الهيئة العليا: الرقة ينتظرها مستقبل غامض.. وسوريا تعمها كارثة إنسانية كبرى

ماخوس: المفاوضات مرهونة بإيقاف الموت والجوع وتثبيت الهدنة

الهيئة العليا: الرقة ينتظرها مستقبل غامض.. وسوريا تعمها كارثة إنسانية كبرى
TT

الهيئة العليا: الرقة ينتظرها مستقبل غامض.. وسوريا تعمها كارثة إنسانية كبرى

الهيئة العليا: الرقة ينتظرها مستقبل غامض.. وسوريا تعمها كارثة إنسانية كبرى

كشفت الهيئة العليا السورية للمفاوضات لـ«الشرق الأوسط» أن المناطق السورية المنكوبة مهددة بكارثة إنسانية لم تشهدها في تاريخها، في ظل الجوع والمرض والموت في المناطق المنكوبة. ورهنت مشاركتها في أي عملية سياسية بمحطة جنيف المقبلة، بـ«اختراق فعلي» في الملفات المتعلقة بالوضع الإنساني واحترام الهدنة وإطلاق سراح المعتقلين، وتثبيت الهدنة، رافضة عنوان «الرقة لمن يحررها».
الدكتور منذر ماخوس، الناطق الرسمي باسم الهيئة العليا، وسفير «الائتلاف» السوري لدى فرنسا قال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه: «إن الحديث عن مشاركة في أي عملية سياسية ما لم يتم حل الملفات المتعلقة بالوضع الإنساني واحترام الهدنة وإطلاق سراح المعتقلين، غير وارد». وأضاف أن تصريحات الناطق بما يسمى «قوات حماية الشعب» (الميليشيا الكردية) بأن «الرقة لمن يحررها»، مرفوضة جملة وتفصيلا، لأنها مشروع وطني شعبي، مقرّا في الوقت نفسه بصعوبة التكهن بما ستؤول إليه الرقة.
وفيما يتعلق باجتماع الهيئة بالرياض هذين اليومين، قال ماخوس: «الاجتماع الذي لم ينته بعد، حاولنا خلاله تقييم مجريات الأحداث على أرض الواقع والوضع السياسي منذ انتهاء المحطة الأخيرة من اجتماع جنيف وحتى لحظة هذا التصريح. إذ مرّ نحو شهر، وكان هناك قرار سياسي كبير، واتصالات لم تنقطع مع الدول الشقيقة والصديقة، واتصالات دولية وأخرى مع المبعوث الأممي لسوريا ستيفان دي ميستورا؛ إذ انعقدت اجتماعات دولية متتالية في كل من برلين وباريس وفيينا، حيث تم كل الحراك السياسي الذي حصل خلال المرحلة الماضية، فهناك محاولة اتخاذ موقف من محطة جنيف المقبلة، التي لم تتحدد حتى هذا التصريح».
ولفت الناطق الرسمي للهيئة العليا للمفاوضات، إلى أن موضوع المشاركة من عدمها هو «الموقف الذي يحتاج لمزيد من النقاش والتقييم، خاصة أن الهيئة لم تجتمع منذ نحو شهر أو يزيد». وأكد الدكتور ماخوس «رفض الهيئة العليا التصريحات التي أطلقها الناطق باسم الميليشيا الكردية تحت عنوان (الرقة لمن يحررها) وأنهم سيحررون الرقة ويضمونها لمناطق أخرى تتبع له». وقال: «كان الأوجب أن تتعاون قوات التحالف مع العشائر العربية المنتشرة في كل مناطق الرقة ودير الزور والميادين وكل شرق سوريا، حيث إن كل المنطقة تسكنها عشائر عربية صرفة، حتى الحسكة التي تعيش فيها عشائر كردية تعيش فيها أيضًا عشائر عربية، والمناطق المحيطة بالشرق والرقة كلها مناطق عربية».
