الملك عبد الله الثاني: الأردن مستقر وأمنه راسخ بهمة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية

«الحربة» قادت رجل الأمن للاشتباه بالمتهم أثناء تأدية صلاة العشاء في مسجد إحدى القرى

منظر عام لمقر أجهزة الاستخبارات في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في البقعة حيث وقع الهجوم الإرهابي (إ.ب.أ)
منظر عام لمقر أجهزة الاستخبارات في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في البقعة حيث وقع الهجوم الإرهابي (إ.ب.أ)
TT

الملك عبد الله الثاني: الأردن مستقر وأمنه راسخ بهمة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية

منظر عام لمقر أجهزة الاستخبارات في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في البقعة حيث وقع الهجوم الإرهابي (إ.ب.أ)
منظر عام لمقر أجهزة الاستخبارات في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في البقعة حيث وقع الهجوم الإرهابي (إ.ب.أ)

أكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، اعتزازه الكبير بشجاعة منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وقال إنهم «صمام الأمان والاستقرار وخط الدفاع الأول عن الوطن، وتضحياتهم وعقيدتهم الصلبة في الذود عنه وحماية مصالحه، هي موضع فخرنا واعتزازنا دومًا».
وأعرب الملك عبد الله الثاني، خلال زيارته أمس دائرة المخابرات العامة واجتماعه بمستشاره لشؤون الأمن القومي، مدير المخابرات العامة الفريق أول فيصل الشوبكي، عن تعازيه باستشهاد كوكبة من بواسل دائرة المخابرات العامة، وقال: «نعزي أنفسنا ووطننا وأسر أبنائنا الشهداء وزملاءهم الأشاوس بهذا المصاب». وأكد الملك، خلال اللقاء، أن الأردن «مستقر، بعون الله، وأمنه راسخ، بهمة النشامى في قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية».
وأشاد بسرعة إلقاء القبض على منفذ العمل الإرهابي الجبان على مكتب مخابرات البقعة، مثمنًا الحس العالي لدى مختلف شرائح المجتمع في التعامل مع مثل هذه الحوادث، وإبداء أعلى درجات الحرص على الصالح العام. كما أكد الملك، خلال اللقاء الذي قدم فيه الفريق أول الشوبكي إيجازًا مفصلاً حول آليات التعامل مع حيثيات العمل الإرهابي وإلقاء القبض على مرتكبه، أن الأردن «سيتعامل بكل حزم وقوة ضد من يسعى للعبث بأمنه». وشدد الملك على أن «وحدتنا الوطنية هي سلاحنا في مواجهة أي مخططات تستهدف استقرارنا وتماسكنا، ولن تهزنا أي أعمال إرهابية غادرة يقف وراءها جبناء، لا يعترف بهم دين وهويتهم القتل والإجرام والخراب».
إلى ذلك قرر النائب العام العسكري لمحكمة أمن الدولة الأردنية العميد القاضي زياد العدوان مدير القضاء العسكري أمس، حظر النشر في قضية الهجوم على مكتب المخابرات العامة في البقعة، مما أسفر عن مقتل 5 من عناصرها.
وحظر القرار نشر أي أخبار أو معلومات متعلقة بالقضية التحقيقية الخاصة بمكتب مخابرات البقعة، وبأي وسيلة كانت، سواء عن طريق المواقع الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي أو أي وسيلة إعلامية أخرى حفاظًا على سرية التحقيق وتحقيقًا للصالح العام وتحت طائلة المسؤولية الجزائية.
ويأتي قرار حظر النشر، بعد إعلان الأجهزة الأمنية القبض على المشتبه في تنفيذ الهجوم، وهو مواطن أردني من مواليد عام 1994.
وقد أكد مصدر أمني إلقاء القبض على شقيق المتهم بتنفيذ الهجوم على مكتب المخابرات العامة في البقعة، أثناء اختبائه في مقبرة بلدة المصطبة جنوب جرش.
وقال المصدر إن الأجهزة المختصة تلقت بلاغًا في ساعات فجر أمس من أهالي منطقة المصطبة المجاورة لمكان الهجوم، بوجود شخص «مشبوه» داخل المقبرة، حيث حضرت الأجهزة المختصة إلى المكان وطوقت المنطقة وتمكنت من ضبطه.
وأضاف أنه عثر بحوزة المتهم على سلاح ناري، حيث تم اقتياده إلى المركز الأمني لاستكمال التحقيق معه.
وكانت الأجهزة الأمنية وأبناء من قبيلة العدوان تمكنوا من ضبط المتهم الرئيسي بتنفيذ الهجوم الإرهابي الذي راح ضحيته 5 من المخابرات العامة، وذلك بعدما كان مختبئًا داخل مسجد، حيث أصيب أثناء عملية ضبطه العريف أحمد العدوان وحالته العامة مستقرة.
