تعمل تماما مثلما أظهرت النماذج الكومبيوترية. وفورا، وافقت الإدارة القومية للأمن النووي، التي هي جزء من وزارة الطاقة الأميركية، على ذلك.
وأهمية المرفق هذا تكمن في الاسم الوسط «الاشتعال» (ignition)، فلتبسيط الأغراض الحكومية، جرى تعريف «الاشتعال» بأنه التفاعل الاندماجي الذي ينتج كمية من الطاقة بقدر إشعاعات الليزر التي تسلط عليه. ولتحقيق ذلك يتوجب اندفاع جزء صغير أساسي من عملية الاندماج إلى الذرات الهيدروجينية المجاورة.
ويشكل مركز المرفق القومي للاشتعال (NIF) حجرة الاستهداف. وهي عبارة عن كرة معدنية بعرض 33 قدما بمعدات تشخيص لماعة تشع إلى الخارج. وهي تبدو كشيء من مسلسل «ستار تريك» التلفزيوني. وهي فعلا ظهرت بالمسلسل هذا في إحدى الحلقات بعنوان «ستار تريك إلى الظلام»، كغرفة للمحركات تدفع بالمركبة «إنتربرايز» في أغوار الفضاء.

* مجمع الليزرات
ويقوم مجمع الليزرات بملء مبنى مساو بمساحته لثلاثة ملاعب لكرة القدم. وتبدأ كل طلقة بنبضة ليزر صغيرة، تتجزأ عبر مرايا عاكسة إلى 192 جزءا قبل ارتدادها ذهابا وإيابا عبر مضاعفات ومعززات الليزر التي يبلغ حجمها حجم مستودعين، قبل تركيز الإشعاعات على حجرة الهدف، بحيث تتقارب وتتلاقى عبر أسطوانة ذهبية بحجم ممحاة قلم الرصاص.
وتدخل إشعاعات الليزر من أسفل الأسطوانة وأعلاها لتقوم حرارتها العالية بتوليد حمام ساخن من الإشعاعات السينية التي تندفع إلى الداخل لضغط كرية صغيرة التي هي بحجم حبة الفلفل الأسود. وتتضمن الأخيرة طبقة من الديتريوم والتريتيوم المجمد اللذين هما من الأشكال الثقيلة للهيدروجين، ومن ثم خلال لحظة وجيزة لا تتعدى جزءا من عشرة مليارات جزء من الثانية، تنصهر الذرات المتفجرة معا. ويسمي العلماء هذه العملية «زمن الفرقعة» (bang time). وتكون كل رمية، أو طلقة من هذه الطلقات قصيرة، بحيث لا تكلف أكثر من خمسة دولارات من الكهرباء. ويبدو أن المسؤولين في مختبرات ليفرمور متأكدون من أن «NIF» سيتمكن قريبا من تحقيق الاحتراق، بعدما تبين أنهم وضعوا خطة لتشييد محطة للطاقة تدعى «الطاقة الاندماجية بالقصور الذاتي بواسطة الليزر» التي ستسمى اختصارا بأوائل حروف هذه الكلمات «لايف»، التي تعني «الحياة»، وهي تقنية ستكون جاهزة لربطها بالشبكة الكهربائية العالمية في حلول الثلاثينات من هذا القرن.
أما بوندر الذي غادر ليفرمور في عام 1975 وأنشأ برنامجا منافسا في مختبرات الأبحاث التابعة للأسطول الأميركي، فقد ظل مواظبا على انتقاد «NIF». وفي عام 1995، كتب تقريرا يتوقع به أن عدم ثبات الغاز المتفجر من شأنه إحباط الاشتعال. وأضاف في مقابلة أجريت معه: «لماذا يستمرون في شيء ثبت فشله فورا».
وكان بوندر قد روج لفكرة أخرى للاندماج بواسطة الليزر يعتقد أنها ستعمل بشكل أفضل بالنسبة إلى محطات الطاقة، فتصميم أسطوانة الذهب الموجودة في ليفرمور غير كافية، لأنه ليست كل طاقة الليزر يجري تحويلها إلى إشعاعات سينية، لأن غالبيتها تخطيء الكرية. فقط 0.5 من الطاقة هذه تصل إلى الوقود. لكن التصميم الذي وضعه يجعل الليزرات تشع مباشرة على كريات الوقود. وهذا ما تنتج عنه صعوبات فنية أخرى، لكن بوندر يقول إن فريقه أظهر أن هذه الصعوبات يمكن تذليلها. وكان بوندر قد تقاعد في عام 1999.
وكان «NIF» قد شرعت في إطلاق إشعاعات الليزر في عام 2009. وقد رفعت راية أمام البناء تعلن «سنسخر طاقة النجوم في خدمة الأرض»، لكن مع كل هذه التقنيات السحرية فقد مضت السنوات الثلاث الأولى من «وقت الفرقعة» بالفشل والإخفاق.
وكانت عمليات المحاكاة الكومبيوترية في ليفرمور قد توقعت انفجارات تؤدي إلى الاحتراق. لكن بدلا من ذلك، أطلقت كل كرية قليلا من الطاقة. بيد أن مسؤولي ليفرمور ظلوا علانية واثقين. فقد صرح إدوارد موسيس الذي كان مديرا لـ«NIF»: «نملك كل القدرات لجعل هذا الأمر يعمل خلال عام 2012 المالي». لكن ذلك لم يحصل. وتكلفة تشييد «NIF» وتشغيله حتى هذا اليوم بلغت 5.3 مليار دولار.
ولكن خلال الجهود لتحقيق الاشتعال، استخدم علماء «NIF» النبضات الليزرية التي تضرب كرية الوقود بأكثر شدة ممكنة، لكن الأخيرة تكسرت قبل حصول الاندماج. وقام هاريكاين بتعديل نبضة الليزر لتحمية الأسطوانة الذهبية أولا. وهذا ما خفف من الانفجار الداخلي، لكنه خفف أيضا من بعض عدم التوازنات، مما أدى إلى معدل أعلى من الاندماج.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، ظهرت إشارات لفريق هاريكاين تقول بأن الاندماج النووي شرع ينتشر عبر الوقود. «وبذلك، حصلنا على الأقل على الشرارة الأولى»، كما يقول جيف ويزوف القائم بأعمال مدير «NIF».

