مدينة الموصل في رواية إماراتية

«حارس الشمس» لإيمان يوسف تطرح أسئلة الغياب العراقي

تدمير «داعش» لآثار الموصل
تدمير «داعش» لآثار الموصل
TT

مدينة الموصل في رواية إماراتية

تدمير «داعش» لآثار الموصل
تدمير «داعش» لآثار الموصل

في معرض لندن للكتاب، وفي جناح مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، عرضت دار نشر قنديل آخر الإصدارات الروائية في منطقة الخليج، ومنها رواية «حارس الشمس» للكاتبة والمهندسة الإماراتية إيمان اليوسف التي فازت بالجائزة الأولى لمسابقة «جائزة الإمارات للرواية» مناصفة مع رواية الكاتب سعيد البادي «مدن ونساء».
استوقفني الإهداء: (إلى الآثار العراقية ما كان منها موجودا وما اختفى إلى الأبد)، وجرني إلى قراءة الرواية في غضون يومين، ترى ما الذي يجعل مهندسة إماراتية وكاتبة شابة تختار بيئة غير بيئتها كي تكتب عنها؟! الكتابة هي إذعان لحلم ما، وفي حالة إيمان يوسف الكتابة عن العراق، في أزمته الحالية، وتحديدا عن مدينة الموصل، هي انقياد نحو الكابوس بكل معانيه.
«حارس الشمس» قُسّمت 30 فصلا، الفصل الأخير من الرواية يدور على مقربة من جامع النبي يونس لحظة تفجيره من قبل عصابات «داعش»، وأعتقد أن الكاتبة اختارت خاتمة روايتها قبل الشروع في بدايتها.. النهاية لحظة توتر جوهرية والحدث الذروة، وكل أحداث الرواية ستبنى باتجاه هذه النهاية.
بطل «حارس الشمس» هو حسين منصور، عراقي من أهالي الموصل، حارس ليلي وسادن في جامع النبي يونس، قليل الكلام وقليل الحظ، يحلم بقطعة أرض يزرعها بزهور دوار الشمس؛ كي يستدل على الضوء الذي ستدير له دوار الشمس أعناقها، وكي تقيه الأرض مذلة التشرد في وطنه. هو بلا ذرية ولا زوجة، وحيد إلا من رحمه (أمه المحتضرة، ومدينته الموصل). جامع النبي يونس هو بطل الرواية أيضا، يقصده الناس للتبرك وطلبا للشفاء والاستجمام. حسين منصور سيظل مخدرا بضعفه وحيرته، مأزوما بفشله وإحباطاته وخساراته يتخذ من الجامع (البطل) مسكنا له.
الكاتبة وظفت الكثير من الميثولوجيا المحلية والعادات الشعبية في إثراء تفاصيل السرد، وهذا واضح منذ الصفحات الأولى، كما في ص 18 فهناك اعتقاد لدى أهل الموصل أن المرأة حين ترمي عباءتها من مئذنة جامع النبي يونس وتسقط العباءة بجانب ولد أو رجل من المارة، فستلد تلك المرأة ولدا. ونجحت في تطريز السرد بنوادر باللهجة الموصلية (لغاد، أمك عتموت...)، والحلويات والأطعمة الموصلية (من السما، لقم). كذلك أغنت الكاتبة السرد بالحقائق التاريخية عن الموصل وجوامعها ومئذنة الحدباء وجسورها عبر شخصية مليكة (الجزائرية- الفرنسية)، وهي باحثة في هندسة القباب والمنارات الإسلامية ترافق زوجها (الفرنسي - العراقي) يحيى في رحلة العودة إلى الموصل لبيع أرضه، الشعرة الأخيرة التي تربطه ووالديه بالوطن، حيث تلاشى كل أمل بعودة المهاجرين.
محور الرواية هي الأرض التي يحلم حسين بشرائها، ويحلم يحيى ومليكة باستردادها وجني المال من بيعها، والأرض التي سيعود إليها جواد ابن المرأة الشيعية الفقيرة الذي فُقد في الحرب، كأن الأرض هي الأم وهي التي ستستقبل الغائبين عند إيابهم.