وفي التفاصيل التي قادت إلى القبض على المتهم بحسب المصادر، فإنه أثناء صلاة العشاء في مسجد الأنوار في قرية «السليحي» القريبة من مسرح الجريمة كان المصلون يستفسرون عن شخص غريب عن المنطقة كان موجودًا داخل المسجد، وأن أحد أفراد الأمن العام الذي كان ذاهبًا إلى الصلاة توجه إلى هذا الشخص للاستفسار عن هويته بصفته ضابط أمن.
وعند سؤال الشخص الغريب (المتهم) عن هويته قال إنه لا يحمل أي هوية وإنه من سكان منطقة عين الباشا وحضر للصلاة في المسجد.
وأشارت المصادر إلى أن المتهم صلى صلاة العشاء في المسجد، وبعد انتهاء صلاة «الفرض» قام بأداء صلاة «السنة»، وأن الشرطي رجل الأمن انتبه إلى وجود شيء تحت قميصه فراوده الشك وقام بتوقيفه لتفتيشه وحينها أبدى مقاومة شديدة.
وأضافت أنه بعد التفتيش تم إخراج «حربة» كان يخبئها خلف ظهره، بمساعدة شرطي آخر والمصلين في المسجد، حينها قام «المتهم» بإخراج مسدس من بنطاله وأطلق رصاصتين على من هم فوقه.
وأصابت إحدى الطلقتين بحسب المصادر العريف أحمد العدوان من أفراد الشرطة البيئية وكان في إجازة.
وبعد السيطرة على المتهم عثر بحوزته على «مسدس عيار 7 ملليمترات» وعشرين طلقة كانت في جيبه والحربة التي كان يضعها خلف ظهره. وبعد إلقاء القبض عليه أشارت المصادر إلى أنه تم طلب دورية للنجدة لتسليم الموقوف وتبين أنه يدعى محمد علي المشارفة من مواليد 1994.
وتم تسليمه إلى المخابرات التي أكدت أنه نفس الشخص الذي ظهر في كاميرات المراقبة المثبتة على المبنى لحظة تنفيذ الهجوم. وبحسب المصادر فإن المشارفة كان نزيلاً داخل نظارة مكتب مخابرات البقعة قبل أسبوعين من تنفيذ العملية، وإنه صاحب أسبقيات وبملفه قيود ألمحت إلى أنها إرهابية، مؤكدة أن العمل فردي معزول عن أي سياق جنائي. ولفتت المصادر إلى أن التحقيقات الحالية مع المتهم سوف تميط اللثام عن أسماء مرشحة لأن تكون ذات صلة في خيوط العملية الإرهابية.
إلى ذلك ذكر مصدر أمني أن رجل أمن أصيب بعيار ناري وأصيب مواطن برضوض أثناء القبض على المتهم وأن حالتهما العامة متوسطة.
المصدر تابع أن حالة العريف أحمد محمد كايد العدوان من الشرطة البيئية مستقرة، مشيرًا إلى أن حس العدوان الأمني دفعه إلى الشك بالجاني وإلقاء القبض عليه، على الرغم من أنه حضر إلى المسجد بغية الصلاة وذلك بعد انتهاء دوامه الرسمي.
وقال والد العريف العدوان الذي أصيب خلال مرحلة القبض على المتهم، إن نجله خضع لعملية جراحية بعد إصابته برصاصة في الكبد، خرجت من السلاح الذي كان يحمله المتهم.
وأضاف العدوان، أن حالة نجله مستقرة، وأنه يرقد في المدينة الطبية، ويتم حاليًا تخفيف التخدير عنه لإيقاظه بعد العملية الجراحية التي أجريت له.
على صعيد متصل ضربت قوات من قوات الأمن والدرك طوقًا أمنيًا على أجزاء من مخيم البقعة، دون الكشف عن نتائج.
وتشهد منطقة مخيم البقعة، ومحيطها إجراءات أمنية مشددة تحسبًا لردات الفعل أو قيام ذوي القتلى بأعمال ثأرية. وأعرب مواطنون من مخيم البقعة عن سخطهم وغضبهم من هذه الجريمة النكراء، مؤكدين تعاونهم مع جميع الأجهزة الأمنية. وقال المختار جمعة النصيرات إن أبناء المخيم يستنكرون هذا العمل الجبان، وإنهم على يد واحدة في محاربة الإرهابيين المتشددين الذين تطاولت أيديهم على هذا الجهاز الأمين على هذا الوطن.
وطالبت الأجهزة الأمنية بتشديد الرقابة على الغرباء من قاطني مخيم البقعة الذين امتلأ المخيم بهم من جنسيات عربية مختلفة.
وقال مصدر مطلع إن الأجهزة الأمنية تحقق في احتمالية وجود مشتبه به آخر في حادثة الهجوم على مبنى المخابرات العامة في البقعة.
إلى ذلك أعلن النائب السابق مصطفى ياغي براءته «ومن معه» من الجريمة النكراء التي اهتزت لها ليست مشاعر الأردنيين فقط بل مشاعر الإنسانية جمعاء.
وقال ياغي في بيان: «وإن كان الجاني أو أحدهم الذي ألقي القبض عليه ليلة أمس وكما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي بأنه ابن أختي، فإن ذلك لا يغير من موقفنا الثابت والمبدئي في رفض كل أشكال الإرهاب والإجرام وأنواعه، وإنني ومن معي من الذين يقفون في خندق الوطن في مواجهة أعدائه والذين يؤمنون برسالة الإسلام السمحة في مواجهة كل أشكال التطرّف ندين هذا العمل الإجرامي ونرفضه، مهما كان فاعله أو مرتكبه أو المتدخل فيه أو المحرض عليه».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.