* خدمة «نيويورك تايمز»



مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
TT

مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ

قطعت مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس (Perseverance)» مسافةً أبعد من أي مركبة أخرى في النظام الشمسي، باستثناء المركبات الموجودة على الأرض، بالطبع.

28 ميلاً... وما زال العد مستمراً

تجاوز عداد مركبة «برسيفيرانس» مسافة 28.06 ميل، وهي المسافة التي قطعتها داخل وحول فوهة «جيزيرو» منذ هبوطها على سطح المريخ في فبراير (شباط) 2021. ويتجاوز هذا الرقم المسافة التي قطعتها «أوبورتيونيتي»، إحدى مركبات «ناسا» الجوالة الأصغر حجماً في وقت سابق من عام 2004 حتى توقفها عن العمل في عام 2018. وأعلن مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا» الذي يُشغّل المركبة، هذا الخبر، يوم الاثنين الماضي، بعد تأكيد موقع «برسيفيرانس» ومسافة قيادتها الإجمالية الجديدة: 28.1 ميل.

وكان مديرو المهمة يعتقدون أن «برسيفيرانس» ستتجاوز هذا الإنجاز في أغسطس (آب)، لكنها عثرت بعد ذلك على صخور فاتحة اللون مثيرة للاهتمام، يُحتمل أن تكون من أقدم الصخور التي دُرست على سطح المريخ. لذا، توقفت عن العمل لمدة شهرين.

وقالت كاتي ستاك مورغان العالمة المشرفة على المشروع، في مقابلة أُجريت معها في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الحالي: «العلم هو السبب وراء وجود هذه المركبة الجوالة على سطح المريخ. نحن متحمسون لتحقيق الرقم القياسي حالما يتحقق. ولكن في الوقت الراهن، فإن (دراسة) الصخور هي المحرِّك الحقيقي للمهمة».

ومن المرجح أن تكون أميال طويلة أمام مركبة «برسيفيرانس» لتقطعها في السنوات المقبلة. إليكم بعض المحطات البارزة من رحلتها حتى الآن.

مظلة مركبة «برسيفيرانس» الفضائية أبطأت هبوطها على سطح المريخ.

المحطة الأولى: الهبوط في فوهة جيزيرو

في 18 فبراير 2021، هبطت مركبة «برسيفيرانس» في فوهة بركان جيزيرو على سطح المريخ، وهي منخفض يبلغ عرضه 30 ميلاً، كان بحيرة عندما كان الكوكب أكثر دفئاً ورطوبة، خلال السنوات الأولى للنظام الشمسي.

حمل الرسم الموجود على المظلة، التي أبطأت مركبة «برسيفيرانس» الفضائية في أثناء هبوطها عبر الغلاف الجوي للمريخ، رسالة سرية: «تجرأ على فعل أشياء عظيمة».

