ماذا بعد عصرنا التكنولوجي، الذي تحول فيه الإنسان تقريبًا، كما كان يخشى المفكرون والفلاسفة القدامى، إلى ما يشبه الآلة، وصار الناس شخصيات افتراضية تطل عليك وتطل عليها من بعيد، عصر تحولت فيه حتى حواسنا الخمس إلى حواس افتراضية؟ تمشي في الشارع فيصدمك الآخرون المشغولون بأجهزتهم الذكية، التي باتت تختزن العالم كله، والتي لا يكادون يرفعون النظر عنها. تأخذ القطار أو الباص، فلا تجد إلا نادرًا من يفتح كتابًا، بل الكل محنيو الرؤوس على هذا الآلة العجيبة، وكأن ظهورهم خلقت مقوسة منذ الأزل. التصاق حميم صعب الاختراق. وتجلس في المقهى مع أصدقاء مقربين فتكتشف نفسك غريبًا، عاجزًا عن فتح أي حوار إنساني دفيء تحتاج إليه، فهم يحدقون في أجهزتهم أكثر ما يحدقون في عينيك، حتى لتخال أن حدقات عيونهم قد تحجرت، وآذانهم قد فقدت الوظيفة التي أعطيت لها، وأن ألسنتهم قد نسيت كيفية النطق. أما حاسة اللمس فقد قويت كثيرًا وهي تقبض ليل نهار على الجهاز المعدني بقوة، كما استطالت الأصابع التي تدق على الحروف بآلية متقنة، تدربت عليها كثيرًا.
كان فلاسفتنا يخشون أن «الأتمتة» ستهدد مستقبل الإنسان العامل وقد تطرده إلى الشارع، بينما رأى المتفائلون منهم، أنها بالعكس ستحرر الإنسان من عبودية العمل وتمنحه ساعات فراغ أكثر يستغلها في تطوير مداركه الفكرية وعالمه الروحي.
ولم يتوقع أكثرهم تشاؤمًا أن عصرًا مرعبًا بهذا الشكل سيأتي يومًا ما ليفرغ الإنسان من روحه، ليحل محلها وجود افتراضي، يهدد أن يصبح هو الوجود الواقعي، أو في أفضل الأحوال أصبح هذا لإنسان معلقًا بين عالمين، لا يعرف أيهما الواقعي وأيهما الافتراضي. وهكذا انقلب السؤال: ماذا نصنع بالآلة، إلى: ماذا صنعت الآلة بنا؟
سر بقاء الرأسمالية وحيويتها أنها تخلق حاجات جديدة دائمًا، وستظل تفعل ذلك للأبد. ولكن ليس كل هذه الحاجات ضرورية، بل إن الكثير منها ليس كذلك. غير أن السوق الرأسمالية توهمنا أنها ضرورية، ولا يمكن الاستغناء عنها. ولا نكاد نملك هذه الحاجات، حتى تخلق هذه السوق حاجات جديدة أخرى، تنويعًا غالبًا على تلك التي صارت قديمة، حتى يتعبنا اللهاث خلفها. لا يمكن فعل شيء تجاه ذلك. هذه هي قوانين السوق. لكن الأمر الأكثر خطورة أنهم يقنعوننا بأنها قوانينا نحن، في عملية تسويق كبيرة تتغلغل بلا وعي منا إلى وجداننا وأعماقنا، وتحتل عقولنا وطرائق تفكيرنا. الهامشي يصبح جوهريًا، والجوهر يتراجع إلى الخلف.
لا يمكن إيقاف ذلك، فهذه «القوانين» تتحكم بها قوى أكبر منا، تبدو أنها غير مرئية، وأحيانًا حتى طيبة، شفافة، تفعل من أجل صالحنا. فرانكشتاين خلق وحشه وانتهى الأمر.
لا حيلة للبشرية كما يبدو أمام هذا الواقع المصطنع. ولكن ما تحتاجه هذه البشرية، المستعبدة، المنشطرة، في أغلب مراحل تاريخها من زمن العبودية إلى أيامنا هذه، هو نوع من التوازن. لقد انشطرت في عصرنا الحديث، منذ بداية القرن العشرين بشكل خاص، إلى معسكرين متصارعين، أحدهما يريد أن يفني الآخر. وحين انتهى الصراع، وكان لا بد أن ينتهي بهزيمة أحدهما، تسيّد المنتصر العالم كله، وبالضرورة بدت قيمه وكأنها القيم الوحيدة الجديرة بالبقاء.. والتعميم أيضًا على كل المعمورة. وهكذا أصبحت البشرية ذات بعد واحد يتحكم بالدائرة كلها. ومثل هذا الأمر لا يؤدي بالعالم سوى إلى الخلخلة والترنح في أحسن الأحوال، إذا لم نقل السقوط، وعلاماته بّينة الآن في أكثر من مكان، وعلى أكثر من مستوى.
كيف يستعيد العالم توازنه؟ يبدو أن الإجابة لا تزال في عالم الغيب. ولكن الشيء الأكيد هو أن البشرية لا يمكن أن تعيش سليمة الجسد والروح طويلاً من دون أن تخلق هذا التوازن.
البشرية، كما يقول ماركس، لا تطرح أمام نفسها سوى المشكلات القادرة على حلها.
10:34 دقيقه
عصر فقد روحه
https://aawsat.com/home/article/651776/%D8%B9%D8%B5%D8%B1-%D9%81%D9%82%D8%AF-%D8%B1%D9%88%D8%AD%D9%87
عصر فقد روحه
عصر فقد روحه
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