الرواية تلاحق كل أشكال المعاناة العراقية وتحاول تضمينها بالسرد، زمن الديكتاتور والحروب والغزو الأميركي والاقتتال الطائفي والتهجير...إلخ. بصفتنا قراء تواجهنا حيرة في هذه الرواية، وهي تماهي الظالم والمظلوم وتبادل الأدوار بينهما، لا يوجد ظالم ولا مظلوم، الكل ضحايا مأزق العيش في وطن مستباح بالحروب والغياب.
استخدمت الكاتبة أسلوب الراوي العليم الذي يصف الشخصيات والأحداث بلغة شعرية حادة، شعرت أحيانا بأني أقرأ قصائد نثرية متكاملة وأحيانا خذلت النبرة الشعرية العالية بساطة السرد، وجعلت القارئ يتأرجح بين جمل معقدة الوصف ومفردات ثقيلة الوطء على مجريات الحدث. لكن هناك تقاطعات جميلة بين استرداد الماضي بفقرة، ووصف الحاضر بفقرة تليها مباشرة كما في ص 64. الكاتبة امتازت بالوصف الديناميكي والجمل القصيرة المتلاحقة في وصف المشاهد؛ مما جعلنا نتخيل ما نقرأه كأنه شريط سينمائي.
الأسماء في الرواية رغم محليتها فهي ذات دلالات واضحة: حسين منصور، علاء الجندي المسيحي، أم جواد الأرملة الشيعية البصرية، دجلة زوجة حسين منصور المختفية، دجلة رمز الماء، والحياة تختفي باختفاء الماء، وماء الحياة هو الأمان أيضا، اختيار هذا الاسم موفق جدا لرمزيته ودلالاته الإيحائية المرتبطة بالزمن السردي.
الموت والتلاشي حاضر في الرواية، وتحديدا منذ الفصل الثالث، حيث تبدأ فصول التواري الأبدي، أم حسين العجوز المحتضرة تصف الموت بـ(الزائر الملثم الذي تراه في عيون رُضَعها الذين فقدتهم واحدا تلو الآخر)، نحن أمام حزن نبيل يفجر أسئلة وجودية لأم منكوبة بفقد أولادها ولا تدري لماذا تحل عليها المصائب دون غيرها. حسين بطل الرواية هو وليدها التاسع، رأت الأم التماعة الموت في عينيه أيضا، لكنه نجا منه بالإهمال وكثرة البكاء، ما أجمل هذه المفارقة التي ابتكرتها الكاتبة؛ فالبطل حسين كان عليه أن يختار بين الموت صمتا كما إخوته أو البكاء طويلا. الأم من جهة أخرى اختارت لابنها (حسين) مصيره حين تنبأت له (حسين لا ولد له ولا حظ) ص23. الكاتبة هنا تجاوزت الثنائيات المتناقضة إلى تلك المتكاملة والمتداخلة، بل أحسنت مزجها (الموت - البكاء، الحياة -الحلم، الأرض - المال).
في الفصل الخامس هناك ترابط بين حياة الجامع الليلية بحياة حسين منصور؛ فالناس لا يعرفون شيئا عن الجامع ليلا، وكذلك يجهلون حسين منصور الذي يستأنس بالظلام والسكينة كما استأنس يونس بظلام جوف الحوت عن حياة العائلة والأسرة، متذبذبا بين اليقظة والحلم حتى تغدو الخيالات بالنسبة له واقعا، ومحتارا بين حلمه في جمع المال لشراء أرض وبين واجبه في منح المال لأمه المريضة كي تجري عملية. حسين منصور فاقد القدرة على تمييز الخير من الشر، وهو غير مهتم بالحكم على الأشياء والسلوكيات. إن الطابع المعقد لفعل حسين منصور عندما اتخذ على عاتقه تهديد أم جواد لاسترجاع الأرض التي سكنتها وأولادها، هو عقدة هذه الرواية التي ظلت مسترخية الأحداث رغم أنها تدور في مدينة تعتصرها التغييرات السياسية وتلتهمها نيران الطائفية والتشنج الديني، فحسين منصور لم يسأل نفسه هل هذا فعل خير أم شر؟ هناك حيرة سترافق القارئ حتى النهاية من لا يقينية شخصية حسين منصور من ذاتها.