رحلة مروحية المريخ

من بين المهام المبكرة للمهمة، كانت هناك مهمة لم تتطلب قيادة تُذكر. كانت مروحية صغيرة تُدعى «إنجينيويتي (Ingenuity)» مُخبأة أسفل مركبة «برسيفيرانس». وبمجرد هبوطها على سطح المريخ، قامت «إنجينيويتي» بأولى رحلاتها المُتحكَّم بها والمُزوَّدة بالطاقة على كوكب آخر. وبقيت «برسيفيرانس» بالقرب منها للمراقبة ونقل البيانات من المروحية إلى الأرض.

كانت الرحلات التجريبية الـ4 ناجحة للغاية، ما دفع مديري المهمة إلى اتخاذ قرار بمرافقة «إنجينيويتي» لـ«برسيفيرانس» في استكشافها للمريخ. وقد قامت «إنجينيويتي» بـ72 رحلة حتى تعطَّلت إحدى مراوحها في يناير (كانون الثاني) 2024.

اختبار القيادة الذاتية

أمضت «برسيفيرانس» معظم عامها الأول في التجوال حول قاع فوهة جيزيرو، المُكوَّنة من صخور كانت انصهرت ثم تصلبت في أعقاب اصطدام نيزك شكّل الفوهة.

وعلى غرار بعض أحدث السيارات على وجه الأرض، تستخدم مركبة «برسيفيرانس» تقنية القيادة الذاتية لتحديد مسارها من النقطة «أ» إلى النقطة «ب» دون الحاجة إلى توجيهات تفصيلية من الأرض. وبفضل شريحة حاسوبية إضافية أسرع، تتفوق «برسيفيرانس» في هذا المجال على نظيرتها «كيوريوسيتي»، التي هبطت قبلها بأكثر من 8 سنوات وقطعت مسافة أقل، (كما أن «كيوريوسيتي»، المتجهة نحو قمة جبل، ليست في عجلة من أمرها).

قدرات «برسيفيرانس»

تتجاوز قدرات «برسيفيرانس»، التي لا يتجاوز حجمها حجم سيارة صغيرة، بكثير ما استطاعت «سوجورنر (Sojourner)»، أول مركبة روبوتية تابعة لـ«ناسا»، إنجازه عام 1997. فقد قطعت تلك المركبة مسافة 341 قدماً - أي أقل من خُمس ميل - على مدار 12 أسبوعاً، ولم تكن قادرة إلا على تنفيذ الأوامر المُرسلة إليها بدقة. وفي إحدى المرات، علقت إحدى عجلاتها في صخرة بسبب خطأ في تقدير المسافة من قِبل المشرف عليها.

وقال ماثيو والاس، مهندس في مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا»، واصفاً العمل المعقد الذي كان على فريق من المهندسين على الأرض القيام به لمجرد التخطيط لرحلة قصيرة لمركبة «سوجورنر»، مقارنةً بما تستطيع مركبة «برسيفيرانس» القيام به بمفردها: «الأمر مختلف (الآن) تماماً».

ذراع الروبوت التابع لمركبة «برسيفيرانس»

أنهار وصخور وتلال

بعد استكشاف قاع الفوهة، كانت المرحلة التالية من رحلة «برسيفيرانس»، التَّوجُّه إلى دلتا نهر قديم على طول الفوهة، حيث وصلت في أبريل (نيسان) 2022. عُدَّ هذا الموقع واعداً للبحث عن آثار بقايا عضوية، في حال وُجدت حياة على المريخ في أي وقت مضى. كان هذا هو الدافع الرئيسي لـ«ناسا» لاختيار فوهة جيزيرو وجهةً لـ«برسيفيرانس».

ما وراء جيزيرو

انطلقت مركبة «برسيفيرانس» من جيزيرو، وهي الآن تستكشف صخوراً يبلغ عمرها نحو 4 مليارات سنة في منطقة تُعرف باسم بحيرة شارم، نسبةً إلى خزان مائي في فرنسا. لا توجد صخور بهذا القِدم على الأرض، لأن حركة الصفائح التكتونية تدفع القشرة القارية باستمرار إلى باطن الكوكب.

صخور فاتحة اللون على الكوكب الأحمر

وقالت فيفيان صن، نائبة رئيس المشروع: «ما تقدِّمه لنا (برسيفيرانس) هو في الواقع نظرة على تاريخ النظام الشمسي المبكر جداً، أي خلال نصف المليار سنة الأول. هناك كثير مما يمكننا تعلمه من هذه الصخور». وتشمل هذه الصخور تلك ذات اللون الفاتح التي أثارت اهتمام علماء «ناسا» منذ أغسطس الماضي.