وأكد ماخوس أن «هناك قبائل وعشائر لديها مشاكل كثيرة مع (داعش)، ومنها قبيلة العقيدات، ويرى أنه كان بالإمكان، أن تساهم هذه القبيلة، بقوة في تحرير الرقة، غير أنه لم يجر تدريبها ولا تسليحها، بل تم تجاهلها وبدلا من ذلك، كان التركيز كله على (قوات حماية الشعب) أو ما يسمى (قوات سوريا الديمقراطية) التي تضم مكونا عربيا ضئيلاً لكنها في الأساس قوات كردية». ومن ثم، شدد على «ضرورة مشاركة القبائل والعشائر الموجودة في تلك المناطق والتي تساند قوات الجيش الحر الموجود بكثافة على امتداد شرق سوريا في تحرير الرقة. ذلك أن تحريرها يستدعي أن تكون ضمن المشروع الوطني السوري». وشدّد على أن المنطقة «ليست منطقة كردية ولا غير كردية، وكل سكان المنطقة هم أقرب إلى الثورة، والجيش الحر والمعارضة». ثم لفت إلى أن أمر إضافة الرقة إلى مناطق أخرى «يعد مسألة عسكرية، غير أنه على مستوى الهيئة العليا، فإن تصريحات ممثل (قوات حماية الشعب) بشأنها مرفوضة جملة وتفصيلا.. ثم إن (قوات سوريا الديمقراطية) غير مؤهلة وغير قادرة على اقتحام الرقة».
ثم قال: «من الصعوبة بمكان التكهن بما ستؤول إليه الأوضاع بشأن الرقة، غير أن موقفنا منها أنه يجب أن تكون من مناطق الشعب السوري والمعارضة والمشروع الوطني الشعبي». وأضاف: «سوريا مقبلة على كارثة إنسانية هي الأشد على مدى تاريخها، إذ تصاعد الجوع والمرض والموت في المناطق المنكوبة بشكل هائل، ولذلك لن نشارك في أي عملية سياسية ما لم يتم حل الملفات المتعلقة بالوضع الإنساني واحترام الهدنة وإطلاق سراح المعتقلين».
وأوضح ماخوس: «في ظل هذه الظروف الحرجة، نطالب بتنفيذ فوري لقراري مجلس الأمن الدولي 2254 و2268. ومنذ البداية وحتى هذه اللحظة فإن النظام السوري وحلفاءه لا يلتزمون بهما. ومنذ بدأت العمليات الإغاثية في بداية مرحلة ما بعد مؤتمر ميونيخ، وتحديدا في شهري فبراير (شباط) ومارس (آذار) دخلت مساعدات معقولة نسبيًا، وإن كانت أقل من المطلوب كثيرًا، غير أنها توقفت فيما بعد». واستطرد: «الآن دخلت مساعدات في حدود أقل من 60 في المائة من المناطق المحاصرة و10.5 في المائة للمناطق صعبة التغطية، مما يعني أن القطر كله في حالة كارثية كاملة هناك أكثر من 5 بلدات لم تدخلها ولا حتى غرام واحد من المساعدات الإنسانية والطبية منذ خمسة أشهر».
وحول تصريحات المبعوث الأممي لدى سوريا دي ميستورا، بشأن وقوع مجاعة في المناطق السورية، قال ماخوس إنها حقيقة و«هناك كارثة مجاعة وموت وأمراض، ولذلك شروط المعارضة كانت وما تزال هي الفيصل قبل الذهاب إلى جنيف مرة أخرى». وأضاف: «ولكن دي ميستورا لم يستطع اتخاذ قرار، ولم يقدم دعوات للمفاوضات حتى هذه اللحظة، لأنه كما قال محبط.. وما لم يتم تقدم في الملف الإنساني فلن يدعو للتفاوض. وهذا يفسر عجز الأمم المتحدة عن اتخاذ قرار بشأن المفاوضات، والكل يعرف أنه ما لم يحرز تقدم في الملف الإنساني فلن يكون هناك مجال للمفاوضات»، على حد تعبيره.
وأوضح ماخوس: «إن حيثيات الوضع حاليا، تفسّر مغزى تصريحات دي ميستورا أمام مجلس الأمن الدولي بأن لا مفاوضات سورية قبل أسابيع. نعم ونحن أيضا على نسق ما قاله، ولكننا أكثر إلحاحا منه لأننا نحن المعنيون، ويجب على المعارضة المشاركة في تخفيف آلام الشعب السوري. والقضية الأولى للمعارضة هي الالتزام بمواقف سياسية معيارها إيصال المساعدات الإغاثية إنسانية وطبية لأنها مسألة مقدسة تمامًا، ومن دون هذا العنوان ليس هناك مجال للتفاوض». ومن ثم، شدد الناطق باسم الهيئة العليا على ضرورة الأخذ بدعوات أصدقاء سوريا بتثبيت الهدنة، لأنه - برأيه - أمر ملحّ.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.