جمعت الكاتبة في الصفحة 87 بين تأريخ موت (أبي جواد) رب الأسرة الشيعية الفقيرة التي سكنت أرضا مجهولة الملكية في الموصل، بالسكتة القلبية، وبين التاريخ الذي قبض فيه الجنود الأميركان على صدام حسين، لقد أحسنت الكاتبة توأمة موت الفقير المهمش مع نهاية الظالم، كأنما تقصدت رمزية نهاية الظالم والمظلوم معا.
قصص الحب باهتة في الرواية، ورغم ذلك فهي تترك بصمة أكبر من حيزها في البناء السردي، كما قصة حب حسين منصور لدجلة، وقصة حب ملكية ويحيى.
الرواية هي الجنس الأدبي الأقرب للقارئ المعاصر، تعيد محاكاة الواقع وتكبيره بالكلمات كي نعي حجم نكباتنا الصغيرة، متاعب الحياة الشخصية، والتغيرات الكبيرة، وأعني الحروب والموت والهجرة، الرواية هي المرآة العاكسة لهيمنة اللغة في وصف مكابداتنا ومأزقنا الحياتي بصنوفه كافة. الكاتبة مثلا لا تغفل وقع الموت وتفاصيله الصريحة المتربصة بالناس في طريق بغداد الموصل وكيف أن ياسين أخ حسين منصور يتخذ من هذا الطريق مصدر رزق بعمله سائقا رغم الموت، وهنا نحن أمام مفارقة ملامسة الموت لأنه مصدر الرزق.
«حارس الشمس» رواية بلا خيال، لكنها تستخدم الموروث الميثولوجي الشعبي لتعزيز الحكاية، هي رواية عن الحاضر بناسه ووقائعه، الحاضر المتشكل بفعل ماض ترك بصمة دامية فيه، والسائر نحو مستقبل مستنبطا بفعل الوقائع الحالية، هي رواية أهلنا ومدننا العربية ومعالمها التي دُمرت بفعل الحروب وفقدت ذاكرتها الجمعية بفقدان أهلها الذين هُجّروا وغُيبوا.
«ما هي التعويذة الملعونة التي أصابت هذه الأرض المباركة لتدفن الحضارة والأصالة فيه تحت طبقات من الدمار والخراب» تتساءل الكاتبة في الصفحة 65. إن كارثة تدمير الآثار أو تفجير جامع أثري في الموصل ليست كارثة محلية، وإن كانت تمس أهل الموصل وجدانيا أكثر من غيرهم، بل هي كارثة إنسانية كما غيرها من الكوارث في محو وإزالة آثار الشعوب وتاريخها وذاكرة أجيالها. هنات بسيطة وقعت فيها الكاتبة مثل اختلاف تسمية الابن الثاني لأم جواد، في الصفحة 71 تسميه (حيدر) الشاب الذي يبيع الخضر لمساعدة عائلته، وتسميه (سعد) بدءًا من الصفحة 91. أو كما ذكرت الكاتبة أن الجنود العراقيين هم من قبض على صدام حسين بمساعدة الأميركان، والصحيح أن سرية أميركية هي من قبضت عليه فقط.
نهاية الرواية موفقة جدا حين جعلت الكاتبة الطفل (هادي) شاهدا على تفجير الجامع، وإن وقع وسال دمه لكنه نهض، فهل سيكون مستقبل الموصل هاديا كما اسم الطفل الشاهد؟ لقد استقصت هذه الرواية بطريقتها الخاصة وبمنطقها الخاص جوانب الألم العراقي في تلك البقعة من الأرض، وحاولت الإلمام بتلك اللعنة المزمنة، لعنة الحروب والديكتاتورية، ولعنة الواقع المتشظي، ولعنة ما سيأتي.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».