يتكوَّن معظم قشرة المريخ من البازلت، وهو صخر بركاني دقيق الحبيبات ذو لون رمادي داكن. (يُعزى اللون الأحمر للمريخ إلى الغبار، فعندما تتعرَّض الصخور للتعرية (نتيجة المناخ)، يصدأ الحديد الموجود في المعادن). وقالت الدكتورة ستاك مورغان: «لذا، كلما رأينا شيئاً فاتح اللون بشكل واضح، فإنه يلفت انتباهنا».

في الطرف الشمالي لوادٍ في بحيرة شارم، رصد العلماء مجموعة من الصخور فاتحة اللون، فانحرفت المركبة الجوالة عن مسارها لإلقاء نظرة عليها.

تُعرف هذه الصخور فاتحة اللون باسم «غابرو (gabbros)»، وهي صخور بركانية خشنة الحبيبات تشبه في تركيبها البازلت، ولكنها على الأرجح تَشكَّلت في أعماق أكبر تحت سطح الأرض حيث بردت الصهارة ببطء أكبر، ما سمح بتكوّن بلورات أكبر. وأضاف الدكتور ستاك مورغان: «لقد لاحظنا في هذه الصخور أدلة على انصهار شديد وصدمة قوية، وهذا بالضبط ما نتوقع رؤيته في صخور ما قبل جيزيرو القديمة جداً التي تمثل قشرة المريخ».

لغز غامض

يعتقد العلماء أن كتل الصخور قد تكون ناتجة عن 3 اصطدامات نيزكية منفصلة: الأول أدى إلى انصهار قشرة المريخ وتكوين الغابرو، والثاني خلق أنماطاً من الصدمات وانصهاراً إضافياً، والثالث دفعها إلى موقعها الحالي خارج جيزيرو مباشرةً. وقال الدكتور ستاك مورغان: «إنها أشبه بلغزٍ غامض».

حاولت مركبة «برسيفيرانس» حفر إحدى الصخور، لكن جمع عينة منها كان بالغ الصعوبة.

لم تضع «ناسا» خططاً طويلة الأجل بشأن وجهة «برسيفيرانس» بعد انتهاء مسحها للمنطقة الحالية. وفي مرحلة ما، ستحتاج الوكالة أيضاً إلى تحديد مصير عينات الصخور التي تحملها «برسيفيرانس». لكن مشروع «إعادة عينات المريخ»، الذي كان من المفترض أن يعيدها إلى الأرض، قد أُلغي، لأن المهمة، التي كانت ستكون تعاوناً بين «ناسا» و«وكالة الفضاء الأوروبية»، عُدَّت باهظة التكلفة. وقد تُعيد «ناسا» إحياء المشروع بوصفه مهمةً تجاريةً، لكنها لم تُصدر أي بيانات بهذا الشأن.

مسافة قياسية

قبل الإطلاق، أكدت «ناسا» قدرة مركبة «برسيفيرانس» على قطع مسافة 20 كيلومتراً، أو 12.4 ميل. وقال ستيفن لي، مدير مشروع المهمة: «تجاوزنا ذلك بكثير الآن». وتعمل «ناسا» حالياً على توسيع نطاق الاعتماد إلى 100 كيلومتر، أو ما يزيد قليلاً على 62 ميلاً.

وعلق والاس: «أتوقع أن تتجاوز المركبة حاجز الـ100 كيلومتر إذا استمرَّت على هذا المنوال. لكن لا شيء مؤكد. قد نكتشف موقعاً بالغ الأهمية لإجراء دراسات علمية، فنقرِّر البقاء فيه لفترة طويلة واستكشافه».

* خدمة «نيويورك تايمز».


هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
TT

هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء

​أفاد العلماء أخيراً بأن الميكروبيوم البشري -وهو تريليونات الميكروبات التي تعيش في أمعائنا- كان نظاماً بيئياً مستقراً في عشرات آلاف السنين قبل أن يشهد تغيرات سريعة في الدول الصناعية، ما يثير مخاوف صحية محتملة لدى الإنسان المعاصر.

600 نوع مفقود من البكتيريا

وفي دراسة أجريت على الأفارقة وسكان أميركا الجنوبية، حدد الباحثون أكثر من 600 نوع من البكتيريا التي ربما كانت شائعة بالأمعاء في الماضي، ولكنها الآن نادرة أو غائبة تماماً عن معظم المجتمعات اليوم. وقال جاستن سوننبرغ، عالم الميكروبيوم في جامعة ستانفورد، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة «نتشر»، إن كثيراً من هذه الميكروبات ربما أفادت صحة الإنسان.

تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة

وتكهن بأن تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة في العالم الصناعي، من الحساسية إلى الخرف.

وتساءل سوننبرغ: «ما مدى خطورة هذا التغيير الكبير في الميكروبيوم الخاص بنا؟ أعتقد أن هذه الدراسة تشير إلى أن الوضع قد يكون خطيراً للغاية».

كان لدى أسلافنا الأوائل، الشبيهين بالقردة، ميكروبيوم مُتكيف مع نظام غذائي يعتمد على النباتات النيئة واللحوم. ويُعتقد أن تركيبه قد تغير منذ مئات آلاف السنين، عندما بدأ الإنسان القديم الطهي باستخدام النار. ومع انتشار البشر من أفريقيا قبل نحو 50 ألف عام، كانوا لا يزالون يعيشون على الحيوانات التي يصطادونها والنباتات البرية التي يجمعونها. ولم يبدأ المزارعون في استئناس المحاصيل إلا قبل نحو 10 آلاف عام، ما أدى على الأرجح إلى تغيير آخر في الميكروبيوم.

أطعمة السكر والحبوب المكررة: تغيير جوهري في العقود الأخيرة

في العقود الأخيرة، بدأ مليارات البشر تناول أطعمة غنية بالسكر والحبوب المكررة. وقد يكون للطب الحديث أيضاً تأثير عميق، فقد أنقذت المضادات الحيوية أرواحاً لا حصر لها، ولكنها قد تُدمر أيضاً الميكروبات المفيدة في الأمعاء.

أطفال «تسيماني» يوقدون الناس لتحضير الطعام

ولرسم تاريخ الميكروبيوم البشري، درس سوننبرغ وزملاؤه مجتمعات حول العالم في مستويات مختلفة من التصنيع. وظهر بعضٌ من أكثر النتائج إثارة للدهشة من قبيلة «هادزا»، وهي مجموعة صغيرة من الصيادين وجامعي الثمار في تنزانيا. ومن خلال دراسة عينات براز من متطوعين من «هادزا»، وجد سوننبرغ وزملاؤه طيفاً واسعاً من البكتيريا.

يقول سوننبرغ: «يوجد نحو 270 نوعاً من البكتيريا في براز الشخص العادي في كاليفورنيا، ونحو 730 نوعاً في براز الشخص العادي من (هادزا)».

التنوُّع... والندرة

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو تنوُّع هذه الأنواع. فكثير منها نادر أو غير موجود تماماً في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعية. وتساءل سوننبرغ وزملاؤه عن مدى تشابه الميكروبيوم لدى «هادزا» اليوم مع الميكروبات التي كانت تحملها شعوب الصيد وجمع الثمار القديمة. وقرر وفريقه مقارنة «هادزا» بشعوب أخرى لا تزال تتبع نمط حياة مشابهاً.

وبدأ العلماء بالتعاون مع علماء أنثروبولوجيا يدرسون مجموعة بوليفية تُدعى «تسيماني» يعيش أفرادها في قرى نائية في الأمازون؛ حيث يديرون مزارع صغيرة مع استمرارهم في الصيد وجمع الثمار. وبينما تتشابه ثقافات «هادزا» و«تسيماني» إلى حد ما، فإن تاريخهما مختلف تماماً؛ إذ ينحدر شعب «تسيماني» من شعوب غادرت أفريقيا قبل 50 ألف عام، وعبرت إلى الأميركتين قبل نحو 15 ألف عام. أما شعب «هادزا» فيقتصر أصله بالكامل على أفريقيا.

بكتيريا تستوطن الأمعاء منذ عشرات آلاف السنين

استخدم سوننبرغ وزملاؤه أساليب جديدة متطورة للكشف عن الحمض النووي البكتيري في عينات براز من شعب «تسيماني»، وقارنوا النتائج بتلك الموجودة لدى شعب «هادزا». ووجد الباحثون 848 نوعاً بكتيرياً مشتركاً بين المجموعتين، ولكنه نادر أو غائب في الدول الصناعية. ثم قاموا بتحليل 636 نوعاً كانت وفيرة بشكل خاص في العينات.

وجد العلماء أن كل نوع من هذه الأنواع يميل إلى حمل طفرات مميزة، اعتماداً على ما إذا كان موجوداً لدى شعب «هادزا» أو «تسيماني». ويشير هذا النمط إلى أن هذه الأنواع الميكروبية كانت تستوطن أمعاء الصيادين وجامعي الثمار منذ عشرات آلاف السنين.

ولا يزال شعب «هادزا» يحملها حتى اليوم، بفضل نمط حياتهم كصيادين وجامعي ثمار. ولكن أسلاف شعب «تسيماني» هاجروا عبر جسر بيرينغ البري إلى الأميركتين قبل 15 ألف عام، وربما قبل ذلك. وحال هذا الانفصال الجغرافي دون انتقال الميكروبات من سكان العالم القديم إلى الأميركتين. واستمر أسلاف «تسيماني» من الصيادين وجامعي الثمار في حمل بعض الأنواع نفسها التي حملها أسلافهم، ولكن البكتيريا الخاصة بهم اكتسبت طفرات مميزة على مر آلاف السنين.

وتشير النتائج مجتمعة إلى أن الصيادين وجامعي الثمار تشاركوا نظاماً بيئياً مميزاً من ميكروبات الأمعاء عشرات آلاف السنين. يقول سوننبرغ: «ربما تأثرت بيولوجيتنا إلى حد بعيد بهذه الميكروبات».

بكتيريا الأسلاف وتدريب الجهاز المناعي

ربما كانت البكتيريا القديمة مهمة لتدريب أجهزتنا المناعية، على سبيل المثال، أو لتخليق المركَّبات التي يحتاج إليها جسمنا. ومع اختفاء بعض الميكروبات في المجتمعات الحديثة، حلَّت محلها ميكروبات جديدة. قد يؤثر هذا التحول على صحتنا. ويقول سوننبرغ: «ينتهي بك الأمر بميكروبيوم مختلف تماماً عما اعتاد عليه جينومك البشري»، ما قد يؤدي إلى التهابات وتغيرات غير صحية أخرى.

من جهته يقول مايكل غورفن، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة، إن الميكروبيوم القديم قد يساعد في تفسير سبب تمتع شعب «تسيماني» بحماية من أمراض القلب وغيرها من الأمراض المزمنة. ولكن ماري كلير أرييتا، عالمة الميكروبيوم في جامعة ألبرتا، والتي لم تشارك في البحث، حذَّرت من أن سكان الدول الصناعية لا ينبغي لهم محاولة استزراع ميكروبيوم يشبه ميكروبيوم مجتمعات الصيد وجمع الثمار؛ إذ لا يعرف العلماء الكثير عن الميكروبات المعوية الـ636 المدرجة في قائمة سوننبرغ، ولا عن الأضرار المحتملة التي قد تسببها. وقالت: «هناك احتمالية كبيرة لانتقال العدوى».

بدلاً من ذلك، فضَّلت أرييتا التعرُّف على الوظائف المفيدة التي تؤديها الميكروبات القديمة في جسم الإنسان، وإيجاد طرق لاستعادة تلك الوظائف تحديداً. وأضافت: «إن فكرة العودة إلى الميكروبيوم القديم تبدو غير منطقية، ولكن من المؤكد أن دراستها ضرورية لفهم بعض هذه الوظائف الميكروبية التي فُقدت».

* خدمة «نيويورك تايمز».


العالِم الذي أسهم في اكتشاف «إيبولا» قبل 50 عاماً... لا يزال قلقاً من انتشاره

موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
TT

العالِم الذي أسهم في اكتشاف «إيبولا» قبل 50 عاماً... لا يزال قلقاً من انتشاره

موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية

في خريف عام 1976 وصلت علبة بلاستيكية زرقاء تحتوي على قارورتين زجاجيتين إلى معهد الطب الاستوائي في أنتويرب في بلجيكا. انكسرت إحدى القارورتين أثناء النقل، فتسرب محتواها الدموي إلى الثلج شبه الذائب داخل القارورة. أما الأخرى، فكانت لا تزال تحتوي على دم راهبة فلمنكية توفيت بمرض غامض في يامبوكو، في زائير، الكونغو حالياً. ومع العلبة وُضعت ملاحظة صغيرة مكتوبة بخط اليد مرفقة بالقارورتين، وقد تسربت الكتابة جزئياً إلى الماء المثلج، كُتب عليها: «حمى صفراء؟».

وقد أوكلت مهمة تحديد ما إذا كانت المرأة قد توفيت بالفعل بسبب الحمى الصفراء إلى عالم بلجيكي أصغر أعضاء فريق المعهد، الذي يبلغ من العمر 27 عاماً.

طبيبان بلجيكي وكونغولي يرصدان «إيبولا»

لكنه لم يكن الوحيد المعنيّ بالأمر؛ إذ جمع الدكتور جان جاك مويمبي، وهو طبيب كونغولي تلقى تدريبه في بلجيكا، العينات وأرسلها إلى المختبر. وساعد باحثون آخرون في أنتويرب ويامبوكو على عزل الفيروس من العينة وتحديد خصائص تفشي المرض.

يوم الأحد الماضي مرَّت خمسون عاماً بالضبط على اللحظة التي كان بيوت واثنان آخران أول من اطلع على «الجاني»: فيروس كبير ونحيل، سيُعرف لاحقاً بأنه من بين أخطر مسببات الأمراض التي يمكن أن تنتجها الطبيعة، كما كتب أبورفا ماندفيلي (*).

أطلق الفريق عليه اسم «إيبولا» Ebola، نسبةً إلى نهر قرب مركز تفشي المرض كان قد أودى بحياة الراهبة وعشرات آخرين. وعلى مر السنين، اكتشف العلماء أن لـ«إيبولا» أشكالاً متعددة، تسببت مجتمعةً في وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص. وقد تسبب تفشي فيروس بونديبوغيو Bundibugyo الحالي في الكونغو أيضاً، في إصابة ما يقرب من 9000 شخص ووفاة أكثر من 4200 شخص حتى 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

بعد أقل من عِقد من اكتشافه فيروس «إيبولا»، أصبح الدكتور بيوت شخصية بارزة في تاريخ فيروس فتاك آخر: فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز)، في أوائل ثمانينات القرن الماضي، كشف عمله في أفريقيا عن أن فيروس نقص المناعة البشرية لم يكن مرضاً يصيب الرجال المثليين فقط، كما كان يعتقد الكثيرون آنذاك. وفي عام 1995، أصبح أول مدير لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز (UNAIDS)، ويُنسب إليه الفضل في مساعدة العالم على فهم أن المرض كان يفتك ببعض أفقر سكان العالم وأكثرهم تهميشاً.

د. بيتر بيوت

حوار علمي

يبلغ بيوت الآن 77 عاماً، وهو رئيس مبادرة «إعادة ضبط أكرا Accra Reset»، وهي جهد دولي لإصلاح الصحة العالمية انطلاقاً من سيادة الدول. وخلال مقابلة أجريت معه في نيويورك الشهر الماضي، تحدث بإسهاب عن التهديد المستمر للأمراض المعدية وضرورة تغيير طريقة تعامل العالم معها. وفيما يلي مقتطفات من المحادثة:

س: حدّثنا عن اكتشافك عام 1976، الذي وصفته بأنه لحظة إدراك مفاجئة.

ج: في ذلك الوقت، لم يكن بالإمكان عزل الفيروس فيما كان يُسمى آنذاك دولة زائير. لم يكن هناك مختبر قادر على ذلك. لم نكن نملك أي فكرة عما كان موجوداً هناك. كان لدينا اسم المريض والطبيب، وهذا كل شيء.

وتحت المجهر، رأينا شيئاً لم نره من قبل. عادةً ما تكون الفيروسات كروية أو مربعة، وهنا رأينا شيئاً أشبه بالمعكرونة أو الديدان. لقد حيرنا الأمر، وكنا نعلم أن فيروساً واحداً فقط وُصف بهذه الطريقة حتى ذلك الحين، وهو فيروس ماربورغ Marburg (فيروس يُسبب حمى نزفية حادة وغالباً ما تكون قاتلة). لكننا كنا في حاجة إلى مزيد من اليقين. أرسلنا العينة إلى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (الأميركية) في أتلانتا، وهناك، في غضون يومين، أثبت الباحثون أنها ليست فيروس «ماربورغ».

ما أراه مثيراً للاهتمام، مقارنةً بتجربتي اللاحقة مع فيروس نقص المناعة البشرية، هو أننا لم نتخاصم أبداً. بعد ذلك، اكتشفتُ أن الأمور في العلم ليست دائماً على هذا النحو.

س: عندما تعاملتَ مع العينة، كنتَ ترتدي قفازات بسيطة ورقيقة فقط، وليس معدات الوقاية المُعقدة التي تعلم الآن أنها ضرورية عند التعامل مع «إيبولا».

ج: هذا درسٌ بالغ الأهمية لحياتي وللجميع. لا يمكنك أبداً معرفة ما تحتويه عينة من مريض. قد لا يكون فيها شيء. وقد تكون «إيبولا»... لذا؛ فإن تجنب سوء الحظ هو أهم شيء في الحياة.

أُصبتُ ذات مرة ببكتيريا السل البقري (التي تُسبب السل في الماشية). ومع الإصابة بـ«كوفيد - 19»، انتهى بي المطاف في العناية المركزة. ولكن هذا كل شيء. أنا لستُ من هواة المخاطرة.

س: أنت مؤسس برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، ومع ذلك تعتقد أنه يجب إغلاق المنظمة.

ج: عندما أسستُ برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، كنتُ أعتقد دائماً أن عمره محدود. من جهة، الأمر مؤثر بعض الشيء لأنني كرّستُ 12 عاماً من حياتي له، سبعة أيام في الأسبوع، دون توقف. لكنني أعتقد أيضاً أننا في حاجة إلى إعادة النظر بجدية فيما يحتاج إليه العالم حقاً اليوم. نحن في وقت نحتاج فيه إلى اتباع نهج أكثر تكاملاً في مجال الصحة، وليس مجرد التركيز على كل مرض على حدة من خلال منظمة مستقلة. علينا أن نفكر في الناس والقضية، وليس في المؤسسات.

تهديدات كبيرة

س: لقد مرّت خمسون سنة منذ أن اكتشفتَ «إيبولا»، وأربعون سنة منذ عملك الأولي على فيروس نقص المناعة البشرية. لكن لا يزال كلاهما يشكل تهديداً كبيراً.

ج: في عام 1973، عندما كنتُ في سنتي الأخيرة في كلية الطب، ذهبتُ للتحدث مع الأساتذة، فيما يُعرف اليوم بالإرشاد المهني. قالوا إنه لا مستقبل لكم في مجال الأمراض المعدية. لدينا لقاحات، ومضادات حيوية، ومياه شرب نقية، وصرف صحي، وما إلى ذلك - كان هذا رأيهم.

لقد حققنا تقدماً هائلاً، لكن بإمكاننا فعل المزيد. كانت نقطة التحول بالنسبة لي هي أن فيروس نقص المناعة البشري أصبح قابلاً للعلاج. هناك أكثر من 30 مليون شخص تعتمد حياتهم اليومية على تناول حبة دواء؛ أليس هذا مذهلاً؟ لكننا ما زلنا لا نملك علاجاً لفيروس نقص المناعة البشري؛ وما زلنا لا نملك لقاحاً. وستظل هناك دائماً حالات انتقال للعدوى؛ لا يمكننا تجاهل ذلك. لكن علينا بذل كل ما في وسعنا حتى لا يتفاقم الوضع ويتحول إلى وباء.

أسباب انتشار وباء «إيبولا»

س: ينتشر وباء «إيبولا» الحالي بوتيرة أسرع من أي وباء سابق. هل تعتقد أنه من الممكن السيطرة عليه؟

ج: من الناحية النظرية، يُفترض أن يكون «إيبولا» من أسهل الأوبئة التي يمكن السيطرة عليها؛ لأنه يتطلب (للانتقال والإصابة) اتصالاً مباشراً بسوائل الجسم. وهو يختلف تماماً عن «كوفيد - 19»؛ إذ يكفي عزل المرضى وارتداء معدات الوقاية. في المجتمعات المزدهرة والقادرة على الصمود، تتوفر جميع هذه الأنظمة.

لكن السياق هو ما يجعل الأمر بالغ الصعوبة في الكونغو. فهذه منطقة عانت ويلات الصراع المسلح لعقود؛ لذا لا يمكن التنقل من مكان إلى آخر بسهولة. كما أن هناك عنفاً جنسياً. أما نظام الرعاية الصحية فلا يعمل بكفاءة؛ فهو غير مستعد للعزل والعلاج وتوعية الناس. وهناك الكثير من المعلومات المضللة. لكن هناك أيضاً عادات وطقوساً، كالجنازات، التي تُصبح خطيرة للغاية عند وفاة شخص مصاب بـ«إيبولا».

عدد الوفيات لأسباب أخرى قابلة للعلاج يفوق بكثير عدد الوفيات الناجمة عنه

كما نعلم أن عدد الوفيات لأسباب أخرى قابلة للعلاج يفوق بكثير عدد الوفيات الناجمة عن «إيبولا» نفسها. هذا يُشلّ نظام الرعاية الصحية برمته. لدينا معدلات وفيات أمهات أعلى بكثير، ووفيات أطفال بسبب الملاريا أو الحوادث. علينا أن نضمن توفير هذا النوع من الرعاية المنتظمة، ليس فقط لإنقاذ الأرواح، بل أيضاً لاستعادة الثقة في النظام الصحي. ولهذا السبب؛ يساورني قلق بالغ من أن يستمر هذا التفشي لفترة طويلة. لكن سيتم احتواؤه يوماً ما.

* خدمة «نيويورك تايمز»